عبدالله المساويعلى شاشات بلداننا العربية كل يوم أصبح الإنسان العربي يصحو ويمسي على مناظر أجساد تتناثر هنا وهناك، نساء يبكين ويلطمن خدودهن وسيارات إسعاف تهرع بصفاراتها وأضوائها الزرق ولون الدم والنار والرماد هو الغالب على المشهد الدرامي المهول، هذا هو حال المجتمعات العربية والإسلامية من أقصى شرق آسيا إلى بلدان المغرب الإسلامي. مشهد يحاكي لوحة ‘كرنيكا’ للرسام العالمي بيكاسو. ‘أمعاء ولحم بشري مشوي’ في اليمن السعيد، ‘عروق دم تسيل ورؤوس تقطع’ في العراق، ‘أشلاء أجساد’ تحت ركام بيوت من الطين في باكستان وأفغانستان كل ذلك يتم بواسطة Exdrone (نسبة إلى الطائرات بغير طيار). القاسم المشترك بين كل هذه المشاهد التراجيدية هو أن ‘كتاب’ هذه الدراما لا يعلنون عن أ نفسهم، بل لا يمكنهم ذلك، لأنهم يعون جيدا أن الوصول إلى العقل الجمعي ليس بالشيء الهين ولهذا فصراع الإرادات غالبا ما توظف فيه الأسطورة التي غالبا ما ارتبطت على مدى التاريخ بالتراجيديا.
فأسطورة ‘الإرهاب’ ليس لها كاتب، بل هي نتاج خيال الوعي الجمعي السياسي لدى حكومات الغرب العنصري. ولتحقيق المآرب والأهداف السياسية بشكل جيد لا بد من تفجيرات هنا وهناك، ترويع هنا وهناك وكل ذلك يتم بواسطة منظومة فكرية وأسلحة أسطورية. وما يثير الانتباه هو أن التوظيف الإعلامي له مبرراته ومسوغاته. فالأمريكيون عندما يرسلون من ‘السماء’ طائرات بدون طيار وصواريخ توماهوك فلذلك دلالة لا تنطوي حيلتها ولا رمزيتها على أصحاب العقول النيرة من جهة، فدلالة ‘السماء’ تجعل الإنسان العربي المسلم المغلوب على أمره، سواء باليمن او العراق او غزة او أفغانستان او باكستان يشرأب بعنقه إلى السماء ليل نهار خوفا من لعنة ‘توماهوك’ والطائرات و’الدرونات’، ومفهوم ‘السماء’ مرادف ‘للرب’ عند الغرب، وما دامت ‘الطائرات بدون طيار’ تقوم بعملها فالجريمة تقيد ضد مجهول لأن الفاعل مجهول، بل هي ‘غضب الرب’. فالربان غير موجود على متنها وهدف الأمريكيين يبقى التخويف والترويع، وهما الصورتان المراد تثبيتهما في عقل وذهن المواطن العربي المسلم المقاوم.
وفي الآونة الأخيرة بدأت بعض الفضائيات العربية تلعب لعبة قذرة تتماشى مع الخطاب الإعلامي الغربي العنصري، بل وتتآمر في الكثير من الأحيان، وذلك بقولبة خطابها محاولة الالتفاف على عقل المشاهد العربي. فعندما يقدم مذيع خبرا ينسبه إلى’ فاعل مجهول’، بل يزينه بالشك ‘يُعتقَدُ أنها طائرة بدون طيار…’، فهنا المجرم غير موجود بحيث يصعب تحديد المسؤولية القانونية والأخلاقية.
الطائرة غالبا تكون شبحا واللون الأسود الذي يطليها يرمز إلى العدم، الحزن، الرعب والصمت.
ولم يقتصر الأمر على هذا فقط بل يرى المرء في بعض الأحيان أن فضائيات إخبارية معينة ذهبت بعيدا في تهويل و’أسطرة ‘(نسبة إلى الأسطورة) المناورات العسكرية الإسرائيلية أو الأمريكية كالقول مثلا (أكبر مناورة في تاريخ إسرائيل) (أوسع مناورة في تاريخ إسرائيل).. بل إن فضائية عربية معينة تفننت في تقديم أفلام تمجد سلاح الجو الأمريكي هذه الأيام فأصبحت ‘بنتاغونية أكثر من البنتاغون’. وكأن جو وسماء وهواء البلدان المقاومة أصبحت تحت إمرة سلاح الجو الأمريكي الذي لا يقهر.. أما جنود المارينز فهم ‘طرزانات’ و’رامبوهات’ لا يستطيع أي كان أن يقهرهم، وهذا بحد ذاته يطرح الكثير من الأسئلة حول الدور الحقيقي لبعض فضائيات الأفلام في وطننا العربي، التي تقول بطريقة غير مباشرة للإنسان العربي ‘لا تقاوم.. اخنع’. الهدف الآخر وهو غير المعلن وعلى المرء والحالة هذه أن يحظى بلغة واصفة حتى يتمكن من فهم مغزى عملية ‘الرجم ‘بواسطة الصواريخ من ‘السماء’. وكأن العدو يحاكي ما جرى في سورة الفيل ويستفيد منها، وكأن العدو ينصب نفسه ‘ربا’ يعاقب من لا يخضعون لإرادته.
لقد تحدثت معاهد الغرب ومراكزه في السنوات الأخيرة عن العديد من النظريات العسكرية الإستراتيجية، ولعل أهمها نظرية ‘إستراتيجية البركان’ – أو الحرب القذرة وهي انعكاس واضح وفاضح لهذا المشروع الأسطوري التدميري، الذي لا يتوقف عند البشر والشجر، بل يتعداه إلى البنية التحتية الاجتماعية للهدف. خطاب أسطوري تدميري يبدو أنه منحوت بعناية فائقة في دهاليز مؤسسات الغرب الإعلامية، وأجهزته السرية المتخصصة في إعادة هيكلة وتدجين العقول وإثارة نزعة التناحر المسلح، حتى يتسنى تفتيت النسيج الاجتماعي للدول المهيمن عليها وإلغاء منظومة القيم الوطنية والدينية والأخلاقية للبلدان المقاومة للهيمنة في العالم الجديد. تحت عناوين كثيرة تتهم المقاومة في بلداننا العربية والإسلامية بشتى أنواع التهم، بل لم يتوان البعض في جعلها السبب في كل ما يحصل للعرب والمسلمين في هذا العالم، فهي متهمة بتجنيد المئات من ‘الانتحاريين’ أو ‘الاستشهاديين’ وتصنع الموت وتقتل الحياة. ولكن هل على العرب أن يبقوا مكتوفي الأيدي وهم يرون أبناء جلدتهم يذبحون وبيوتهم تخرب؟ هل على العرب أن يزالوا من خريطة العالم حتى ترتاح أمريكا وإسرائيل؟ هل سعادة الغرب تكمن في تعاستنا؟ إن معادلة الصراع غير متكافئة البتة، فالعدو يوظف الأسطورة ويتفنن في اختيار أسماء لمختلف أسلحته الجوية أو الصاروخية البعيدة والقريبة المدى. أما مناوراته فكلنا يتذكر ‘الإسبارطي المجيد’، و’الرصاص المسكوب’ من السماء… فالأسطورة حاضرة حضورا لافتا. كل شيء عندهم له دلالة ورمزية، فدولة العدو الإسرائيلي واليمين الأمريكي المتطرف الذي يقف وراءها، مبنية على أساطير القوة ورموز تلمودية ماضوية.
في قرارة أنفسهم يعرف الأعداء أن أعتى الأسلحة لن تستطيع ثني إرادة الشعوب فكلما أطلقوا جماح خيالهم للأساطير تسرعت وتيرة هزيمتهم، ولنا في تاريخ الإنسانية عبر لمن لا يعتبر. يعرف أعداء الأمة أنهم إن خاضوا حربا هذه المرة فلن يقوموا بها من وراء ‘جدر’ أو ‘قرى محصنة’، بل من وراء ‘دبر المطبعين’ سيتغلغلون بواسطة مستوطناتهم وسيأخذونهم دروعا هذه المرة، وكعادتهم سيبيعون القرد مرة أخرى وسيضحكون على من اشتراه… كما يقول المثل المغربي.’ كاتب من المغرب