نار المستوطنين تشعل زيت الفلسطينيين في الضفة الغربية

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله ـ «القدس العربي»: مفارقة جديدة يمكن للمتابع رصدها في علاقة الفلسطيني بأرضه وتحديدا شجرة الزيتون، فسابقا كان لا أدل على علاقة الفلسطيني بأرضه إلا اهتمامه بموسم قطف الزيتون، لكن الجديد في طرف المفارقة المؤلمة هو ذهاب جانب لا بأس به من المزارعين إلى قطف محصول الزيتون قبل الموعد الذي حددته وزارة الزراعة الفلسطينية.

ولا يخفي مدير دائرة الزيتون في وزارة الزراعة رامز عبيد في حديث خاص لـ«القدس العربي» من انزعاجه من ذلك الأمر حيث يخاطب المزارعين قائلا: «اتقوا الله في تعبكم أيها المزارعون».
ويشدد على أن العادة القديمة جرت على أن يذهب المزارع لجني المحصول باكرا لكن هذا العام لوحظ تبكيرا إضافيا، وهو ما يعرض المزارعين للخسارة المضاعفة.
ويقول: «قد يكون هناك من يرى أن لديه مبررا قويا لجني المحصول باكرا، في ظل الواقع السياسي في المنطقة وتخوف البعض من اندلاع حرب شاملة في ظل التطورات الأخيرة، وبالتالي تخوفهم من عدم التمكن من قطف المحصول، إلى جانب الخوف من سرقة المستوطنين لثمار الزيتون وتزايد هجماتهم على المزارعين.. يمكن ان يرى البعض أن هذه أسباب دفعت بالمزارعين إلى هذا التبكير».
ويضيف: «هذا يجعل المزارعين يخسرون نحو 60 في المئة من محصول زيتهم بفعل التبكير بالقطف».
وفي جانب آخر يرى عبيد أنه لا يكفي المزارع مخاوفه وخساراته الكبيرة ليضاف إليها عادة بعض التجار يتقصدون ضرب هذا القطاع ومزارعيه. وذلك بعدة طرق منها غش الزيت وتهريبه، ومؤخرا من خلال بث الاشاعات بأن الحدود مع الأردن لن تفتح لتصدير الزيت.
ويكمل: «بدأوا يتداولون أسعارا للزيت بعيدة عن الواقع وعن عدالة السعر في ظل الإنتاج المتواضع. ومن منطلق المسؤولية فإننا نناشد المزارعين بأن لا يستمعوا إلى تجار المال والدم (وهم قلة) وأن يحافظوا على هذا المنتج المبارك ولا يسمحوا لأي تاجر أن يبخس بأسعاره».
وفي المقابل يطمئن عبيد المزارعين: «يكيفنا ما يتعرض له هذا القطاع من تدمير ممنهج من قبل الاحتلال ومعاونيه، فلنقطع الطريق على هذه الثلة الفاجرة. ومن منطلق معرفتي وما وصلني من معلومات فإن تصدير الزيت للخارج سيتم كالمعتاد وستفتح المعابر قريبا».
فالعائق أمام تصدير زيت الزيتون، حسب عبيد، هو إغلاق المعابر، «وإسرائيل هي من تفعل ذلك حيث تغلق بعد عملية الشهيد الأردني على المعبر قبل أكثر من شهر، حيث لم يفتح المعبر للتصدير إلا لبضع شاحنات».

أرقام الموسم

ويرى عبيد أن الموسم هذا العام ضمن المعدل العام لكميات قطف الزيتون حيث من المتوقع أن يكون المحصول 18 ألف طن من الزيت، مع التأكيد إلى واقع خروج الإنتاج في قطاع غزة بفعل تدمير نحو 90 في المئة من المحصول والأشجار والمعاصر.
وحول اثر اعتداءات المستوطنين وسياسات السيطرة على الأراضي قال عبيد: «من المتوقع أن تخسر الضفة الغربية نحو 10-15 في المئة من الأراضي الزراعية حيث تدفع إجراءات الاحتلال إلى عدم قطفه بفعل المناطق الأمنة بمحاذاة المستوطنات».
وبلغة الأرقام فإن نحو 100 ألف دونم زيتون لن يتمكن المزارعون من الوصول إليها، وهو ما يعني نحو 2 ألف طن من الزيت حسب تقديرات وزارة الزراعة.
ويشدد: «هذه خسارة مباشرة أكثر من العام الماضي حيث لم يتمكن المزارعون من قطف ثمار الزيتون في 80 ألف دونم».
ويشدد أن المناشدات تأتي بشكل يومي من أغلب الأراضي المحاطة بالمستوطنات حيث يهاجم الجيش الإسرائيلي المزارعين، ويرمي بثمار الزيتون على الأرض، أو يقوم بقطع الأشجار أو يصادر سيارات المزارعين.
نمط جديد من الهجمات

ويكشف عبيد عن نمط جديد من الاعتداءات أصبح من الممكن رصده، وهو يرتبط بمنع المزارعين من قطف الزيتون في المناطق القريبة من الشوارع الرئيسية، حيث أصبحت تلك الأراضي تضاف إلى قائمة الأراضي التي يمنع التواجد فيها.
وأطلقت وزارة الزراعة يوم الخميس الماضي، الحملة الوطنية لإسناد مزارعي الزيتون خلال موسم قطف الزيتون بعنوان «الفزعة» في ظل ما يعانيه مزارعي الزيتون من هجمات تؤثر على قدرتهم للوصول إلى أراضيهم وتمنعهم من حصاد محصولهم.
وتعتمد الحملة خلال موسم قطف الزيتون الحالي على توحيد الجهود المبعثرة من بعض المؤسسات وتأطيرها في اتجاه واحد يخدم المزارع بشكل أساسي ويقدم له العون والإسناد والفزعة، في ظل الوضع المعقد في بعض المواقع.
وقال عبد الله أبو رحمة مدير دائرة العمل الشعبي في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، في حديث صحافي إن الأمور لم تتغير كثيرا في الموسم الحالي عن الماضي، ولكن هناك رسالة واضحة بأن ما جرى العام الماضي خلال موسم الزيتون «مرفوض».
وأشار إلى أن التحديات والخطورة المفروضة علينا وعلى المزارعين هذا الموسم، تفرض تكاتف كافة الجهود، وبالتالي كان هناك اجتماع موسع بحضور كافة المؤسسات والشركاء ووزارة الزراعة وهيئة مقاومة الجدار.
وبيّن أبو رحمة أن الحملة تستهدف بشكل أساسي مساندة المزارعين في المناطق القريبة من البؤر والمستوطنات والجدار، ولكن الأخطر ما يقوم به المستوطنون في البؤر القريبة من أراضي المواطنين وقرب الشوارع الالتفافية.
وشدد عبيد على أن الفزعة تتواجد كل يوم في منطقة، وبدلا من أن تواجه عائلة فلسطينية واحدة مجموعات المستوطنين فإن المواجهة تكون مع مجموعات من المتطوعين أيضا.
وقبل أيام اعترف وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، إنه قام بتوزيع أكثر من 120 ألف قطعة سلاح، مضيفا: «سنواصل تسليح شعب إسرائيل».
وأكد: «سنواصل القتال حتى تحرير جميع المحتجزين وحتى يعود سكان الشمال إلى بلداتهم بسلام» وذلك يعني من جملة ما يعني أن الهجمات على المزارعين الفلسطينيين قد تكون قاتلة خلال أيام الموسم التي تمتد ما بين شهر إلى شهرين. وانتقدت الأمم المتحدة تصريح بن غفير عن تسليح الإسرائيليين، وقالت إن هذا التصريح «يزيد المخاوف من تصاعد الهجمات ضد الفلسطينيين».
وعبر المتحدث باسم المفوضية الأممية السامية لحقوق الإنسان جيريمي لورانس عن القلق إزاء «الزيادة الحادة» في أعمال العنف بالمنطقة. وقال إن «تصريحات الوزير بن غفير بشأن توزيع عدد كبير من الأسلحة لا تؤدي إلا إلى زيادة المخاوف».
وذكّر بتقرير الأمين الأممي أنطونيو غوتيريش، في أيلول/سبتمبر عن أن المستوطنين بالضفة الغربية نفذوا 1350 اعتداء ضد الفلسطينيين، 55 منها هجمات مسلحة.
وقال المسؤول الأممي «بالنظر إلى عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، فإن توفير الأسلحة للإسرائيليين يثير مخاوف جدية بشأن تزايد هجمات المستوطنين المسلحين ضد الفلسطينيين».

كامل الخريطة

ويوم الجمعة، هاجم عشرات المستوطنين المتطرفين مزارعين فلسطينيين في قرية المغير شرقي رام الله وسط الضفة الغربية، ومنعوهم من قطف ثمار الزيتون.
وقال أمين أبو عليا، رئيس مجلس قرية المغير، إن «مجموعة مستوطنين إسرائيليين مسلحين هاجموا عائلة فلسطينية خلال قطفها الزيتون في المنطقة الشرقية من قرية المغير، وأجبروهم على مغادرة المنطقة».
وأشار أبو عليا في حديث صحافي، إلى أن الهجوم «تم تحت حماية جيش الاحتلال» الإسرائيلي.
وأوضح المسؤول المحلي أن «المزارعين لم يتمكنوا العام الماضي من قطف ثمار الزيتون في تلك المنطقة، بعد منع الجيش وصولهم إليها».
وعادة ما يشن مستوطنون إسرائيليون هجمات على المزارعين الفلسطينيين وحقولهم، وتتزايد تلك الهجمات مع موسم قطف ثمار الزيتون خلال أكتوبر ونوفمبر من كل عام. ويشدد عبيد في هذا الصدد أن هجمات المستوطنين بحق قاطفي الزيتون تنتشر على كافة مناطق الضفة الغربية ومن دون استثناء.
وأكد منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة مهند هادي، على «ضرورة توفير الوصول الآمن للمزارعين الفلسطينيين إلى أراضيهم دون أي عوائق» في ظل تصاعد انتهاكات قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستعمرين بحق المواطنين بالتزامن مع موسم قطف الزيتون.
جاء ذلك خلال الإيجاز الصحافي اليومي للأمم المتحدة، حيث عبر هادي عن مخاوفه بشأن موسم قطف الزيتون المقبل وذلك في إطار زيارة دبلوماسية إلى بلدة كفل حارس شمال سلفيت، رافقه فيها شركاء إنسانيون وتنمويون.
وشدد هادي على أهمية موسم قطف الزيتون، الذي يُعتبر حدثًا اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا رئيسيًا للفلسطينيين مشيرا إلى أن نحو 10 آلاف هكتار (100 ألف دونم) من بساتين الزيتون لم يتم قطفها خلال العام الماضي، ما يعكس الوضع الصعب الذي يواجهه المزارعون.

عنف على الأبواب

وفي ذات السياق، قال المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان ان إرهاب المستوطنين يتصاعد وينذر بانفجار الأوضاع في الضفة الغربية خلافا لادعاءات الاحتلال تراجعها في ظروف الحرب.
وقال المكتب في تقرير دوري، صدر السبت: «نحن على أبواب موسم قطاف الزيتون، أيام قليلة تفصل المزارعين الفلسطينيين عن بدء الموسم، غير أنهم يجدون أنفسهم أمام عنف متصاعد للمنظمات الاستيطانية، التي تنطلق من المستوطنات والبؤر الاستيطانية وما يسمى بالمزارع الرعوية».
وأشار التقرير إلى أنه منذ مطلع اكتوبر الجاري يتواصل «الإرهاب» وتتفاقم المخاطر التي تهدد الريف الفلسطيني في الضفة الغربية، وهي مخاطر تتواصل في ظروف الحرب الوحشية التي تشنها دولة الاحتلال ضد قطاع غزة كما الضفة الغربية وضد لبنان في ضاحية بيروت الجنوبية وفي الجنوب اللبناني ومنطقة البقاع.
وقال التقرير إن اعتداءات المستوطنين يجول القرى والبلدات الفلسطينية في مختلف محافظات الضفة الغربية، وهو «إرهاب» في مسلسل يتواصل ويتصاعد منذ السابع من اكتوبر العام الماضي. خلاقا للشرطة الإسرائيلية التي تدعي تراجعها في ظروف الحرب، بحسب ما ادعى العقيد أبيشاي معلم مسؤول شكاوى الجمهور في الشرطة الإسرائيلية، الذي كان يتحدث في جلسة خاصة عقدتها لجنة فرعية في لجنة الخارجية والأمن البرلمانية في الكنيست، أوضح فيها إن عدد اعتداءات المستوطنين في الأشهر الخمسة الأولى من الحرب بلغ 270 في المقابل بلغ العدد في الفترة نفسها من السنة الماضية 537 اعتداء، وهذا يعني أن الاعتداءات على الفلسطينيين انخفضت إلى النصف. هذا الانخفاض لم يكن صدفة حسب ادعائه بل هو نتيجة لمضاعفة جهود الشرطة والمخابرات في مكافحة الفوضى التي يقوم بها المستوطنون، حيث أصدرت الشرطة 67 أمر اعتقال إداري وزادت التحقيقات وقدمت لوائح اتهام ضد المستوطنين العنيفين.
وقالت التقرير: «هذا ادعاء كاذب، فقد كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت في تقرير لها أن الشرطة الإسرائيلية لم تعتقل مثلا سوى مستوطن واحد من بين نحو 100 مستوطن شاركوا في الهجوم الإرهابي على بلدة جيت، في آب/اغسطس الماضي ووجهت إليه شبهة عرقلة عمل شرطي ثم أفرجت عنه».
وفي الوقت نفسه أظهرت البيانات التي قدمتها منظمة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» لمجموعة الأزمات الدولية أن 1264 حادثة عنف ارتكبها مستوطنون وقعت في الفترة من 7 تشرين الأول/اكتوبر إلى 12 آب/اغسطس.
وتتراوح هذه الهجمات بين المضايقات اللفظية والترهيب إلى الأعمال العنيفة مثل الاعتداءات الجسدية وتدمير الممتلكات وإشعال الحرائق التي تستهدف منازل الفلسطينيين وحقولهم ومركباتهم. وخلال هذه الفترة، أسفرت الاعتداءات عن مقتل 21 فلسطينياً وإصابة 643 آخرين، وتدمير نحو 23 ألف شجرة يملكها فلسطينيون، حسب ذات الأرقام. أما الدوافع التي تقف وراء عنف وإرهاب المستوطنين فهو حسب التقرير المذكور تهجير الفلسطينيين من أراضيهم.
وخلص تقرير مجموعة الأزمات الدولية إلى «إن فرض العقوبات على المستوطنين العنيفين يشكل بداية مفيدة. ومع ذلك، فإن على الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي الذهاب إلى خطوة أبعد من ذلك، أي من خلال توسيع العقوبات الفردية على أعضاء الحكومة الذين يحرضون على مثل هذا العنف» كما جاء في التقرير، الذي ذكر أسماء الوزراء اليمينيين المتطرفين بتسلئيل سموتريتش وإيتامار بن غفير، اللذين يؤيدان علناً عنف المستوطنين.
وقال التقرير الفلسطيني: «إرهاب المستوطنين هذا يأتي في امتداد الحرب المفتوحة، التي يشنها جيش الاحتلال على الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة بعدوان حزيران 1967. هو ليس في انخفاض كما تدعي شرطة ايتمار بن غفير، بل في تزايد وتصاعد مستمر. هذا الإرهاب غير محكوم بوقت، بل هو على مدار اليوم والأسبوع والشهر والسنة، ولكنه يتعاظم في موسم قطاف الزيتون وخاصة في أجواء الحرب».
ومنذ مطلع هذا الشهر وعلى امتداد الأسبوع الماضي جال عنف وإرهاب المستوطنون قرى وبلدات كثيرة في الضفة الغربية بمعدل مرتين إلى ثلاث مرات في اليوم الواحد، بدءا بحرق أشجار الزيتون والسطو على محصوله ومنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم.
واحتلت بلدات وقرى بسيطة مثل: حزما وجبع في محافظة القدس، واللبن الغربية وبرقا في محافظة رام الله والبيرة، وسبسطية وحواره وبورين ومادما ودير شرف في محافظة نابلس، وجماعين وياسوف في محافظة سلفيت صدارة الأخبار المحلية، إنها الميدان الجديد للحرب الإسرائيلية حيث تشعل النار في زيت الفلسطينيين خلال الموسم الأسمى فلسطينيا، والأهم في مشوار صمودهم الاقتصادي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية