قوات تابعة للنظام السوري عند معبر نصيب الحدودي مع الأردن
قوات تابعة للنظام السوري عند معبر نصيب الحدودي مع الأردن
لندن – “القدس العربي” – إيراهيم درويش
هل ضبط النفس في سوريا هو الخيار الأفضل بعد فشل نهج التدخل العسكري والردع؟ يعتقد كل من آدم لامون وجاكوب إيشين في مقال نشره موقع “ناشونال إنترست” أن عدم وجود استراتيجية واسعة هي وراء فشل المدخلين، وأشارا إلى العملية الأخيرة التي قام بها نظام الأسد في جنوب غربي سوريا باعتبارها تذكيرًا لنا أن الإتفاقيات الدولية والخطاب القوي عن مناطق خفض التوتر أو الأسلحة النووية لن تمنع بشار الأسد من عمل ما يريد. وهناك مخاوف من جر الولايات المتحدة من جديد إلى الساحة السورية مع تدفق موجات جديدة من اللاجئين في الجنوب فيما تواجه المعارضة في إدلب منظور حملة مقبلة. وفي الوقت الذي تتوفر فيه الكثير من المحفزات فإن ميول النظام السوري لاستخدام الأسلحة الكيميائية ضد المقاتلين المتحصنين قد يتكرر ضد معقل الجهاديين في مدينة إدلب مما يستدعي إعادة النظر في سياسة الأسلحة الكيميائية من الأسد والخطوط الأمريكية الحمر.
وبعد الهجوم الكيميائي على بلدة دوما في 7 أبريل/نيسان والذي قتل فيه حوالي 40 شخصاً أكدت إدارة الرئيس دونالد ترامب أنها “ستقوم ببناء نظام ردع قوي ضد انتاج ونشر واستخدام السلاح الكيميائي” إلا أن الغارات الجوية التي تبعت ونفذها الطيران الفرنسي والبريطاني والأمريكي كانت محدودة في مداها من اجل تجنب أي مواجهة مع روسيا والحد من الخسائر بين المدنيين، ولهذا السبب فهناك أسئلة حول ما حققته من ردع للنظام الذي تحرك بناء على تحذيرات مبدئية من ترامب وتغريداته للحد من الأضرار. وكانت التقييمات التي قدمتها الإستخبارات الإسرائيلية ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) قد أحبطت إعلان الرئيس عن “نهاية المهمة”.
فشل استراتيجية الردع
وبدلاً من إظهار القوة الأمريكية كشفت الغارات على سوريا عدم نجاعة الردع لوقف الأسد عن استخدام الأسلحة الكيميائية وأظهر أن الخطوط الأمريكية الحمراء ما هي إلا مجرد زيف. فطالما لم تعبر أمريكا عن استعداد لتهديد بقاء الأسد أكثر من المعارضة السورية نفسها فلن يتم ردعه عن استخدام الوسائل التي يعتقد أنها ضرورية للإنتصار في الحرب بما فيها السلاح الكيميائي. وفي قراءة بمبرر الإدارة الأمريكية للغارات التي نفذتها في إبريل/نيسان 2018 تكشف أن ترامب شجب الهجوم الكيميائي بسبب الأعداد الذين قتلوا فيه لا لأن استخدام السلاح الكيميائي يعد خرقاً يحتاج في حد ذاته لرد انتقامي. وهنا يبدو التناقض في سياسة الردع الأمريكية تجاه الأسد الذي واصل استخدام الأسلحة الممنوعة طوال الحرب.
ويقول الكاتبان إن النظام السوري يستخدم السلاح الكيميائي في الحرب طالما كان مفيداً ولم تتفوق مخاطر استخدامه على المنافع. فعلى سبيل المثال يعرف النظام أن استخدام غاز السارين السام قد يقود لرد فعل غربي قوي إلا أن استخدامه للكلور قد يمنع من رد كهذا. وهذا يفسر استخدامه للكلور في شمالي سوريا عام 2014 بعد الرد الدولي العنيف على الهجوم في الغوطة الشرقية في 2013 والذي قتل فيه 1500 مدني بسبب السارين. ومع ذلك لم يكن افتراضه صحيحاً في عام 2018 عندما أدى استخدام الكلور في دوما لرد عسكري أمريكي. مما يطرح أسئلة حول طبيعة الخطوط الحمراء الأمريكية في سوريا. فمع اعتبار الكلور من ضمن المواد الكيميائية التي تؤدي للإنتقام تم تخفيض عتبة التدخل الغربي، رغم تفضيل النظام للكلور. ورغم المواجهة الدبلوماسية ومواجهتين عسكريتين مع الغرب بسبب السلاح الكيميائي إلا أن الأسد لم يتم ردعه بسهولة مما يثير أسئلة حول طبيعة التهديدات التي لا تعرض مصير النظام للخطر وإن كانت سلاحاً جيداً للردع. ويعني فشل استراتيجية الردع والتدخل الإنساني انهما لا تطبقان إلا في حالات محدودة.
فقد أظهر التاريخ أن التدخلات لها حظ كبير من النجاح عندما تتم في دول معزولة وصغيرة أو متوسطة الحجم ولا يهدد الجيش المحلي قوات الطرف المتدخل. ففي كوسوفو وتيمور الشرقية نجح التدخل أما في اليمن وميانمار حيث حظي المعتدي بدعم خارجي (الولايات المتحدة مع السعودية والصين مع ميانمار) لم يتم الإستجابة لدعوات وقف الأعمال العدائية أو تدخل طرف ثالث. وفي الحالة السورية فدعم الروس والإيرانيين لنظام الأسد يمنع محاولات عزله وبالتالي يعقد من مهمة الردع. وحتى يكون الردع ناجحاً يجب أن يكون التهديد بالعمل العسكري حقيقياً وأن لا يتعامل معه المتلقي له على أنه وسيلة للنجاة. ونظراً لتسيد جماعات المعارضة المتشددين فلا يوجد ما يمكن أن تكسبه الولايات المتحدة من الإطاحة بالنظام سوى المزيد من الفوضى وسفك الدماء. كما أن تجنب الأمريكيين إصابة الجنود الروس الموزعين على أنحاء البلاد يعني تحديد الخيارات أمام تهديد النظام ومصالحه الإستراتيجية.
غياب أوراق الضغط
وهناك عامل آخر يتعلق بغياب أوراق الضغط على الروس وإيران، داعمي الأسد. ولو تم إقناع موسكو بأن الحرب الكيميائية في سوريا ليس في مصلحتها إلا أنها لن تتخلى عن المكاسب التي حققتها والضغط عليه كي يتوقف عن استخدام السلاح الكيميائي. وستظل سياسة الردع قاصرة طالما لم يكن التهديد بضرب الأهداف الحيوية للنظام حقيقياً. طبعا، هذا لا يعني عدم استخدامه في المستقبل وفي ظروف مختلفة، وبخاصة عندما لا يكون المعتدي مدعوماً من قوة نووية. ولو أرادت الولايات المتحدة وقف استخدام السلاح الكيميائي في سوريا فيجب أن تتوصل لحل النزاع. وفي الوضع الحالي يجب أن يشعر النظام بالأمن لدرجة لا يحتاج لاستخدامه. ويجب تجنب الخيارات التي قد تضعف النظام. وإذا كانت هناك حاجة لمعاقبة الأسد على استخدامه السلاح الكيميائي فيجب والحالة هذه تفعيل المؤسسات الدولية وفرض عقوبات على رموز النظام الكبار أو تكليف منظمة الحد من انتشار السلاح الكيميائي للتوسط بدلا من القيام بعمليات انتقامية. وربما كان استخدام العمل العسكري واجباً وشافياً إلا أن خيارات كهذه ستأتي بآثار سلبية حاولة كان التدخل من اجل الظهور بمظهر من عمل شيئا سيترك آثارا سلبية. ولا ريب أن الفشل في فرض الخطوط الحمر يضعف الغرب ويضر بمصداقية الولايات المتحدة. أما فرضها فيعني حرباً إقليمية بنتائج غير محسوبة. ولهذا فالخيار الوحيد هو ضبط النفس.