ناس الكاتب: طرق للنظر والشعور عن ادب والكوت وغاندي وفلوبير محاولة للامساك برؤية الكاتب واصالة عمله ونايبول لم يتخلص من نزعته الفوقية ونرجسيته

حجم الخط
0

ابراهيم درويش

في كل مرة اقرأ فيها فيشا نايبول الكاتب البريطاني المولود في جزيرة ترينيداد في الكاريبي وذي الاصول الهندية والحائز علي جائز ة نوبل للآداب عام 2001 تستوقفني في كتاباته تلك المرارة التي تصل الي حد العدمية والقسوة الصادمة للوعي، والشعور بالنقص فهو ابن المهاجر الهندي الذي عاشت عائلته في مدينة (بورت اوف سبيين) عاصمة الجزيرة ظل يصدر في ما يكتب عن نزعة الشخص المقتلع من جذوره والذي يشعر بانه مقطوع من جذوره وهذا الشعور اورثه حدا يصل احيانا للحقد وهو الحقد والنزعة المتحيزة الذي لم يسلم منه ابناء بلده الاصلي الهند ولا العرب ولا المسلمون ولا الافارقة فكلهم جماعات دونية، ولا ازال اذكر كتابه طريق في العالم الذي هاجم فيه الحركات الثورية ذات الطابع الماركسي في منطقة الكاريبي والصورة الكاريكاتيرية التي رسمها لاحد الرموز الثقافية من الجزيرة (سي اس لويس) والذي كان اول كاريبي ينشر رواية في بريطانيا (طريق النعناع) ومذكراته (خلف الحد) وهو مصطلح يستخدم في لعبة الكريكيت. معروف ان نايبول قاس وحاد وشخصية معقدة ويضع شروطا كبيرة لمن يريد مقابلته ( لايعجبه العجب) لدرجة ان صحافية اضطرت للمغادرة بعد ان عنفها في مقابلة معه. ويبدو ان حس المرارة مرتبط بكونه كاتبا حاول ان يجد لنفسه موقعا في الحياة الادبية الكاريبية والبريطانية ولهذا ظل يحس بالغبن والغربة والاختلاف خاصة ان عائلته لم تكن مندمجة بما فيه الكفاية في مجتمع الجزيرة، مع ان والده كان كاتبا وعمل في صحيفة محلية حتي وفاته في (بورت اوف سبيين). في لندن عندما جاء للدراسة فيها في ستينات القرن الماضي عاش في شمال المدينة حيث تقطن الجالية الايرلندية وعاني في الحي من الفقر والعزلة والكآبة لدرجة انه فكر في الانتحار ولم ينقذه الا وظيفة جزئية في هيئة الاذاعة البريطانية في القسم الكاريبي حيث عمل في برنامج اصوات كاريبية الذي كان يرعي المواهب والكتاب الواعدين من هذه المنطقة وذلك قبل ان يعمل في عدد من الصحف والمجلات الانكليزية في مراجعة الكتب والروايات منها مجلة نيوستيسمان اليسارية وصحيفة ديلي تلغراف اليمينية. لم ينشر نايبول كثيرا منذ فوزه بنوبل باستثناء رواية قصيرة هي (نصف حياة) ومن هنا فان صدور كتابه الجديد ناس كاتب: طرق للنظر والشعور ( بيكادور/ 2007) وهو مجموعة من المقالات والتأملات في الادب الكاريبي والانكليزي والهندي والعالمي، انه كتاب عن الكاتب نفسه وعن رؤيته للناس/ المقصود بهم الادباء من اقرانه والذين عرفهم وتأثر بهم او قرأ لهم ويحمل موقف الكتاب من رؤية الكاتب للأدب وقيمته الفنية وطريقة ابداعه. ينطلق نايبول في عرضه من مناسبة صدور ديوان لشاب من جزيرة سانت لوشيا عام 1949 الاديب الشاب هو ديريك والكوت الذي حاز علي نوبل عام 1992. اصدر والكوت ديوانه الصغير ولم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره، وكان صدور الديوان (25 قصيدة) بمثابة الحدث الثقافي ليس لان الشاعر كان صغيرا في العمر ولكن لانه جاء من جزيرة صغيرة، فاذا كانت ترينداد نقطة علي خارطة العالم فان سانت لوشيا هي نقطة علي النقطة كما يقول نايبول. ما كان يميز هذه الجزر ان الدول الاستعمارية لم تترك فيها اي اثر او ما يدل علي ما هو حضاري.

ما يثير في هذا الكتاب ان نايبول المعروف بقسوته علي الادباء الاخرين يحاول نقديا ان يثير اسئلة حول العمل الادبي للكاتب والطريقة التي ينظر فيها للاشياء ويشعر فيها. ديرك والكوت كما يقول نايبول فقد تلك الطريقة بعد مجموعته الشعرية الاولي واكتفي فيما بعد في ان يقدم اعمالا مأخوذة من الاعمال الاخري وتكييفها محليا. عذر والكوت انه عاش في بيئة فقيرة ثقافيا وان موهبته كانت اكبر من جزيرته او حتي ترينيداد التي عمل والكوت في واحدة من صحفها. وقد علق والكوت ضاحكا لنايبول حول هذا الموضوع قبل ان تطبع اعماله الشعرية وتتبناه الجامعات الامريكية التي درس فيها. يعتقد نايبول ان والكوت فقد القدرة علي النظر للاشياء في جزيرته وترجمتها بصريا بطزاجة ونضرة كما فعل في ديوانه الاول ويعترف نايبول ان الزمن وطريقة قراءة النص تؤثر علي الطريقة التي ننظر فيها لقيمته الابداعية. هنا لا يكتب نايبول عن تقييم في مرحلة لاحقة اي عودة متأخرة للنص بل يري ان والكوت بعد عمله الاول تعثر وفقدت اعماله اللاحقة طزاجتها الاولي. والكوت لم يكن كاتبا فاشلا لكن ما فشل فيه انه لم يكن قادرا علي مواصلة الشعلة واستحضار المكان وتجربة السود في الكاريبي الذين كانوا قبل ذلك بلا نموذج ثقافي اصلي قبل ان ينتجوا رموزهم. يذكر نايبول رمزا من اصل برتغالي اسمه البرت غوميز، كان ضخما وسياسيا دعمه السود الكاريبيون ووجدوا فيه مثالهم، كان هذ السياسي شاعرا واصدر مجموعة شعرية لكنه بعد بروزالوعي الاسود تعرض للتهميش ونسي. في حديثه عن بؤس المشهد الثقافي في جزر الكاريبي يرسم لنا نايبول جزرا بلا تاريخ هامشية سلبها المستعمرون كل شيء ولم يبق المستعمرون في حقول السكر والموز شيئا للسكان لان نايبول يحمل شكوكا تجاه النزعات الثورية في الكاريبي فانه لم يكن معنيا بالحديث عن اهمية الحركة الشعرية في جزر المارتينك. نعني هنا ايمي سيزار وما عرف فيما بعد بحركة الزنوجة. قراءة نايبول في هذا الكتاب واسعة تشمل عددا من الكتاب في الكاريبي ونظرات في ادبيات انكليزية ونظرات في سيرة المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو.

ويعترف بخيبة امل في اكتشافه ان صديقه انتوني باول (1905- 2000) والذي كتب سيرة طويلة امتدت علي12 مجلدا ( رقص في موسيقي الزمن مع ان هذ الكاتب كان احد الرموز الادبية التي ساعدته في طريقه الادبي في لندن عندما كان شابا يشق طريقه الادبي. خيبة امل في الكاتب الصديق وان جاءت متأخرة ولو قدر له ان يجرد باول من صفة كاتب لما تأخر في نزعها عنه. نايبول في بحثه عن الاصالة في العمل الادبي او الحقيقة او الطزاجة يقوم بنزع/ فصل الكاتب من الزمن. فالكاتب الحقيقي الذي يتجاوز عمله الزمن هو من لا يقلد او يكرر او من يستعير ولا يعتمد علي بلاغة لغوية. او يعتمد علي الحشو ويطيل شرح وتفصيل ما لا يحتاج لشرح. فالكاتب السيء هو من يحتوي عمله علي هذه المميزات مما يثير اسئلة حول صدقه. ولهذا نجده وبتحفظ يمدح اعمال فلوبير خاصة مدام بوفاري. ويجد ما يستحق الثناء في سيرة غاندي التي يضعها امام سيرة كاتب هندي مسلم عاش في سورينام بعد ان عمل في مزارع السكر هناك، رحمن خان وهذ اسمه، درس الكتب المقدسة عند الهندوس وصار عالما متخصصا فيها. لا نعرف ان بقي خان مسلما ام لا. وجه المقارنة ان خان قدم الهند التي كانت في مخيلته هند غير مفصولة عن عالم سحري.

فالكاتب وان كان موجزا في وصفه للاحداث الا ان ايجازه هو ايجاز المخل ولم يكن ايجاز المقل. كما ان رحمن كان معزولا عن فضائه الجديد، وعندما رحل عن سورينام لم يكن يعرف موقعها علي الخريطة ولهذا ظلت الهند التي حملها كما هي لم تتغير مثلما حملت عائلته فكرة الهند معها الي ترينيداد ويتذكر نايبول هنا ان عائلته كانت مثل رحمن بعيدة عن السياق المحلي وظلت تحمل فكرة الهند التي سمعته وعرفتها من الجيل الاول من المهاجرين العمال الذين حملهم المستعمرون الي هذه الجزر للعمل في حقولها، رحمن لم يكن يفترق عن القطان، صانع المخدات الذي احضرته جدته لكي يجدد فراش بيتها الخشبي والذي عمل طوال اليوم بصمت حتي انجز مهمته. نايبول يقول ان القطان هذا عاش مع فكرة واحدة عن الهند الاصلية ولم يكن امامه مجال لفحصها او التحقق من اصالتها بسبب بعد المسافة، جيله الذي تعلم اتيحت له الفرصة لزيارة الهند والتحقق من الفكرة، صار الامر سهلا بفعل تطور عالم المواصلات والنقل. مقارنة مع النساج ورحمن. عاش غاندي في جنوب افريقيا التي بدأ فيه خطواته السياسية وبدأ فيها التجريب من ناحية الافكار النباتية والزهد الذي اعتنقه، ومن هنا يري نايبول ان سيرة غاندي الذاتية كانت اصيلة، سهلة وجميلة ومباشرة ذلك لانها كانت انعكاسا لحياته وجهاده.

يلاحظ ان نايبول في حديثه عن غاندي يبني علي فصل كتبه عنه في كتابه عن الهند ( منطقة مظلمة ـ 1964) والذي كان الجزء الاول من ثلاثة كتب عن الهند ولهذا يظل غاندي هنديا اصيلا لانه قدم رؤية عن الهند لم يكن باستطاعة اي هندي ان يقدمها رؤيته كانت مباشرة ومباشرته كانت ثورية لانه كان قادرا علي رؤية مأساة الهند التي لم يكن الهنود يريدون رؤيتها، لكن كان علي غاندي الرحيل الي انكلترا بحثا عن مكان له في العالم، وبعدها الي جنوب افريقيا، وذلك لتعزيز معرفته بالعالم ومن هنا كان انجاز غاندي. نثر او كتابة نايبول عادة ما يحمل نزعة متشائمة وهو هنا ان حاول الامساك بأصالة النص ورؤيته والشعور به الا انه لم يتخل عن نزعته الاحتقارية ورؤيته الفوقية خاصة عندما حلل شعر الكاريبي مثال ادغار ميتهولزر وصمويل سيلفين وديريك والكوت وانجاز عدد من كتاب هذه المنطقة مع ان سوء فهم ساد رؤيته عنهم تماما كما ان موقفه من الاسلام لم يتغير باعتباره دينا اضطهاديا واستعماريا وهوموقف لم يتغير في الكثير من كتبه ومحاضراته وتصريحاته، لكن نايبول يظل يعزف علي فكرة الاقتلاع وانه لم يكن بلا تاريخ وانجز ما انجز مع انه جاء من عائلة فقيرة لم تكن مغروسة في التقاليد الطبقية الهندية ولم تكن لديها تقاليد في الادب مع انه يتحدث عن والده كمثال عن مشاركة الجزر الكاريبية ولكن والده يظل كاتبا مقلا، مغمورا مقارنة مع اسماء اخري برزت من هذه المنطقة. نايبول مع كل هذا كان يحاول الدخول في نص الكاتب والتعرف علي الطريقة التي كان يري فيها العالم. وعليه كان هجومه علي فلوبير عندما حلل روايته سالامبو، حيث يري ان فلوبير لم يحافظ علي بساطة الرؤية التي وردت في القصة الاصلية عند الكاتب الاغريقي بوليبوس وهو ما يجعله كاتبا معاصرا، خاصة ان فلوبير افقد القصة الاصلية جدتها والتي تجعلها معاصرة وحولها، اي الرواية الي مسرح، لكنه، في المقابل رأي انجاز فلوبير في مدام بوفاري التي مدح فيها الوصف الجميل للمكان.

قراءة نايبول تجربة ممتعة لانه يمزج الرحلة والبحث التاريخي وكناثر مليء بالمرارة ويتقن جلد ذاته لم اعثر علي كاتب يخجل من رؤية اسمه مطبوعا فوق مقالة له كما يعترف في هذ الكتاب. وككاتب يحب العزلة يرسم هالة حول نفسه فان هذ الكتاب يفصح كثيرا عن شخصيته وجذوره الاجتماعية والمؤثرات التي صنعته مع ملاحظة ان الكاتب لم يتخل عن نرجسيته. ناس الكاتب مواصلة لمشــروعه الادبي الذي يحاول التجريب فيه خاصة انه رفض الشكل الراوئي المعروف بعد نجاحه في عالم الراوية التي فاز من خلالها بجائزة البوكر (1971) عن روايته في دولة محررة، والذي اعتبره قديما وغير قابل لتقبل معاني الحياة وقيمها ومفاهيمها الواسعة، وطور نوعا من الكتابة الادبية التي تمزج بين السيرة الذاتية والرحلة والخيال، واستخدم هذا الشكل الادبي بشكل كبير في اعماله الاخيرة خاصة طريق في العالم.

ولد نايبول في جزيرة ترينداد اند توباغو في شاغواناس قرب بورت اوف سبيين عام 2391 لعائلة مهاجرين هنود هندوس تعود اصولهم لشمال الهند، جلبهم الانكليز للعمل في مزارع قصب السكر في الجزيرة. وكان جده يعمل في قطع قصب السكر وزاول والده الصحافة والكتابة. غادر نايبول في سن الثامنة عشرة الي انكلترا حيث حاز شهادة في الادب عام 3591 من جامعة اوكسفورد. وعمل بعد تخرجه من الجامعة في هيئة الاذاعة البريطانية بي بي سي، ولكنه لم يستمر فيها، حيث سجل بعضا من ذكرياته عن عالم الاعلام في عمله طريق للعالم، وبعد ذلك كرس حياته للكتابة الادبية، الروائية والقصصية والرحلات وزار العديد من الدول الاسيوية والافريقية والشرق الاوسط. وتركز جل اهتمام نايبول في كتاباته علي قراءة صورة المجتمعات في دول العالم الثالث بعد الاستقلال ولهذا فكتاباته مهمة في مجال دراسات ما بعد الاستعمار لانها تقدم نقيضا ادبيا للاطروحة، فها هو اديب ينحدر من الطبقة العاملة يعيد كتابة وجهة النظر الغربية الاستعمارية ويستخدمها كسوط مسلط علي الانظمة الفاسدة والمجتمعات المنهارة. تعتبر رواية بيت السيد بيسواس التي نشرها عام 1691 وكانت الرواية التي تستعيد طفولته ووالده الصحافي، خروجه للعالم الادبي، وتجري شركة ميرتشانت اند ايفوري عملية معالجة سينمائية لهذه الرواية ستظهر قريبا في دور العرض السينمائي. وبعد النجاح الهائل الذي لقيته هذه الرواية، وسع نايبول الافاق الجغرافية والاجتماعية لنشاطه الكتابي ليتناول بتشاؤم متزايد اثار الاستعمار والاستعمار الجديد في العالم الثالث، وهو موضوع عالجه في رجال حرب العصابات (5791) و عند منعطف النهر (9791). واعطي نايبول في كتب الرحلات ونتاجه التوثيقي انطباعاته عن الهند مسقط رأس والديه في الهند، الف ثورة وثورة (1990) و الهند: الحضارة الجريحة. وقدم تحليلا سطحيا للاسلام الاصولي او الاحياء الاسلامي في كتابيه بين المؤمنين: الرحلة الاسلامية (1981) و ما بعد الايمان (1998)، واعمال اخري مثل لغز الوصول. ويمكن وصف نايبول بالكاتب الرحال يجوب العالم بحثا عن هوية، فيتنقل بين الهند والانتيل واميركا اللاتينية وافريقيا والشرق حيث يكتب ليصور الناس، حياتهم اليومية وحياة عائلاتهم. تندرج كتابته في مساحة ملتبسة بين السرد والوصف، وتمكن نايبول عبر الكتابة من تخطي الظلمات التي تكتنف تاريخه القديم وذاكرته كفرد من الشتات الهندي.

ناقد من اسرة “القدس العربي” A Writer’s People: Ways of Looking and Feelingby VS Naipaul Picador/2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية