الشاب الفلسطيني محمد أبو ناموس
إسطنبول: من بين الآلاف الذين تماثلوا للشفاء في مدينة ووهان الصينية يروي الشاب الفلسطيني محمد أبو ناموس (39 عاما) حكايته الخاصة مع فيروس كورونا، بعد رحلة كانت سماؤها الغربة وفراشها أَسِرّة المرض وحدودها جدران الحجر الصحي، على حد وصفه.
أبو ناموس غادر قطاع غزة قبل عام ونصف متخذا من المثل الشهير “اطلبوا العلم ولو في الصين” طريقاً لإكمال مسيرته العلمية، ساعياَ للحصول على درجة الدكتوراة في تخصص علم النفس الاجتماعي من جامعة “سنترل شاين نورمال” بمدينة ووهان الصينية.
وكان الشاب الفلسطيني، قد رسم خطة غربته واضعا بالحسبان جل التحديات التي يمكن أن تواجهه من اختلاف الثقافة واللغة والديانة والبيئة وكل ما يخطر في بال الطالب المغترب، لكن الذي لم يضعه في الحسبان هو أن يواجه سيناريو فيروس كورونا.
مع انتهاء الفصل الدراسي الأول قرر أبو ناموس أن يقضي إجازة مع مجموعة من أصدقائه خارج المدينة لتجديد طاقتهم والعودة لمقاعد الدراسة، دون علمهم أن هذه الإجازة ستكون سببا في عزلهم عن الحياة لأكثر من شهر.
حيث تناقلت وسائل الإعلام في تلك الفترة خبر الفيروس ومدى انتشاره في الصين، وبدأت السفارات تطلب من جالياتها العودة مع إحضار تقرير طبي (يفيد خلو العائد من الفيروس) وذلك قبل إيقاف الرحلات من وإلى الصين.
وبالفعل ذهب أحد أصدقاء أبو ناموس، ممن كان معه في الرحلة لاستخراج هذا التقرير لأجل العودة، ليتبيّن أنه مصاب ويتوجب أن يخضع للحجر الطبي.
في تلك اللحظة يقول أبو ناموس: “اتخذنا قرارا أنا وأصدقائي أن نجري فحصا طبيا للتأكد من عدم إصابتنا بالفيروس وهذا ما ظهر بالفعل في الفحص الأولي”.
ويتابع: “حينها عدنا للفندق ونحن نفكر بحال صديقنا الذي خضع للحجر، لكن سرعان ما أتى إلينا جهاز الطب الأمني الوقائي الصيني وطلب منا المكوث في الحجر الطبي الاحترازي مدة 14 يوم كل شخص في غرفة منفصلة ويمنع أن نخرج منها بشكل قطعي”.
في 28 من يناير/كانون الأول بدأت معالم الرحلة الشاقة تظهر وبدأ الصراع الحقيقي الذي يتمثل بكيفية تحمل الحجر لمدة 14 يوما دون الاختلاط بأحد، يقول أبو ناموس.
وأضاف: “كنا خلال أيام الحجر الصحي برفقة أفكارنا وتخوفاتنا من احتمال أن نكون مصابين بالفيروس الغامض، والذي وصفته وسائل إعلام بأنه قاتل وسريع الانتشار”.
يقول أبو ناموس: “بدأت معي في تلك الفترة أعراض إرهاق عارضة لعدة أيام ظننتها بسبب السفر والتنقل، لكن وفي مساء يوم 2 فبراير/ شباط وبشكل مفاجئ بدأت الأعراض تظهر مباشرة”.
وأضاف: “كانت الأعراض عبارة عن حرارة مرتفعة تصل لأكثر من 39 درجة وآلام لا تحتمل في الجسد وخاصة في الرئة فكان الشعور أشبه بانغراس أدوات حادة بها، وكأن رئتاي تنتزعان من مكانهما”.
وتابع: “إلى جانب جفاف في الحلق وسعلة مؤلمة جدا وجارحة وطنين حاد في الأذن وصداع شديد في الرأس وألم في الجيوب الأنفية”.
ويروي أبو ناموس: “في تلك اللحظة تواصلت مع الجهات المختصة وقاموا بإجراء فحص شامل ليظهر إصابتي بشكل فعلي بالفيروس وتم على إثرها تم نقلي لتلقي العلاج”.
ويتابع متحدثاً عن رحلة العلاج: “في بداية الأمر وضعوني في صندوق بلاستيكي عدة أيام لا أخرج منه أبدا حتى ظهرت على جسدي معالم الاستجابة للعلاج”.
ويضيف: “في تلك الفترة كان التعامل من جهة الأطباء إنسانيا راقيا، حيث كنا نشاهد الطبيب أو الطبيبة وهم مصابون مثلنا بالفيروس يتألمون ولكنهم يتفانون بعملهم رغم ارتدائهم الزي الواقي والكمامة طوال الوقت”.
ويذكر: “كان الأطباء والممرضون يتحملون الأعراض وحرارة الملابس الواقية مقابل تقديم أفضل خدمة بكل لطف وإحسان”.
ويكمل أبو ناموس: “كنا نمارس الرياضة معا وأحيانا نغني سويا، وأحيانا كان الأطباء والممرضون يقومون بعمل علاج طبيعي وتدليك للمرضى للتخفيف من حدة الآلام”.
وخلال رحلة العلاج، يتذكر الشاب الفلسطيني موقفا لطيفا من أحد الممرضين الذي كان يسألهم دائما عن خياراتهم في الأكل على اعتبار أنهم أجانب ومسلمون.
ويقول: “ذات يوم اشتهيت تناول البيتزا فأخبرت الممرض عن رغبتي بذلك، فتعامل معي بكل رقي ولطف واعتذر بشدة لأنه لم يتمكن من إحضارها في نفس اليوم ووعدني بأن يحضرها في اليوم التالي”.
ويتابع أبو ناموس: “كان الأطباء يتبعون معنا أربعة أساليب علاج وهي العقاقير والعلاج النفسي والرياضة والغذاء الصحي”.
ويضيف: “كنا نتجنب البقاء في حالة نفسية سيئة والتي كانت تتفاقم عند متابعة الأخبار والشائعات التي تتداولها وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي”.
ويستدرك: “لذلك كنا نتجنب تلك الأخبار من خلال قضاء الوقت ما بين الصلاة والدعاء والنوم وتناول العلاج إلى جانب التواصل مع العائلة والأصدقاء ومشاهدة أفلام مسلية للترفيه عن النفس”.
يقول أبو ناموس: “في تاريخ 19 فبراير/شباط خرجت من مرحلة (الحجر الصحي والعلاج) إلى مرحلة (الحجر الصحي ما بعد التعافي) بشكل منفرد حتى 5 مارس/آذار حين أكرمني الله بالشفاء”.
ويضيف: “ربما لازالت تعتريني بعض الأعراض والآلام الخفيفة نتيجة التجربة القاسية التي مررت بها إلى جانب المشاكل النفسية التي تشكلت نتيجة الصدمة وفترة العلاج الطويلة لكن أتمنى أن لا أعود لهذا المربع مرة أخرى وأن لا يريه الله لأي انسان آخر”.
ودعا أبو ناموس الجميع إلى أن يتحلى بروح المسؤولية وأن يتقي الله في كل كلمة يكتبها ويقولها للناس، إلى جانب التعامل مع الفيروس بسهولة لكن دون استخفاف فهو فيروس خطير لكن ليس بخطورة الجهل به”.
وأردف قائلا إن “أسلم طريقة لمواجهته هي اتباع إرشادات الجهات المعنية والانصياع لأوامرها والتوكل على الله”.
وحتى الخميس، أصاب “كورونا” قرابة 127 ألفاً في 124 دولة وإقليما، توفي منهم نحو 4700، أغلبهم في الصين وكوريا الجنوبية وإيطاليا وإيران.
وأدى انتشار الفيروس إلى تعليق العمرة، ورحلات جوية، وتأجيل أو إلغاء فعاليات رياضية وسياسية واقتصادية حول العالم، وسط جهود متسارعة لاحتواء المرض.
(الأناضول)