‘اليوم انطلقت تأبينات رسمية من كل عظماء الدولة والمهمين فيها، وعلى أي حال ايضا من رئيس الوزراء، ولكن أمس في مستهل جلسة الحكومة قال نتنياهو بضع جمل غير مرتبطة، شبه عفوية، وبدأ بهذه الكلمات: ‘كان أولا وقبل كل شيء مقاتلا وقائدا، من عظماء المفكرين الاستراتيجيين الذين كانوا لشعب اسرائيل في الزمن الجديد وفي اثناء تاريخه’. هذه بالتأكيد الجملة الاولى الصحيحة لكل ما يمكن وينبغي أن يقال عن اريئيل شارون. شارون كان مفكرا استراتيجيا عبقريا وزعيما عسكريا لا ثان له في تاريخ الجيش الاسرائيلي. ليس فقط من عظماء المفكرين الاستراتيجيين الذين قاموا لشعب اسرائيل بل ومن عظماء المفكرين الاستراتيجيين في العالم بشكل عام. حرب الايام الستة موشحة بتحرير القدس ومعارك المظليين من حولها، ولكن العملية البرية اللامعة والحاسمة في الحرب اياها كانت عملية ام كتف بقيادة شارون التي شقت الطريق الى قلب سيناء في خطوة لامعة ببساطتها وهي تذكر وتعلم في المدارس العسكرية في كل العالم. من حرب يوم الغفران لا زلت أذكر الانفعال المثير واحساس الراحة الذي شعر به الناس المغبرين المنتشرين على طول محور لا ينتهي، حين صعد فجأة على أجهزة الاتصال صوت ‘أربعين’ والمظليون القدامى عرفوه على الفور: اريك. اريك شارون هنا، الان الامور ستبدأ في أن تكون على ما يرام. كلنا شعرنا وعرفنا في أن في هذه الاثناء الامور لم تكن على ما يرام، ولكننا لم نعرف كم كانت على غير ما يرام وكم كان ينبغي لشارون أن يقاتل ليس فقط العدو كي تبدأ الامور تتحرك في الاتجاه السليم. ولكن شارون قاتل الجميع، والعبور تم، والحرب انتهت بانتصار الجيش الاسرائيلي. ‘بالفعل اولا وقبل كل شيء كان شارون مقاتلا وقائدا ومن عظماء المفكرين الاستراتيجيين، ولكن في جملة الثناء الصحيحة هذه تنطوي ايضا رسالة كابحة للجماح من نوع ‘من عموم نعم تسمع لا’. وأولا وقبل كل شيء كان قائدا ومقاتلا جديرا بكل ثناء لا جدال فيه. ليس هكذا بالنسبة لادائه كرئيس وزراء وكزعيم سياسي، حيث يختلط هنا ثناءه وشجبه الواحد بالاخر وهما موضع خلاف. وحتى لو لم يقصد نتنياهو هذا عن وعي وحتى وان كان في اللا وعي، فالامر ينطوي عليه قوله وان لم يقل ذلك هو فانا أقوله. عادة اسرائيلية هي ان في يوم وفاة الانسان لا تذكر خطاياه ولا ينتقد، ولكن الزعيم الوطني ليس شخصا خاصا، ولا سيما اذا كان يوم وفاته استمر ثماني سنوات. لقد كان شارون مقاتلا وقائدا جريئا وكذا بصفته رجلا سياسيا ورئيس وزراء بقي جنديا صلبا يحدد الاهداف، يسعى الى الاشتباك ويتمسك بتنفيذ المهامة بكل ثمن. مؤيدوه يقولون عنه ان حقيقة أنه غير بهذا الشكل المتطرف مواقفه ورؤيته للاستيطان تدل عليه في أنه كانت لديه القدرة في أن يلاحظ بان الواقع الاستراتيجي العام قد تغير. ولكنه لا يوجد أي سبيل لشرح ما الذي تغير فيه الواقع الاستراتيجي منذ ان رفض شارون مطلب عمرام متسناع تفكيك نتساريم وشرح بان ‘حكم نتساريم كحكم تل أبيب’. والى أن قرر بعد نحو سنة اقتلاع كل شيء. عشرات البلدات والاف المستوطنين. ليس الواقع الاستراتيجي هو الذي تغير بل الواقع السياسي والقانوني. قضايا الجزيرة اليونانية وسيريل كيرن هددت كرسيه. فرد بخطة اجتياز كبرى وكثيرة الانطباع غيرت تماما ليس وجه الشرق الاوسط، ليس وضع السلام والحوار مع الفلسطينيين، ولا علاقات اسرائيل والولايات المتحدة بل فقط وجه الخريطة السياسية. هذا يوم نؤدي فيه جميعنا التحية للمقاتل والقائد اريك شارون، الذي خاطر بحياته وتفانى من أجل أمن اسرائيل، ولكننا لا نغفر للسياسي شارون على حملة الدمار الكبرى التي بادر اليها ونفذها من أجل بقاء حكمه. ‘ معاريف 13/1/2014