الرقة – “القدس العربي”: تروي أحلام البالغة من العمر 30 عاماً كيف خرجت قبل عامين من مخيم الهول شرقي سوريا بكفالة وجهاء المنطقة وشيوخ العشائر، والتي قضت أكثر من 4 أعوام بين (2017 و2021) في ذلك المخيم المكتظ لكنها اليوم تتحسر، بعد رفض أهلها ومجتمعها التعامل معها واللعب مع أطفالها ومواجهة متاعب الحياة ومشقة تدهور الظروف الاقتصادية والمعيشية لغياب زوجها. وهذه السيدة المتحدرة من بلدة الطبقة أو الثورة التابعة لمحافظة الرقة شمال شرقي سوريا، أم لأربعة أطفال متزوجة من مسلح قاتل سابقاً في صفوف تنظيم “الدولة – داعش” وهو محتجز لدى “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) منذ 2018.
غربة وانعدام الأمان
كانت ترتدي أحلام، أثناء حديثها، زياً محلياً عبارة عن فستان وغطاء رأس أسود أعربت كيف صُدمت بعد عودتها لمسقط رأسها لرفض المحيط الاجتماعي وامتناعهم من التعامل معها لأنها كانت زوجة مسلح في التنظيم، وأكدت بأن العوائل كانت تنفر منها وتبتعد عنها لتصل الأمور إلى خوف الأطفال من اللعب مع أبنائها، وقالت “مع مرور الأيام وجهود (لجنة حل النزاع) ودور منظمات المجتمع المدني عبر تنظيم جلسات ونشاطات توعية بدمج العوائل مع المجتمع المحلي، أصبحنا أفضل حالاً”، إذ باتوا مقبولين لدى شرائح المجتمع ونقلت بأن أبرز التحديات والمشاكل التي تواجهها عدم معرفة شيء عن زوجها، إضافة إلى عدم امتلاك أوراق ثبوتية وبطاقات شخصية، “أطفالي محرومون من المدارس لعدم وجود ثبوتيات، ولا توجد فرصة عمل لتأمين راتب ثابت لتغطية نفقات عائلتي، الأيادي البيضاء ما قصروا معنا لكن محتاجين لحل دائم لمشكلتي”.
أما عفاف المتحدرة من مدينة الرقة فنقلت هي الأخرى معاناتها بعد خروجها من مخيم الهول قبل 3 سنوات وتعرضها للتنمر الاجتماعي بعد رفض الأهل والجيران التعامل معها، وقد تحملت الكثير من المنغصات خلال الفترة الأولى لتتحول حياتها لفصول من المآسي، وقالت: “هذه الحالة متعبة مع تأمين لوازم الحياة من الخبز والأكل وغياب وسائل الخدمات، كل شيء نحصل عليه بشق الأنفس”، وأكدت أن الأمر كان مختلفاً في المخيم لوجود كل شيء بفضل المنظمات والجهات الإنسانية التي كانت تقدم المساعدات وتهتم برعاية الأطفال والطبابة المجانية، وبحسب هذه السيدة فأكثر الصعوبات التي تواجهها بعد عودتها من المخيم: “شعور بالغربة وسط أهلي والقهر وانعدام الأمان، فالبعد عن العائلة بالإضافة إلى الصراع النفسي بين ما كان وما سيكون كلها مشاعر مرهقة”، كما تعاني من مشاعر الفقد المختلطة تارةً لغياب زوجها وتارةً أخرى لفقدان كثير من أفراد عائلتها بسبب المعارك القتالية التي دارت في مسقط رأسها وسقوط العشرات منهم: “فإما ماتوا جراء الحرب أو قتلوا بشظايا القصف وقذائف الهاون والصواريخ، وبعضهم ومن بينهم زوجي لا يزال في السجون بتهمة الاشتباه بالانتساب للتنظيم ولا أعلم عنهم شيئاً”.
جهود لدمج العائلات
حيث خرجت أحلام وعفاف ومئات العائلات السورية على مدار السنوات الماضية من مخيم الهول بعد قرار سلطات (الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا) ومبادرة جناحها السياسية (مجلس سوريا الديمقراطية) بإخراج السوريين المتحدرين من مناطق الإدارة بداية 2020، وتشير الأرقام إلى خروج أكثر من 9 آلاف شخص وعائلة غالبيتهم من النساء والأطفال، غير أن الكثير من هؤلاء العائدين لمجتمعاتهم واجهوا أوضاعاً معيشية صعبة بعدما كانوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية في المخيم، فالحصول على فرصة عمل وتأمين مورد مادي يكفي احتياجات العائلة بات أمراً شبه مستحيل في بلد يشهد نزاعاً مسلحاً وتدهوراً اقتصادياً جراء استمرار الصراع الدائر منذ أكثر من 11 عاماً، وكثير من الأمهات والفتيات يزداد يأسهنّ وهن يكافحن للحفاظ على كرامتهنّ وسط تكاليف معيشة باهظة.
يقول الشيخ حسن الخمري من (قبيلة الولدة – عشيرة الناصر) الذي يتحدر من بلدة الطبقة وهو أحد الشخصيات الذين لعبوا دوراً بارزاً في إخراج العوائل من مخيم الهول، إن تشكيل “لجنة حل النزاع” كانت بأواخر 2021: “هذه اللجان مؤلفة من رؤساء عشائر وشخصيات مجتمعية وناشطين مدنيين يتمتعون بثقة المجتمعات، مهمتها دراسة قوائم العوائل العائدة من المخيم والوقوف عند احتياجاتهم والعمل على تأمينها”، وأوضح بأن العديد من العوائل وبعد عودتها واجهت مشاكل اقتصادية وقضايا مثل حقوق الميراث واستعادة منازلها وحل النزاعات التي حدثت خلال سنوات حكم التنظيم على المنطقة سابقاً، منوهاً إلى أن أكبر المشاكل تمحورت حول كيفية العمل على دمجها في المجتمع المحلي”، ليزيد: “إضافة لمشاكل الإرث وحساسيات اجتماعية وتقديم سلل غذائية، فاللجنة تحاول قدر المستطاع حل كل هذه المشاكل ومساعدة العوائل، ونجحنا في معالجة الكثير من القضايا وحل معظم الشكاوى والنزاعات الأهلية”.
وطالب الخمري الإدارة الذاتية ومجلس (مسد) بالتعاون والمساعدة لإخراج باقي السوريين القاطنين في المخيم، حيث عقدوا لقاءات مع المنظمات المدنية والجهات المانحة للمساعدة لدعم هذه المبادرات: “هناك عوائل مازالت موجودة بالمخيم تنتظر المغادرة لذلك تعمل اللجان مع شيوخ ووجهاء المنطقة على إخراجهم وتقديم كافة الضمانات المتاحة لدينا”.
بدورها، أكدت أميرة الحسن رئيسة مكتب (حماية الطفل) في (مجلس الرقة المدني) والأخير مجلس حكم محلي يدير محافظة الرقة منذ تحريرها من قبضة (داعش) أواخر 2017، في تصريحات صحفية نشرتها موقع الإدارة الرسمي أنهم يعملون على خطة خاصة بهذه العوائل الخارجة من مخيم الهول، تتضمن برامج لإعادة تأهيل الأطفال: “بينها برامج للدعم النفسي والصحة النفسية وفعاليات اجتماعية ومتابعة الأطفال ومعرفة أحوالهم، إلى حين الاجتياز بهم من معاناتهم التي عاشوها في المخيم سابقاً”، وشددت على أن تجاهل شريحة الأطفال وتركها للتعرض لأفكار متطرفة ممكن زرعها داخل المخيم أو بعد خروجهم: “تسبب عواقب خطيرة بمنع اندماجهم في المجتمع وسيدفع الجميع الثمن ما لم نعمل على معاجلتها جذرياً”.
تثبيت القيود المدنية
تعاني الكثير من العائلات العائدة من مخيم الهول عدم تسجيل اسمائها في القيود المدنية وتثبيت الوقائع بالسجلات الحكومية، فالكثير من النساء والأطفال لا يمتلكون بيانات عائلة وبطاقات شخصية كحال مروة وهي أم لثلاثة أطفال، ونقلت بانها كانت محظوظة لقبول اسمها في أول قائمة بداية العام الفائت وعادت لمسقط رأسها قرية الباغوز بريف دير الزور الشرقي، وأكثر ما دفعها للحماس بترك المخيم متابعة دراسة أبنائها لكنها صدمت بواقع جديد: “غادرت المخيم من أجل تعليم أطفالي والتحاقهم بالمدارس، لكن عدم وجود أوراق ثبوتية وبيانات عائلية حالت دون تسجيلهم”، وهذه السيدة يبلغ أعمار أطفالهم الكبير 12 عاماً والأخ الثاني 10 سنوات وأصغرهم شقيقتهم ذات 8 سنوات وتدعى نور وجميعهم بعمر الدراسة، لتضيف: “أكثر شيء كان يرهقني بالمخيم عدم ذهابي أطفال للمدرسة والتكفير بمستقبلهم، أما اليوم أقف عاجزة ولا أستطيع فعل شيء وتغير حياتهم”.
وعن هذه الحالات يتحدث القاضي محمد الدعيل وهو مستشار قانوني في “لجان حل النزاع” في مدينة الرقة، أن الكثير من النساء والأطفال ممن خرجوا من مخيم الهول لا يمتلكون بطاقات شخصية ولم يتمكنوا من تثبيت الوقائع المدنية، ويعزو الأسباب إلى إنها أتلفت أو ضاعت إضافةً لعدم استخراجها بسبب حالات النزوح المتكررة وعدم الإقامة الدائمة في مكان محدد، “فالطفل الذي كان عمرهم شهر وقت اندلاع الحرب اليوم كبر وبلغ عمره السن القانونية لتسجيل المواليد بعد مرور 10 سنوات من الحرب، ولم يتمكن أهلهم من تسجيلهم في القيود المدنية”. وأخبر الدعيل بأن اللجان تعمل بشتى الطرق على تسجيل تلك العوائل في الأحوال المدنية سواء بتسجيل زواج أوليائهم أصولاً: “ومن ثم تسجيل الأبناء لآبائهم بعد زواج آبائهم قانونياً، أو تسجيل بنوة الأبناء لآبائهم سواء بمعاملات إدارية أو قضائية عن طريق محامين أو مسيري معاملات بإمكانهم مراجعة دوائر الأحوال المدنية”.
وفيما يتعلق بالعقبات الإدارية التي تعيق تسجيلهم في الدوائر الحكومية السورية أوضح القاضي ضرورة مراجعة العائلات دوائر الإدارة المدنية في الرقة بغية حصولهم على وثيقة زواج: “تمكنهم من خلالها تنظيم بيان عائلي مؤقت للحصول على الدعم لمواد الخبز والتدفئة، أو التسجيل بالمدارس ولحصولها على بطاقات الوافد لمن كانت سجلاته خارج مدينة الرقة ونواحيها”.