ناشطون سوريون محبطون من الثورة يعبرون عن مخاوفهم من الفساد وأنانية القادة وصعود الجهاديين

حجم الخط
0

لندن ـ ‘القدس العربي’ يعيش عدد من الناشطين حالة من خيبة الأمل والإحباط في ظل الجمود الذي يعتري الساحة القتالية فقد اعترفت ناشطة ومتخرجة من الجامعة أنها توقفت عن التخطيط للإحتجاجات المعادية للنظام ونقل المواد الدوائية للمناطق التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة، وفي حالة أخرى قال خالد الذي شارك في الإحتجاجات منذ بدايتها وفر من دمشق إلى تركيا بعدما تعرض للتعذيب وطرد من عمله في مصرف، وقرر أن يترك عمله مع المعارضة، حيث أصيب بحالة من الخيبة لدرجة تمنيه لو لم تقم الإنتفاضة أبداً.
وفي قصة أخرى قرر أبو فراس، وهو مقاتل في حمص وضع بندقيته التي باعت زوجته مجوهراتها كي يشتريها، بعد شعوره بالضيق من القيادات التي يعمل تحتها والذين اتهمهم بالإنشغال بإثراء أنفسهم، والآن يجد نفسه عالقا تحت قصف الحكومة الذي لا ينتهي، مفلسا وعاجزا عن فعل شيء.
ونقلت عنه صحيفة ‘نيويورك تايمز’ قوله إن الذين يقاتلون الآن هم أما من جانب النظام او جانب اللصوص، حيث قال ‘لقد كنت أحمقاً وساذجاً’، ‘كنا حمقى’.
وتضيف الصحيفة أن بشار الأسد الذي يحقق بعض الإنتصارات المتواضعة سيكون فرحاً لهذه القصص التي تحمل صورة عن حالة إجهاد في صفوف من كرسوا أنفسهم للإطاحة به منذ عام 2011.

الجهاديون والفساد هم السبب

وتشير الصحيفة إلى أن الذين يتركون العمل في المعارضة يديرون ظهرهم لها لأسباب منها، تصاعد دور الجهاديين في الميدان القتالي او بسبب انتشار الفساد أو بسبب طول أمد الحرب التي لا يبدو أنها تقترب من النهاية.
وفي الوقت الذي يرى من تركوا العمل في المعارضة أنهم كانوا ضحايا فشلهم ودهاء بشار الأسد فإن أحداً ممن قابلتهم الصحيفة عبر عن استعداده للعودة إلى النظام ودعمه والعمل معه.
وقد تكون هذه الأصوات نشازاً او هامشية خاصة أنه من الصعب تقدير حجم الذين يتركون القتال لكن الصحيفة تقول إن سلسلة من المقابلات أجرتها مع ناشطين مسلحين وغير مسلحين، في داخل وخارج سورية تحدثوا عن نفس التجربة: فمع بداية الإحتجاجات حلم هؤلاء بحياة جديدة وعصر سياسي مليء بالإمكانيات، ومن هنا خاطروا وقرروا انتهاز الفرصة التي لم يحلموا بها أبداً، ومن أجل هذا الحلم خسروا وظائفهم وبيوتهم وعائلاتهم وعانوا من التعذيب والجوع، وراقبوا الجيش وهو يدمر أحياءهم التي ولدوا وعاشوا فيها طوال حياتهم، وخسروا كل شيء ولكن هذا لم يكن كافياً.
وما دفعهم لترك الثورة هو، كما يقولون، الفوضى التي تعتري صفوف المعارضة، وقدرة الحكومة على الإستفادة من اخطائها، والشعور العام الذي يسود صفوفهم بأن نهاية سعيدة للأزمة ليست قريبة.
وقد سجلت الصحيفة هذه المشاعر المتزايدة في لقاءات أجرتها في الأشهر الأخيرة مع ناشطين في دمشق وتركيا ولبنان وعبر ‘سكايب’ في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. ويقول البعض ممن يقاتلون في الكتائب أنهم يترددون في ترك الميادين حتى لا يعيشوا بعقدة الذنب أنهم تركوا رفاقهم يواجهون النظام وحدهم.
ولا يستبعد أن تكون هذه الأصوات مضخمة نظرا لأن أصحابها من ذوي الأصوات العالية ومن أبناء المدن ممن لا يفهمون الفقراء المحافظين الذين يعتبرون حجر الزاوية للإنتفاضة المسلحة، ومع ذلك فدعم هذه الأصوات مهم لأنها تترك أثراً على العمل المحلي الذي عادة ما ينشطون به.
ويشعر الناشطون بخيبة أمل أن خطأهم يكمن في عدم التفاتهم لبناء جسور مع الذين كانوا يراقبون الأوضاع. كما أن المقاتلين المحليين الذين كانوا يبحثون عن دعم رحبوا في البداية بالمقاتلين الأجانب، وتبنى عدد من الناشطين لغة دينية أو طائفية للتعايش مع الوضع الجديد والحصول على التمويل الخارجي.
ويرى التقرير أن استراتيجية الأسد لمواجهة معارضة تحظى بدعم دولي قامت على العودة لكتاب والده حافظ الاسد الذي تبنى سياسة عنف هدفت أولاً لتهميش ومحو المعارضة المدنية المتعلمة، بشكل قضى على أية فرصة لظهور أرضية مشتركة يلتقي عليها الطرفين.
استراتيجية الأسد

وقامت استراتيجية الأسد على بعدين: الأول استخدام القوة المفرطة وفي البعد الثاني: اعتمد النظام على استراتيجية مدروسة تهدف لإقناع العالم بخطورة المعارضة التي تلقى دعما من دول عدة.
واعتمد الأسد في تنفيذ استراتيجيته على دعم حلفائه الأقوياء حيث صمد طوال السنين الثلاث الماضية بثمن تدمير معظم سورية وتشريد أهلها وانهيار اقتصادها، وبسبب القوة المفرطة لم يعد أمام السوريين خيار إلا البحث عن سبل للنجاة، مما جعل من الحديث عن الحقوق والواجبات والحياة المدنية أمراً كمالياً.
وتنقل الصحيفة عن ناشطة سابقة في دمشق قولها إن النظام غير قواعد المعركة. وتضيف أنها وزميلات يفكرن أحياناً ‘انهم كانوا عباقرة، أي النظام’. فالنظام كان يعرف منذ اليوم الأول ما يريد عمله وقام بجر الناشطين للإتجاه الذي يريده.
وفي الوقت الذي يتخلى ناشطون عن نشاطهم يجد من يواصلون صعوبة في الحصول على دعم للأحياء المحاصرة خارج دمشق، حيث ترفض الصيدليات الأن التبرع بحليب الأطفال، إما خوفاً او لشعور أصحابها بالإحباط.
وبسبب رحيل الناشطين والشباب إلى الخارج فهناك صعوبة لتنظيم تجمعات سياسية. ووجد النظام في بعض حالات الإحباط فرصة لاستثمارها حيث عرض العفو عمن يتخلى عن سلاحه بل وعرض على المنشقين عن الجيش العودة لمواقعهم التي تركوها.

حرب أم ثورة؟

وتقول ناشطة سابقة إنه لو انتصر النظام فليس أمامها إلا الأنتظار كي تعتقل او تفر من دمشق، مع أنها لا تقوم بأي عمل يضر بالنظام الآن لكن أعوانه سيتذكرون. وبعيداً عن سطوة النظام هناك قصص مختلفة لكل واحد قرر التوقف عن النشاط او ترك القتال او العمل مع المعارضة، فبالنسبة لناشطة دمشق فقد كانت خلافات الرأي بينها وبين من كانوا يتظاهرون، خاصة حملة السلاح، فهؤلاء يعتقدون أنهم على حق ولديهم سلطة فعل ما يريدون ‘ويقاتلون من أجل الإسلام أو معتقداتهم وليس من اجل الإطاحة بالأسد’.
أما ابو فراس فما دفعه إلى ترك القتال هو قيام بعض القيادات عقد صفقات مع جنود النظام بشكل عرض حياة المقاتلين للخطر. ويتهم هؤلاء القادة الفاسدون بالأنانية وعدم رغبتهم بانتهاء الحرب.
وتظل قصة عمار مختلفة فقد ظل في القصير يصنع أفلام فيديو للمقاتلين، وعندما هرب مع عائلته إلى منطقة واقعة تحت سيطرة المقاتلين طرد هو وعائلته من المسجد وأجبروا على النوم في الشارع.
وهو الآن في طريقه للسويد للهجرة حيث سينسى الثورة كما يقول. ويأتي الاحباط او حالة الخيبة في وقت يحاول فيه النظام تعزيز مكتسباته في القلمون الواقعة على الطريق بين دمشق والساحل.
فقد سيطرت قواته على بلدة دير عطية، فيما دخلت بلدة النبك وسيأتي الدور على يبرود وهي البلدات الرئيسية في القلمون الذي يعتبر حيوياً للمقاتلين. وينظر للتقدم الأخير على أنه محاولة من النظام لتعزيز مواقعه قبل مؤتمر جنيف- 2 المتوقع انعقاده في بداية العام المقبل.
الطفولة المسروقة

ويترافق الحديث عن التراجع والخيبة عند بعض المقاتلين بالحديث عن الطفولة السورية، حيث أشار تقرير لصحيفة ‘غارديان’ أن مئات الالاف من الأطفال السوريين يعانون من آثار الحرب ويواجهون مستقبلاً ‘كارثياً’ في المنفى بدون فرصة للتعلم أو العيش كغيرهم من الأطفال حياة عادية.
ولاحظ تقرير للأمم المتحدة أن عمالة الأطفال تعتبر مشكلة في مخيم اللاجئين السوريين في الأردن وبين السوريين الذين هربوا إلى لبنان.
وجاء في التقرير الذي نشرته المفوضية السامية للاجئين في الأمم المتحدة أن حجم الأزمة السورية هو الذي يجعل من لجوء السوريين حالة خاصة، ونقلت عن فولكر تورك، مدير حماية الأطفال في المفوضية قوله إن ‘مليون طفل لاجئ هو رقم كبير جداً، والمظهر الملفت للانتباه هو الأثر الذي تتركه الحرب على نفسية ونشأة الأطفال، فقد تعرضوا لرضوض خطيرة، ويجبرون على التعامل مع أمور لا يتعامل معها إلا الكبار’.
وقد اعتمد التقرير على مقابلات لـ 176 في لبنان و 106 في الأردن، أجريت في الفترة ما بين تموز (يوليو) وتشرين الثاني (اكتوبر) من العام الحالي. وتقول شيراز مخيمر التي تعمل في المنظمة الدولية الطبية أن الاطفال اخبروها عن مشاهدتهم لعائلاتهم تقتل ويطلب منهم بعد ذلك دفنها.
وفي الوقت الذي تحظر قوانين العمل في الأردن ولبنان استخدام الأطفال، ولكن هؤلاء عادة ما يعملون في أعمال يدوية وبأجور متدنية، وتعتبر هذه الدخل الرئيسي للعائلة.
وحسب تقرير سابق أصدرته ‘يونيسيف’ في آذار (مارس) الماضي فقد وجد أن واحدا من كل عشرة أطفال سوريين في المخيمات يعملون.
ونقلت الصحيفة عن مفتشة في وزارة العمل الأردنية قولها إن الأطفال السوريين يتنافسون على الأعمال مع الأردنيين ممن هم في سن العمل ‘يعمل الأطفال السوريون في الأردن بأعداد كبيرة أكثر من الأردنيين بسبب ثقافتهم حول العمل، ونسبة 60-70’ من عمالة الأطفال في الأردن هي من السوريين’، ويتمتع هؤلاء الأطفال بمهارات أعلى من أقرانهم الأردنيين.

قصص

ونقلت الصحيفة عن سمير (13 عاماّ) وهو طفل سوري في إربد- شمال الأردن حيث قال إنه يعمل طوال الليل، ستة أيام في الأسبوع، ينظف ويعمل الشاي، ويحصل على اربعة دولارات عن كل ليلة، وهو مبلغ تحتاجه العائلة بشكل كبير، وكان والده قد قتل بقذيفة على بيتهم في حمص، وتركت والدته مشلولة، أمأ اخته البالغة من العمر 15 عاماً فقد زوجتها أمها من رجل عمره 50 عاماً لتأمين حياتها. أما حسن (14 عاماً) وهو الكبير بين أربعة أخوة ويعيش مع والده في شقة في إربد، فهو يبيع الكتب في شوارع المدينة، لأن والده لا يستطيع العمل، بعد أن اصابت طلقة رجله، ويعمل حسن 14 ساعة في اليوم ويحصل على 5 دولارات، ولا يحصل على راحة اثناء العمل إلا قليلاً، ويقول إن صاحب العمل طيب معه ويحضر له وجبتين في اليوم.
وفي الوقت الذي يذهب فيه الأولاد للعمل تجلس البنات في البيوت حيث لا يسمح لهن بالخروج إلا مرة في الأسبوع. فقد منع أحد الآباء بناته من الخروج من خيمتهم في مخيم الزعتري لمدة شهر لخوفه عليهن، وقضت نور وشقيقاتها الوقت وهن يلعبن بالأحجار.
ووضع الأطفال في الأردن ولبنان يختلف عن ذلك الذي في تركيا، فالمدارس ومراكز الدعم متوفرة لهم، وأشارت روث شيرلوك إلى مدارس أقامها السوريون اللاجئون في أنطاكية والتي توفر لأبناء الحرب من مثل ‘أبناء وبنات شهداء سورية’، وتقول مؤسسة المدرسة إنها بدأتها لرعاية وتعليم أبناء الشهداء ‘وقلت لنفسي لا بد من عمل شيء’ تقول ريم بلوش.
وتتراوح أعمار الأطفال ما بين 4- 13عاماً وكلهم شاهدوا أباءهم يقتلون او يسجنون، مما يحولهم إلى أيتام يعتمدون على مساعدة الآخرين.
وتنقل الصحافية قصص الأطفال مثل مصعب 13 عاماً الذين كان عليه أن يحرر جثة والده من بين الأنقاض بعدما ضربت طائرة ‘ميغ’ بيت أقاربه حيث ذهبا للعيد في بلدة الدانة في إدلب. أما جهاد فقد جاء مع قريب له إلى تركيا بعد أن أخبر والده عن نشاطات أمه السلمية في التظاهرات حيث اعتقلت.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية