للشعر مذاق خاص وجذوة لا ينطفئ لهيبها بمرور الأزمنة. وعلى الرغم من التطور التكنولوجي؛ وتسارع وتيرة الحياة؛ وتغيير ميول الإنسان الحديث من الرومانسية إلى الإطار العملي الواقعي الجامد، إلا أنه لا يزال للشعر والشعراء مكانة خاصة بين جميع الطبقات في جميع الشعوب، وحتى الأجيال الجديدة التي وجدت في الانغماس في عالم من المادة راحة ومتعة تزجيهم بروح المغامرة، لكن لا تزال الشريحة الأكبر منهم يحاولون كتابة وإلقاء الشعر، حتى لو كان في إطار عفوي أو تهكمي، وقد يكمن السبب، في أنه عند نظم أو إلقاء الأشعار يحدث اتحاد بين الفكر والوجدان، فتستيقظ جميع الحواس، وتتحد إشاراتها، فيدخل الإنسان في حالة من النشوة التي تدوم طوال وقت نظم أو إلقاء أو سماع قصيدة ما، وفي تلك الأثناء تهيم الروح في سماوات من اللذة التي لا تتوافر إلا عند غياب الوعي، أو الدخول في مرحلة النوم العميق.
الفنون في حد ذاتها متعة الروح، أما المسرح الشعري فهو غذاء النفس وشفاء من هموم الدنيا. ومن الجدير بالذكر أن العالم العربي قديما، لم يوجد فيه ما يسمى بالمسرح أو الفنون المسرحية. وقد يُعزى ذلك إلى طبيعة تلك الأمم التي لا تميل إلى تجسيد ما في داخلها على الملأ، ولا يعد ذلك نقيصة، لكنه ملمح ثقافي. وعلى النقيض، اتخذ الغرب من الطقوس الدينية للآلهة الإغريقية والرومانية سبيلا لعرضها في قالب مسرحي يحتفي بتنمية الجانب الأخلاقي، وتقديم النصح والإرشاد.
وعلى وجه العموم، نظرا لأن النصوص الدينية، السماوية منها أو الأرضية، اتخذت من اللغة شعرية الإيقاع أساسا لها، كتب الغرب مسرحهم شعرا؛ ولهذا تسيد المسرح الشعري المشهد الأدبي قديما. لكن لا يعني ذلك أن الشكل المسرحي غاب في الأدب العربي القديم؛ لقد كانت هناك بعض القصائد، التي اشتملت على عناصر مسرحية. وفي ذاك الإطار، تجدر الإشارة إلى الشاعرين الأمويين عمر بن أبي ربيعة والعرجي، اللذين تزامن وجودهما على الساحة الأدبية، وتقابل ميلهما لشعر الغزل والمجون، فقد انطوت قصائدهما على حوار بين المحبين، يرسم ملامح شخصية العاشق والمعشوق، ويبزر الحالة النفسية التي قيل فيها ذاك الحوار.
إلا أن العالم العربي لم يعرف المسرح الشعري في شكله الحالي إلا مع حملة نابليون على مصر، الذي نقل هذا الفن الغربي إلى العالم العربي. فكما هو الحال في الغرب، يعد المسرح وسيلة مضمونة للترفيه والهروب من هموم الحياة، ومن ثم، اعتاد جنود الحملة الفرنسية تنظيم وعرض مسرحيات ترفيهية للتسرية عن أنفسهم، ما نقل هذا الفن من الإطار الضيق داخل أطر جنود الحملة إلى المجتمع المصري ومنه إلى المجتمع العربي بأكمله.
ويعد مارون النقاش (1817-1855) اللبناني الأصل أول من خطر له إدخال التمثيل المسرحي في العالم العربي، أما خليل اليازجي (1856-1889) فكان أول من كتب المسرحية الشعرية على أسس تحاكي المسرح الشعري الغربي وخليل اليازجي هو شاعر لبناني، قدم إلى مصر عام 1881، وتعرف على جماعة من أهل العلم، فنال حظوة لدى الأمراء والوزراء. ولقد عمل في الصحافة، حيث أنشأ مجلة «مرآة الشرق» التي لم تصدر منها إلا أعداد قليلة؛ بسبب اندلاع الثورة العرابية التي جعلته يعود إلى لبنان مسقط رأسه.
الشعر والمسرح متلازمة راقية ومشروع يمكن من خلال انتشاره الارتقاء بالذوق العام، وبذلك تُصنع أجيال تفكر وهي في مسيرتها للبحث عن الاستمتاع والنشوة.
وقد كان قديما يُطلق على المسرحيات اسم رواية. ومن ثم، كتب اليازجي رواية «المروءة والوفاء» (1876) لتكون أول رواية تاريخية تمثيلية شعرية غنائية، تغنى فيها اليازجي بفضائل المروءة والوفاء من خلال سرد قصة حنظلة الطائي مع الملك النعمان في عصر الجاهلية، وفي تلك الرواية غير المألوفة الشكل، التي كانت باكورة إنتاج المسرح الشعري في العالم العربي، أظهر اليازجي مقدرة فائقة على النظم وسعة المعرفة بالأنغام، وقد لاقت المسرحية نجاحا منقطع النظير سواء في لبنان أو عند عرضها في مصر. وقد أفضى هذا النجاح إلى انتشار هذا اللون من الروايات المسرحية، أي المسرحية الشعرية.
وقد نشط السوريون أيضا في هذا المجال، خاصة بعد الحرب العالمية الأولى. واستمر الحال على مجرد وجود معالجات طفيفة إلى أن تصدر المسرح الشعري العربي الشاعر المصري العبقري وأمير الشعراء أحمد شوقي، حين استهل كتابته للمسرح الشعري بمسرحية «علي بك الكبير» (1898) التي كتبها وهو لا يزال طالبا في فرنسا، وكانت بمثابة نقطة تحول في حياته وتاريخه الأدبي. وبداية من نهاية عشرينيات القرن العشرين، كتب شوقي عدة مسرحيات شعرية لا تزال خالدة في الوجدان العربي. وفي ما يبدو أنه أراد أن يحاكي مسرحيات شكسبير؛ فقد كانت مسرحيته «مجنون ليلى» على غرار مسرحية «روميو وجولييت» لشكسبير، وكذلك مسرحية «مصرع كليوباترا» محاكاة لمسرحية «أنتوني وكليوباترا» لكنه اتجه أيضا لإحياء التاريخ المصري عندما كتب مسرحية «قمبيز».
وقد برع أيضا العديد من الشعراء اللاحقين في كتابة المسرحية الشعرية؛ مثل: صلاح عبد الصبور، والشرقاوي، ونجيب سرور، وأحمد سويلم، ومحمد إبراهيم أبو سنة، وفاروق جويدة، ومهدي بندق، وأحمد الحوتي، ومحمود نسيم، ومحمد فريد أبو سعدة، والعديد والعديد من الأقلام اللامعة، سواء المصرية أو العربية. فكل من المسرح والشعر لهما مكانة محببة، وخاصة لدى المصريين. وعلى الرغم من أن المسرح بدأ في مصر مترجما، لكنه اتسم بالنشاط، وعشقه الجمهور من مختلف الطبقات. وأما الشعر، فاعتاد أصحاب الفرق اقحام وصلات شعرية كفاصل بين العروض، تماما كما كان الحال بالنسبة للوصلات الغنائية؛ فكلاهما يميل الجمهور لسماعه ويقدر وجوده. لكن فيما يبدو أن المسرح الشعري قد خبى تأليفه وكذلك تراجع رواده سواء في مصر أو العالم العربي بسبب عدم معالجته للقضايا الراهنة، وغالبا ما ينغمس الكتاب في تدبيج مسرحياتهم بقصائد مطولة فتصاب الحبكة والأحداث بالترهل وتضعف البنية المسرحية، وكذلك، تعاني الأجيال الحديثة من ضعف استيعابها لمعاني ومفردات اللغة العربية المعقدة، والتي يميل كتاب الأشعار والمسرحيات الشعرية لاستخدامها، ولكي يستقطب المسرح الشعري رواده يجب أن تهبط قدم الكتاب على أرض الواقع، وأن يطرحوا قضايا هذا الزمان. ولمعالجة الضعف في اللغة العربية، يجب على القائمين على العملية التعليمية أن يجعلوا من الشعر مادة محببة؛ فبدلا من الإصرار على تدريس الطلبة في المراحل الأولى قصائد جاهلية معقدة، يمكن طرح القصائد السهلة أولا، وفي ما بعد يتم تدريج الصعوبات.
الشعر والمسرح متلازمة راقية ومشروع يمكن من خلال انتشاره الارتقاء بالذوق العام، وبذلك تُصنع أجيال تفكر وهي في مسيرتها للبحث عن الاستمتاع والنشوة.
كاتبة مصرية