ناتو شرق أوسطي وشرطي إسرائيلي للمنطقة لن يوقف زحف طهران نحو القنبلة النووية

إبراهيم درويش
حجم الخط
3

لم تؤد المحادثات غير المباشرة التي عقدت يوم الأربعاء في العاصمة القطرية، الدوحة بين وفدي الولايات المتحدة ووفد الجمهورية الإسلامية حول إحياء اتفاقية العمل المشتركة الشاملة إلى تقدم ملموس، وسط اتهامات لطهران بأنها تقدمت بمطالب قصوى لا علاقة لها بجوهر اتفاقية عام 2015.
في وقت عبر فيه المسؤولون الأمريكيون عن خيبة أملهم من عدم أحراز أي تقدم نظرا لتمسك الجانب الإيراني بمطلبه الرئيسي وهو شطب الحرس الثوري عن قائمة المنظمات الإرهابية. وقال السفير الفرنسي في الأمم المتحدة نيكولاس دي ريفير يوم الخميس «لم تقبل إيران العرض على الطاولة بل وأضافت موضوعات أخرى لا علاقة لها باتفاقية العمل المشتركة الشاملة، بمطالب قصوى غير واقعية». وجاءت الجولة الأخيرة بعد توقف المحادثات النووية في فيينا في آذار/مارس، وسط انشغال القوى الغربية بالغزو الروسي لأوكرانيا وتمسك إيران بمطلب شطب الحرس الثوري. كما وجاءت الجولة وسط قيود فرضتها إيران على المفتشين الدوليين وتسريعها من عمليات تخصيب اليورانيوم. وستجد القوى الغربية نفسها أمام اتخاذ قرارات عاجلة وإعادة فرض الأمم المتحدة العقوبات حال لم يتمكن مفتشوها من ممارسة مهامهم. وحذرت ممثلة بريطانيا في مجلس الأمن الدولي باربرا وودورد إيران بقولها إنه لم يتم عرض عليها أي صفقة جديدة. وقالت «لم يكن برنامج إيران النووي متقدما كما هو الآن والتصعيد الإيراني هو تهديد للسلام والأمن العالميين».
ويرى الخبراء أن إيران قد تكون قادرة بنهاية العام على تخصيب كميات كافية من اليورانيوم وتصنيع عدد من القنابل النووية. وحذرت كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في بيان مشترك من الصواريخ الباليستية الإيرانية المصممة لحمل رؤوس نووية.

التصعيد الإسرائيلي

وتزامنت عودة المحادثات النووية المفاجئة واختيار الدوحة كمكان لها باعتبار علاقاتها مع إيران والولايات المتحدة التي اعتبرت الدوحة بأنها حليف مهم من غير دول الناتو، في وقت صعدت فيه إسرائيل من حرب الظل الدائرة بينها وإيران منذ سنين. ففي الأيام الماضية نشرت صحف أمريكية عددا من التقارير عن استهداف عملاء الموساد مسؤولين ومنشآت عسكرية ونووية داخل إيران، فيما وصفها رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت بعقيدة الأخطبوط وأن إسرائيل لم تعد تلاحق المخالب بل الرأس. وبدت في التسريبات التي قدمها المسؤولون الإسرائيليون بأنهم اخترقوا المؤسسات الأمنية الإيرانية وقاموا بعمليات اغتيال وتصفية مسؤولين واستهداف مصنع للطائرات المسيرة وضرب منشآت نووية، بل واختطاف عميل للحرس الثوري والتحقيق معه داخل إيران. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» (29/6/2022) أن فشل المخابرات الإيرانية بإحباط الإختراق الإسرائيلي كان وراء عزل مسؤول المخابرات في الحرس الثوري حسين طيب، واعتقالات في صفوف باحثين اتهموا بتسريب معلومات للموساد. وقال مسؤولون إسرائيليون إن جزءا من الإستراتيجية شملت فضح فشل الحرس الثوري في العمليات السرية مع إسرائيل على أمل خلق نزاع بين القيادة السياسية من جهة والدفاعية والأمنية من جهة أخرى، مشيرة إلى أن المسؤولين الإيرانيين اعترفوا بوجود شبكة تجسس إسرائيلية اخترقت صفوف الدوائر الأمنية العليا في إيران. وكانت آخر الفصول في حرب الظل بين إيران وإسرائيل، ما قالت تل أبيب أنها مؤامرة لقتل إسرائيليين في تركيا، ومحاولة انتقام إيران من الهجمات المتكررة على أرصدتها الثمينة في الداخل، وخاصة مقتل صياد خدايي، نائب وحدة خاصة في الحرس الثوري متخصصة بالعمليات الخارجية. ويبدو أن إسرائيل ماضية في سياسة التخريب كوسيلة للضغط على الإدارة الأمريكية بعدم إحياء الملف النووي الذي يعني رفع العقوبات عن إيران وعودتها لتصدير النفط. وكان هذا واضحا في مقابلة بينيت مع «نيويورك تايمز»(21/6/2022) التي عبر فيها عن رضاه من رفض إدارة بايدن شطب الحرس الثوري.

أحلاف

وفي ظل اتفاقيات التطبيع مع دول عربية يدور الحديث عن أحلاف واصطفاف جديد بالمنطقة. وهذا نتاج اتفاقيات إبراهيم، وهي إنجاز ترامب في السياسة الخارجية حيث وقعت الإمارات والبحرين والمغرب والسودان اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل التي تحاول توسيع المواجهة مع إيران من خلال أحلاف جديدة.
وأشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» (26/6/2022) إلى أن الولايات المتحدة عقدت لقاء سريا لقادة عسكريين بارزين عرب وإسرائيليين للبحث في طرق التنسيق ضد القدرات الإيرانية في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة. وعقد الاجتماع الذي لم يكشف عنه سابقا في شرم الشيخ بمصر، وهو أول اجتماع يحضره مسؤولون عرب وإسرائيليون برعاية أمريكية لمناقشة التهديد المشترك. وأرسلت الإمارات والبحرين ضباطا إلى الاجتماع ومثل الولايات المتحدة قائد القيادة المركزية في الشرق الأوسط، الجنرال فرانك ماكينزي.
وفي ظل الزيارة المرتقبة للرئيس بايدن إلى المنطقة، فقد عاد الحديث عن حلف إقليمي جديد لمواجهة الخطر الإيراني، أو ناتو شرق أوسطي، يشمل هذه المرة إسرائيل. وكان ملك الأردن، عبد الله الثاني قد قال في تصريحات لشبكة «سي أن بي أس» الأمريكية انه يرحب بناتو عربي، مؤكدا على أهمية وضوح المهمة، فيما استبعد وزير خارجيته مشاركة إسرائيل في التحالف. ورأى موقع «بلومبيرغ» (29/6/2022) أن المواقف من التهديدات التي تواجه الشرق الأوسط متباينة من جانب إسرائيل ودول الخليج. واعتبر كاتب المقال بوبي غوش أن فكرة الحلف مضللة وتحرف الانتباه عن القضايا الأهم. وتبدو إسرائيل راغبة بالفكرة ويمكن أن تدعمها إدارة بايدن، على الأقل لحماية الرئيس من النقد في الكونغرس حيث يتهم بالتساهل مع طهران.
وقال إن الجدال حول ناتو شرق أوسطي وإن بدا معقولا إلا أنه يبدو مثيرا للسخرية بسبب الواقع السياسي والعسكري في المنطقة. ذلك أن الدول التي ستنضم إلى التحالف تجد صعوبة في تعريف الأهداف الأمنية المشتركة، علاوة على العدو المشترك.
ويعلق أن هذه العوامل كانت كافية لإفشال المحاولات السابقة لبناء تحالفات عسكرية في المنطقة، واحدة في عام 2015 وأخرى عام 2017. إلا أن التطبيع وزيادة التهديد الإيراني أدى إلى تسريع الحديث عن حلف لمواجهة طهران، مع أن
إدارة بايدن تؤمن بإحياء الاتفاقية النووية كوسيلة لاحتواء التهديد النووي الإيراني. والمشكلة هي طبيعة العلاقات المتشابكة واختلاف مواقف الدول العربية من إيران وخطرها تعتبر عقبة أمام أي حلف إقليمي، فهناك دول تقيم علاقات مع إيران مثل قطر وعمان وأخرى تقيم علاقات حذرة معها مثل الكويت، فيما ترغب السعودية والإمارات العربية المتحدة تعايشا معها وليس مواجهة، وخاصة بعد تجربة الحرب في اليمن. وبالنسبة لبقية الدول العربية في الشام والعراق، فقد أصبحت سوريا بمثابة تابع لإيران ويسير العراق ولبنان على هذه الخطى. وطالما حذر الملك عبد الله من التهديد الإيراني المتزايد، إلا أن جيشه الصغير لا يمكنه إلا لعب دور بسيط في أي حلف ضد إيران، تماما كدوره في الحرب ضد الحوثيين في اليمن. وتوجد الجيوش القوية في شمال أفريقيا، وعادة ما تتعامل مع إيران بنوع من التردد نظرا لبعدها عنها. ولدى مصر أكبر جيش في العالم العربي وكانت أول دولة تنسحب من مشروع التحالف الأمني للشرق الأوسط الفاشل. كل هذا يعني أن مهمة ردع إيران ستقع على عاتق كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. وذهبت مجلة «إيكونوميست» (30/6/2022) إلى نفس المذهب حيث رأت في الحلف تعبيرا عن التغيرات بالمنطقة بعد اتفاقيات إبراهيم وحرص دول عربية للحصول على التكنولوجيا الإسرائيلية «القبة الحديدية» لمواجهة التهديد الإيراني. وأكد وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس في 20 حزيران/يونيو أمام الكنيست وجود تعاون أمني فاعل، واعتراض مسيرات إيرانية انطلقت من العراق باتجاه إسرائيل.

خطة ب

ولا ينفصل الحديث عن الأحلاف الجديدة لمواجهة إيران عن بحث إدارة بايدن عن خطة «ب» حال لم يتم إحياء الملف النووي. ويبدو أنها تتبنى النهج الإسرائيلي الداعي لتشديد العقوبات على إيران وإخراجها من سوق النفط، ودعم إسرائيل في هجماتها على إيران وجماعاتها الوكيلة، ويقتضي هذا الدعم بناء تحالف وهو بالضرورة الهدف من اتفاقيات إبراهيم التي قصد منها ان تتطور إلى تحالف دفاعي بدعم أمريكي، كما جاء في مقال بمجلة «فورين أفيرز» (1/7/2022) ناقش فيه كل من ماريا فانتابي وولي ناصر قائلين إن هذا الوضع يذكر باستراتيجية ريتشارد نيكسون للشرق الأوسط، عندما قدم تعهد حراسة أمن المنطقة في السبعينات من القرن الماضي إلى شاه إيران.
وفي السياق، فإدارة بايدن أوكلت مهمة احتواء إيران إلى إسرائيل، بخلاف أن الشرطي المعين من أمريكا للمنطقة لا يبحث عن طرق لتجنب النزاع بل ويسعى إليه بقوة. وعلى واشنطن تبني سياسة مختلفة تقوم على تقوية الأمن الإقليمي وتشجيع الحوار بين الدول العربية وإيران كوسيلة لخفض التوتر في الشرق الأوسط.
وأشار الباحثان إلى ان نفتالي بينيت، رئيس الوزراء الإسرائيلي أكد على ضرورة منع إيران من امتلاك السلاح النووي، وبدلا من الضغط على أمريكا كما فعل سلفه بنيامين نتنياهو فإنه أطلق العنان لسياسة تقويض الجمهورية الإسلامية وليس منعها فقط من الحصول على القنبلة النووية. وكجزء من استراتيجية الضغط على إيران، عملت إسرائيل على تقوية حضورها في الدول القريبة من الجمهورية الإسلامية، مثل أذربيجان وتأكيد الحضور في كردستان العراق إلى جانب توسيع مدى التعاون الأمني الذي فتحته اتفاقيات إبراهيم مع دول الخليج والاقتراب من إيران عبر الخليج. وتشجع واشنطن الأردن ومصر على بناء علاقات أمنية مع إسرائيل وتحاول إقناع السعودية الدخول في علاقات مع إسرائيل لتقوية المحور المضاد لإيران، ولن يغيب هذا عن رحلة بايدن المقبلة.

اللعبة الطويلة

في الوقت الذي أعلنت فيه إسرائيل الحرب، تحاول إيران شراء الوقت وتجنب المواجهة وتقوية برنامجها النووي وبرامجها الصاروخية والطائرات بدون طيار وتعزيز قدرات جماعاتها في اليمن ولبنان وسوريا والعراق. وتعتقد طهران أن أمريكا ستتدخل عسكريا حال جرتها إسرائيل للمواجهة، وهو ما سيدفع عددا من الدول العربية للوقوف إلى جانب إسرائيل. ولم تتوقف إيران عن ضرب إسرائيل من خلال جماعاتها الوكيلة في لبنان وغزة، كما واستهدفت عملاء إسرائيل في مراكز الحدود كما فعلت في كردستان العراق ونظمت مناورات قرب الحدود مع أذربيجان. وضغطت طهران على حلفائها في العراق لتمرير قانون يجرم التطبيع مع إسرائيل وضغطت على أكراد كردستان تخفيف علاقاتهم مع إسرائيل التي لم تغب عن نظرها هذه التطورات. فبعد الهجوم على مطار دمشق طلبت من رعاياها في تركيا الحذر، خشية عمليات انتقامية.

الحرس لا يريد اتفاقية

وبالنسبة لإيران فإن العقوبات والضغط من إدارة ترامب أجبرا تجارة النفط الإيراني للعمل تحت الأرض، ما أدى لحصول الحرس الثوري على ميزانيته عبر إدارة هذه التجارة مباشرة وليس الحكومة. وبيع النفط الإيراني خلسة منذ عام 2018 مما سمح للحرس بيع حصته في السوق السوداء وإدارة مجموعات كبيرة من الشركات، ولهذا السبب باتت ميزانية الحرس خارج الميزانية الحكومية الرسمية. ولدى قادة الحرس المؤثرين المحفزات لرفض اتفاقية جديدة لأن موارد النفط ستعود إلى الحكومة المدنية والتي ستجبرهم على تقديم ميزانيته لها. وتطور كهذا لن يرحب به في وقت يحاول فيه الحرس تعزيز قدراته لتكون على قدم المساواة مع إسرائيل. كما زادت الهجمات الإسرائيلية المتكررة من مقاومة الحرس لإحياء الاتفاقية، وتشك قيادته بأنها جزء من خطط أمريكية، لتقويض القوة العسكرية الإيرانية.
ومع ذلك فالعودة للاتفاقية النووية قد تعطي روحا جديدة للاقتصاد وسط الحنق الشعبي المتزايد. وربما فتحت فرصا لإيران مع جيرانها في وقت توسع فيه إسرائيل من علاقاتها مع الدول العربية، وربما تجاوز الذين يفضلون الاتفاقية مقاومة الحرس الثوري إن كانت المنافع الاقتصادية مباشرة وسريعة.

ثمن الفشل

وفي حال الفشل بإحياء الاتفاقية، فهناك مخاطر من التصعيد مع إسرائيل، ولكن الحرس لديه تأثير على الحكومة، ومن المفارقة أنه مع إسرائيل يعارضان إحياء اتفاقية 2015. وعليه فعلى الإدارة الأمريكية المشاركة في النقاشات بطريقة بناءة وليس تبني نهج إسرائيل الأمني. فهي مطالبة بالسيطرة على حرب الظل بين إسرائيل وإيران ومنع خروجها عن السيطرة إلى نزاع مفتوح، بشكل سيطيل أمد الأزمة في العراق ولبنان وربما امتد من الشام إلى الجزيرة العربية وقوض الهدنة الهشة ما بين الحوثيين والسعوديين في اليمن وربما أشعل الحرب من جديد في سوريا. وستجر أمريكا للتعامل مع المنطقة في وقت ترغب فيه بالتركيز على روسيا والصين. ولتجنب هذه النتائج على إدارة بايدن وضع خطوط حمراء للحكومة الإسرائيلية والتأكيد على محدودية الهجمات الاستفزازية، كما وعليها تقديم خطة استقرار للشرق الأوسط لا تقوم فقط على احتواء ومواجهة إيران أو تأمين خفض قصير الأمد للنفط، بل ويجب عليها إنشاء خطة مستدامة تمنع العنف. وأفعل طريقة لعمل هذا هو التوصل لاتفاق مع إيران. ولن يرضي هذا إسرائيل والحرس الثوري وجماعاته الوكيلة، لكن سيضع الحدود على برنامج إيران النووي بشكل يجعل من أي عمل عسكري إسرائيلي أمرا غير ضروري. كما وسيوقف العمليات الإيرانية ضد ناقلات النفط في الخليج والتي تعكر أجواء السوق العالمي، واختراق سيعطي زخما لعلاقات إيران مع جيرانها في الخليج، فقد حاولت تحسين علاقاتها مع الكويت وقطر وعمان وخاضت مفاوضات مع الإمارات وخمس جولات مع السعودية قادت لوقف إطلاق النار في اليمن. إلا أن عقوبات جديدة واستمرار الهجمات الإسرائيلية ستوقف كل هذا. وحتى بدون اتفاقية، فهناك طرق لتحسين العلاقات بين إيران وجيرانها، لو ظهر مسار واضح، صحيح أن دول الخليج تخشى إيران وطورت علاقاتها الأمنية مع إسرائيل، لكنها لا تريد حربا إسرائيلية إيرانية قد تكون ضحية جانبية لها. وترغب دول الخليج بحل النزاعات الإقليمية، وبخاصة حرب اليمن. وفي النهاية فالخيار الدبلوماسي هو الطريق للخروج من المأزق بالمنطقة بدلا من إنشاء تحالفات باسم احتواء إيران وتغيير سلوكها، وتسليم أمن المنطقة بما فيها الخليج والبحر الأحمر لـ «شريف» جديد اسمه إسرائيل لن يوقف النزاع بل سيوججه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية