محمد غرافيليس هنالك خطى ضائعة (بروتون) يعود أول لقاء لي بنص نادجا إلى حوالي عشرين سنة. قادتني إلى الكِتاب خطى ضائعة ذات شتاء باريسي وأنا أدخل بيت صديقة فرنسية. كان لديها قطة اسمها نادجا. استغربتُ التسمية فقالت صديقتي الفرنسية : ألم تقرأ نادجا بروتون ؟ فصارت القطة نادجا دليلي إلى نص بروتون الذي اقتنيته في اليوم التالي. اليوم وأنا أعيد قراءة النص مترجما ببراعة وإحكام من طرف الشاعر والمترجم المغربي مبارك وسّاط (دار الجمل 2012)، تساءلت عما إذا لم يكن وراء التأخير الحاصل في ترجمة هذا النص إلى العربية انسياق المثقف العربي على مدى ما يقرب من قرن خلف استخفاف السورياليين بالفن الروائي فانصب اهتمامه على قراءة ودراسة شعرهم (الواضح تأثيره على الشعر العربي الحديث والمعاصر) دون نصوصهم السردية. نادجا هو في الأصل سيرة ذاتية (أو هكذا يحاول بروتون إيهامنا) صدرت لأول مرة سنة 1928 قبل أن ينقحها الكاتب ويعيد إصدارها سنة 1962. العنوان يحيل على القصة المحورية : لقاء بروتون مصادَفةً بشابّة فرنسية في شارع باريسي. تحوّلَ اللقاء إلى علاقة حب بينهما لم تدم أكثر من تسعة أيام (من الرابع من أكتوبر إلى الثالث عشر منه من سنة 1926). بعد شهور من ذلك أصيبت الشابّة نادجا بالجنون وتم إدخالها إلى مركز الأمراض العقلية. غير أنه على عكس ما يحاول العنوان جرّنا إليه، فالمسألة الجوهرية في النص ليست علاقة الكاتب بامرأة اسمها نادجا. لا تدخل نادجا مسرح الأحداث إلا بعد تمهيد طويل خصص بروتون جزءا منه للإجابة عن سؤال ‘ من أكون ؟’. المَدخَل إيّاه أراده الكاتب ممرّاً إلى نظريته السوريالية حول الأدب مستنكرا على النقد انشغاله ‘بالإبراز الآلي للأفكار’ وعلى روائيي عصره ادعاءَهم ‘أنهم يقدّمون شخصيات مختلفة عن ذواتهم’ (ص. 18). كان بروتون يتوقع نهاية قريبة للفن الروائي مُدّعياً أن ‘أيام الأدب السيكولوجي القائم على الحبكة الروائية قد أضحت معدودة’ (ص. 18) رافضا أن يوهِمَنا الروائيون أنّ بيْن شخصياتهم وذواتهم مسافة ما وأن كتابته هُوَ (نادجا على أقل تقدير) هي كتابة الشفافية والتماهي المطلق بين الذات الساردة والمؤلف : ‘سأستمر في السكن في بيتي الزجاجي، حيث بالإمكان رؤية من الذي يجيء لزيارتي في كل لحظة’ وكلّ تطلّع إلى اختفاء الكاتب وراء ما يكتبه ‘لا ينمّ عما يُشرّف حقّا’ (ص 19). وفي نفس هذا المدخل تُطالعنا إحدى الأسس النظرية للاتجاه السوريالي : الكتابة كانفلات قوي من أسْر المنطق. والذاتِ أيضا، في وضعها الإراديّ. هنا يُشيد بروتون بقوّة المصادفات الغريبة واللامُتوَقَّع، ويرى العالَم وحياة المرء وقائع ‘خاضعة للصدف، الضئيلة منها والعظيمة (…) وردودَ فعل تسبق كل انطلاقة أخرى للذهن’ (ص. 20).هكذا يفْرش بروتون الطريق إلى نادجا بسرد مجموعة من الوقائع الشخصية النابعة من إقامته بالفندق الذي قرر أن يكتب فيه النص أو من خلال جولاته المختلفة بباريس ونانْت دائما كشخص هائم على نفسه سائر بدون هدف طامع في أن يحدث شيء ما أثناء سيره أو في أن يشهدَ مصادفة غريبة : ‘يمكن المرءَ، في غضون وقت قصير، أن يلتقي بي في باريس، وألا تمرّ أكثر من ثلاثة أيام إلا ويكون قد رآني أذرع شارع بون نوفيل، ذهابا وإيابا بين مطبعة لوماتان وشارع ستراسبورغ، بعد الظهيرة. ولا أدري لمَ تقودني خُطاي إلى هذا المكان بالضبط، ولمَ أرتادُه دون هدف محدّد، من غير أن يكون هناك ما يجعلني أقرّر ذلك عدا معطى غامض، هو أنه في ذلك المكان، سيحدث ذلك الشيء (؟)’ (ص. 37). ولكي يوهمنا بروتون كروائي هو أيضا ـ رغم استخفافه بالروائيين ـ بواقعية النص، عزّز الكثير من وقائع جولاته وشخصيات النص بصور فوتوغرافية، وإنْ كانت تلك الصور ترجمة لا للواقع المادي الذي يقف عليه، إنّما ترجمة لتصوّره هُوَ لذلك الواقع. (تجربة الصور الفوتوغرافية سيكررها بروتون في كتابه الحب المجنون الصادر سنة 1937 والذي يُعَدّ تنويعا على نص نادجا حيث سيحكي بروتون وقائع مماثلة عن لقائه بجاكلين لومبا التي ستصبح زوجتَه).وفي غمرة هذا الهيام على نفسه في شارع لافاييت هذه المَرّة، سيجد بروتون نفسه قبالة امرأة شابة تسير على بعض خطوات منه. كانت ‘تمشي مرفوعة الرأس، على عكس كل المارّة الآخرين. هزيلة إلى حد أنها بالكادّ تلامس الأرض وهي تسير’ (ص.69) فبادرها بالحديث. وعلى عكس ما توقّعَه (هو الذي يأمل دائما اللاّمتوقّع) من نفورها تجاهه، فإنها ابتسمت واستجابت له. تفصح المرأة عن اسمها الذي اختارته هي لنفسها فتقول : ‘نادجا، لأن هذه هي بداية كلمة أمل بالروسية، ولأنها ليست إلا بدايتها فحسب’. كل ما يلي من وقائع تبرز أن بروتون التقى صدفة بكائن استثنائي يشبهه كثيرا، أو قُل إنه يشبه ما كان يُنظّر له بروتون وجماعتُه وما مهّد به كتابه هذا من تأكيد على حرية الذات واعتباطية المواقف وغرابة الصدف. تحكي له مثلا أنها وجدت عملا عند خبّاز فعرض عليها مبلغ سبعة عشر فرنك في اليوم، ولكنه أردف حين نظر إليها : ثمانية عشر. فأجابت : ‘سبعة عشر موافقة، ثمانية عشر، لا’. يسألها بروتون أين ستتعشى ؟ ‘وبغتة يظهر عليها ذلك الاستخفاف الذي لم ألحظه إلا عندها، أو ربما تحديدا، تلك الحرية : أين ؟ (أصبعها ممدودة)، لكن هنا، أو هنا.(تشير إلى أقرب مطعمين إلينا) حيث أنا، طبعا. كما أفعل دائما’. وحين يسألها : ‘من أنتِ؟’ تجيب : ‘أنا الروح الهائمة’ (ص. 77). ويوم أهداها نسخة من كتابه الخطى الضائعة قالت : ‘الخطى الضائعة ؟ لكن ليس هنالك خطى ضائعة’ (ص.79).نادجا هي بروتون الأنثى. لكن بمصائر مختلفة. إنها الكائن السوريالي بالفطرة. فهي لم تكن تحتاج إلى نظرية بروتون في الفن والأدب كي تبهر بروتون نفسه بعبارات من قبيل :’ بانتهاء نفَسي، الذي هو ابتداء نفَسك”مخلب الليث ينضمّ على ثدي الكرمة”أمام الغامض الملغز، يا إنسانا من حجر، افهمني”لا ينبغي للمرء أن يثقل أفكاره بوزن حذائه’…إلخ. (ص. 132).وحين يتم حجز نادجا بمستشفى الأمراض العقلية (الذي لن تخرج منه إلا جثةً يوم الخامس عشر من يناير من سنة 1941) سيقول عنها بروتون : ‘نادجا لا تقيم وزنا كبيرا للفارق بين العيش داخل المستشفى وخارجه’ (ص. 153). أليس هذا اختزالا للنظرية السوريالية التي لا تقيم هي أيضا وزنا لما يسمى بالقوانين والأعراف والقواعد المألوفة في الكتابة والحياة ؟ ألم يهاجم صراحة الأطباء الذين حجزوا نادجا في مركز الأمراض العقلية ناعتا إياهم بالجهالة ومستخفا بالتحليل النفسي ؟لم تحظ رواية نادجا في النقد الفرنسي عند ظهورها برضا الجميع. ففي حين اعتبرها البعض بمثابة إعلان عن موت السوريالية قال آخرون إن السوريالية أضحت مع نادجا أكبر تيار للتحرر الفكري في القرن العشرين.الآن وقد انضافت نادجا في ترجمة مُحكمة وشيّقة إلى المكتبة العربية (بجانب ترجمة أخرى لم أطلع عليها للكاتب صلاح برمدا عن وزارة الثقافة السورية، 2001) لاشك أنها ستُمَكّن القارئ أوالمبدع العربي الذي لم تسعفه اللغة يوما للاطلاع على النص الفرنسي أن يقرأ النص في سياق ثقافي وأدبي وتاريخي مغاير. ورغم مضيّ ما يقرب الآن من قرن على صدور الرواية فإن نادجا تظل نصّا طافحا بالتساؤلات ليس فقط حول إشكالية الكتابة الأدبية في علاقتها بالواقع والذات، وإنما أيضا بمصير الكائن البشري وحرية الفرد. ألم تعتبرها بعض الأقلام الفرنسية المحافظة بأنها إعلان آخر عن موت الإله ؟ ألسنا في حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى قراءة أو إعادة قراءة بروتون في هذا الزمن العربي المأساوي المشرئب حتى الموت إلى الحرية والانعتاق من آلهة الديكتاتورية، فكريا وسياسيا ؟