ناجي العلي.. قتلوكَ مرتين

حجم الخط
0

في مقالة كنتُ قد نشرتها على صفحات ‘القدس العربي’ في العدد 6002 الموافق 19/9/2008 تحت عنوان: ‘حنظلة ما تزال دماؤك تسأل’، في الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي في لندن، ذكرتُ في المقالة أن الشهيد ناجي العلي يستحق تكريماً رسمياً وجماهيرياً أسوةً بالشاعر محمود درويش، ويستحق بأن يكرّم بنقل رفاته إلى قريته ‘الشجرة’ أو إلى جوار والده في مخيم عين الحلوة كما كانت وصيته، فناجي لا يقل أهمية عن سواه للأدب الفلسطيني والعربي وحتى العالمي، وهو الذي صنفه الاتحاد الدولي لناشري الصحف في باريس بأنه أحد أعظم رسامي الكاريكاتير منذ القرن الثامن عشر، واختارته صحيفة ‘أساهي’ اليابانية واحدا من أفضل عشرة رسامي كاريكاتير في التاريخ.

ما دعاني إلى هذه المقدمة خبرٌ قرأته اليوم على صفحات الانترنت عن مبادرة لاستعادة رفات ناجي من مقبرة ‘روك وود’ الإسلامية في لندن، كي يعاد دفنه في ‘رام الله’ أو الدول العربية المجاورة، لكن ما أدهشني في هذه المبادرة التي سعدت بقراءتها في بادئ الأمر وسرعان ما أصابني الاحباط ثانيةً، أن تسعى هذه المبادرة إلى المطالبة بدفن رفات الشهيد ناجي العلي إلى جانب رفات الشاعر محمود درويش، فمن قال لكم بأن ناجي أراد ذلك؟ وهل قرأتم وصيته حتى تكونوا قيّمين على رفاته؟ لقد كانت وصية الشهيد ناجي العلي بأن يُصار إلى دفنه في قريته ‘الشجرة’، وإن تعذّر ذلك ففي مخيم عين الحلوة في جنوب لبنان إلى جوار والده، لكن أن تطالب الجهة القائمة على هذه المبادرة بدفن رفات ناجي إلى جوار درويش فهذا والله ظلم لذلك الرسام المرهف الإحساس، النحيل الأصابع، وهو الذي كان قد تلقى تهديداً مباشراً من محمود درويش في يوم من الأيام، ولمن يريد التحقق من ذلك بامكانه الرجوع إلى نص الحوار التلفزيوني الذي أجراه الشهيد ناجي العلي ونشرته مجلة ‘الأزمنة العربية’ في العدد (170) لعام 1986 في الصفحة رقم (14). يومها تحدث ناجي عن التهديدات المباشرة التي وجهها له درويش وهذه واقعة وحقيقة لا ينكرها إلا جاهل، ولا يتغاضى عنها إلا إعلامٌ فاسدٌ مفسد، فكيف بالله عليكم يدفن رفات ناجي إلى جوار من هدده وتوعده في يوم من الأيام لأنه أي ناجي لم يكن من جماعة ‘فلان’. أنا هنا أسجل موقفي بأنني مع المبادرة، ولكن أن تكون هذه المبادرة تلبي وصية صاحب الشأن وحده دون سواه، بأن يدفن في قريته ‘الشجرة’ أو إلى جوار والده في مخيم عيـــن الحلوة، لا أن تُحاك مصالح شخصية من وراء هذا الموضوع، وأن يتم التلاعب بقضية وطنية لحساب جهة معينة كي تحقق نصراً ذاتياً زائفاً أمام الشعب، فكفى مهزلةً، وكفى قتلاً في ناجي العلي حتى بعد أن استشهد، ولا أجد ما أقوله سوى أن أردد كلمات الشاعر الكبير مظفر النواب التي قالها في رثاء الشهيد الخالد ناجي العلي: ‘ألم يكفهم مرةً قد قُتلت؟!’. فراس برهم[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية