أنطاكيا – دير الزور – «القدس العربي»: لازالت العشرات من العائلات العراقية تعيش أوضاع مأساوية في شمال شرقي سوريا، يتقاسمون معاناة الحياة مع أقرانهم السوريين في بلدٍ مزقته الحرب، أعدادٌ كبيرة من النازحين والمُهجرين السوريين يتواجدون في مناطق شرق الفرات حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية، أغلبهم نزح من مناطق سيطرت عليها قوات النظام وحلفاؤها.
أحد هؤلاء اللاجئين العراقيين الذين التقت بهم «القدس العربي» هو الحاج خليل /72 عاماً/ من تلعفر العراقية، ذات الاغلبية التركمانية، ويقيم في إحدى القرى التابعة لناحية الصور في ريف دير الزور الشمالي، وقد نزح من تلعفر في العام 2016 بعد بداية المعارك هناك.
ويقول «تركنا كل شيء خلفنا ووصلنا إلى الأراضي السورية مع زوجتي وعائلة ابني ابراهيم، بقينا في مدينة الرقة شرق سوريا فترة بسيطة حيث كانت المدينة مزدحمة بالسكان، ثم توجهنا نحو مدينة «العشارة» في ريف دير الزور، مكثنا هناك فترة جيدة قبل أن تزداد وتيرة القصف من طيران التحالف وتتزايد أعداد القتلى بشكل متصاعد، إلى ان بدأت المعارك في دير الزور وبدأ جيش النظام السوري يتقدم في أواخر العام 2017، قررنا ساعتها النزوح نحو مناطق «الجزيرة» في دير الزور، حيث بقينا فيها أياماً عدة فقط ثم بدأت المعارك ضد تنظيم «الدولة» من جانب قوات «قسد» والتحالف الدولي، و مكثنا في بلدة الشحيل فترة ولحسن الحظ انسحب منها التنظيم دون قتال، فبقينا فيها عام ونصف ثم انتقلنا نحو منطقة الصور التي مازلنا نعيش فيها لليوم».
ويصف الحاج خليل الظروف الاقتصادية للسوريين بالكارثية، «فما بالك بلاجئ عراقي لا يملك شيئاً؟» ولأنه رجل مريض ومقعد، فإن زوجته وابنه يعيلانه، حيث تعمل زوجته في الخياطة ولديهم طفل بعمر (9) سنوات، ولديه ابنة اخرى تعمل في الاراضي الزراعية مقابل الاجور، وتارة بالخياطة كذلك، وقد زادت ظروفهم سوءا عندما تم اعتقال ابنه ابراهيم على يد حاجز لقوات «سوريا الديمقراطية» قسد، في العام 2018، ولازال مفقودا لليوم دون اي خبر عنه،.
ويقول الحاج خليل ان «اخر ما توصلنا له انه مسجون في الحسكة والتهمة الانتماء لتنظيم «الدولة» مع انه مدني، وكان يعمل مدرساً في العراق وليس له علاقة بالتنظيم لا من بعيد ولا من قريب، اغلب اقاربنا نازحون في كردستان العراق وفي تركيا، لم يعد لدينا احد في العراق فقد هربنا من الميليشيات الطائفية».
وفي السياق قال الناشط والصحافي محمد الخالد ان كل عراقي في شرق سوريا عموماً وفي مناطق سيطرة قوات «سوريا الديمقراطية» خصوصاً، بات يُعتبر «داعشياً» وتهمة الانتماء لتنظيم «الدولة» ملتصقة به. وهو عُرضة لمخاطر شتى، على رأسها الاعتقال من قبل قوات «قسد» والتحالف الدولي، ويتم اعتقالهم على الشبهة عادة ويرمون بالسجون لفترات طويلة جداً، قبل التحقيق بهم، مما حدا بأغلبهم للهروب من مناطق دير الزور والرقة والحسكة في اتجاه الشمال في محاولة منهم للوصول لتركيا.
أما اليوم فأعدادهم باتت قليلة جدا بسبب الملاحقات الامنية، فهم بين نارين، نار العراق الذي تنتشر فيه الميليشيات، وجحيم سوريا حيث القوى المتصارعة في شرق البلاد ، كما يقول الخالد الناشط الصحافي المطلع على أوضاع العراقيين في المنطقة الشرقية.
وحسبما افاد به ناشطون من المنطقة الشرقية فان تواجد العراقيين في شرق وشمال سوريا بات قليلاً، ويتركزون اليوم في محافظة دير الزور وفي مناطق ريف الحسكة الجنوبي الشرقي، وغالباً ما يعيشون في مخيمات عشوائية مع نازحين سوريين من مناطق اخرى، وكذلك لهم تواجد في مناطق المعارضة المسماة (نبع السلام) في شمال سوريا، ويسكنون ايضاً بكثرة في إدلب وريفها حيث تقطعت بهم السبل هناك بعد محاولاتهم العبور نحو تركيا، وفي الرقة يقول الصحافي محمد عثمان لـ«القدس العربي» إنه لم يعد هناك أي تواجد للعراقيين في مدينة الرقة على وجه التحديد، لأن جميع العراقيين غادروها عندما كان الطريق مفتوحاً نحو مناطق المعارضة المسماة (درع الفرات) بعد ان كانوا خلال سيطرة تنظيم «الدولة» يملأون المدينة وريفها، أما اليوم لم يعد هناك اي تواجد لهم إلا نادراً، وبعد تلاشي سيطرة التنظيم باتت الرقة محطة عبور فقط لا استقرار»
ويتعرض كثير من العراقيين لعمليات استغلال وابتزاز من قبل المهربين عادة أثناء محاولتهم التوجه نحو تركيا، أو في اتجاه مناطق درع الفرات ثم ادلب.
ويحدثنا عن ذلك الصحافي والناشط زين العابدين العكيدي الذي يقول «المهربون عموماً لا يرحمون أحداً، والمهم هو المال، أما حياة الناس فلا تعنيهم، والعراقيين دوما عرضه اكثر للابتزاز والخطف، العراقي اليوم مطلوب لكل الجهات، فمجرد ان يأتي عراقي من مناطق شرق الفرات دير الزور أو الحسكة ويتوجه نحو مناطق الشمال (نبع السلام) -هذا ان نجى من حواجز قسد- فهو عرضة للاعتقال من قبل قوات المعارضة ايضاً أو ما تسمى بالجيش الوطني كذلك، والتهمة الانتماء لتنظيم «الدولة الإسلامية» وهنا تبدأ المساومة، أما الاعتقال بحجة أنك داعشي، أو تدفع المبلغ الفلاني وهكذا».
وكثيراً ما يشتبه التحالف الدولي بالعراقيين في دير الزور كعناصر مؤيدة لتنظيم «الدولة» وقبل شهور أعلن عن قيام طيران تابع للتحالف الدولي ترافقه قوات تابعة لقسد، بإنزال جوي على أحد المنازل في مدينة البصيرة، لاعتقال رجل عراقي مسن يبلغ من العمر 80 عاماً، ويعيش في المنزل مع زوجته وزوجة ابنه المتوفي وأطفالها.