بيروت ـ من جورج جحا: يتميز عمل الكاتب الاماراتي ناصر الظاهري الاخير الذي حمل عنوانا هو الطائر بجناح ابعد منه ووصف بعد هذا العنوان بانه حكاية.. بكتابة شعرية موحية ومحركة وباشارات عديدة تاريخية وفكرية ودينية متنوعة تنم عن ثقافة واسعة وعميقة وجدية.. لكنه في الوقت نفسه يعكس سمة قد تسيء الي هذا كله وهي المراوحة في اجواء حالة واحدة او حالات متشابهة. هذه المراوحة قد تجعل القاريء يشكو من هذه الكثافة الجمالية ويشعر بأن الكاتب الذي حمل اليه هذا الكلام الحلو قد أعاده وأعاده في حالات وصور متقاربة الي درجة ان هذه الحلاوة الزائدة قد تخلق شعورا بانتظار طويل وتساؤلا قد يكون التعبير الصحيح عنه هو وماذا بعد.. ليأتي بعد ذلك تكرار مشابه قد يؤدي الي شيء من الملل. ومما قد يضايق القاريء ايضا هو ان نسيجا شعريا من هذا النوع لا يستحق ان يقع قارئه في الملل. وعلي رغم كثير من العناصر القصصية في الكتاب ووصفه بأنه حكاية فهو اقرب الي الشعر اي انه من ذلك النثر المتفجر بالصور الشعرية والنبض الشعري حتي حيث يسعي الكاتب الي الكلام بنثرية تقارب الكتابة القصصية. انه سرعان ما يعود الي الغرق في لجج عالم شعري لا يفارقه. صحيح ان ما يعرف في هذه الايام بالتناص اي تداخل اجناس ادبية مختلفة وزوال الحدود بين نوع ادبي واخر قد يكفي ليشرح اعمالا كعمل الظاهري.. لكن المأخذ هنا علي كتابة جيدة كعمل الظاهري ليس في تداخل انواع ادبية مختلفة فيه.. بل ذلك التكرار المضني او المراوحة لا في المكان او الزمن -وهما عند الظاهري متعددان كثيران- بل المراوحة في الحالة او الانتقال منها الي حالة هي توأم لها او شقيقة عادية في افضل الاحوال. ما يسميه الكاتب حكاية هو في الواقع كتابات شعرية متوترة حارة يربطها خيط خفيف يكاد لا يبدو للعيان ليحاول جعلها تنتظم في حكاية واحدة هي حكاية عمر وحياة. الا ان هذا الخيط كان في احيان كثيرة خفيا غير مرئي. صدر كتاب الظاهري عن دار رياض الريس للكتب والنشر في 661 صفحة من القطع المتوسط. يستهل الظاهري كتابه بشبه مقدمة عنوانها في البدء وقبله تتميز كسائر الاقسام بذلك النبض المتوتر القوي الذي يمضي وسط اجواء من الحنين والاسي راويا بلوعة ما يفترض ان يكون ذكريات طفولة غرست نفسها بعمق لا يمّحي في حياة صاحبها كلها. ويبدو الكتاب لنا مرة اشبه بسيرة ذاتية او متخيلة.. مكتوبة في ما يشبه مزيجا من الشعر والقصة وبلغة تصويرية حارة قادرة علي التقاط اجواء اناس في مرحلة مضت. قال انا الراوي وهي صفة لم اطلبها يوما. هي الصدفة وحدها التي جعلت من هذا العاق وهو صغير يدوس علي رأسي وقت مغرب. حينما غابت الشمس عن تلك البيوت الطينية التي تجاور بساتين النخيل ودخل الليل بأول ظلمته وصمته لا تسمع الا دق هاون القهوة المتقطع من بيت الي اخر او صراخ بعض الصبية وقت الكحل المسائي المجبرين عليه وخلت السكك من دبيب الاقدام. ويضيف في مكان اخر وكأنه يتحدث عن هذا الجسد المصاب العاق لهذا الطفل الذي كان. يقول هنا كما في سائر الكتاب ملمحا في ومضات تحتاج الي ان يربط القاريء بعضها ببعض وهكذا رضيت مجبرا ان اقبل الاختيار الاول في حياتي وخارج نواميسنا الارضية قابلا بأن اعيش الحياة القصيرة مع هذا العاق وأخدمه ما بقي حيا بعد ان فشلت اخر محاولاتي في القضاء عليه وتسخيره لخدمتي وشرور نفسي.. حين اعثرت به القدم وكان اللعينة في يوم كان فيه مكتمل الصحة ويحجل نحو اعوامه العشر. سنوات مرت ورحلات حول العالم ومرويات تبقي دائما وسط غمامة وشبق الي الجنس الاخر وتجارب مختلفة وتمتع بكثير من متع الحياة وتمجيد لتلك اللذات التي يصعب الحصول عليها الا في الخارج وهو كثير السفر. يعب من كل ذلك ثم يثوب الي ما غرس فيه من تراث وتربية شرقيين. انه هنا يذكرنا ببحار الشاعر خليل حاوي ودرويشه. فلنستمع اليه يقول كان اذا ما تعب استدعي ذلك الدرويش الصوفي الساكن في قاع راسه او تجاويف صدره فيقول له الخير لك ايها الشيخ المتفاني ان تفعل مثلما فعل ذلك البحار النرويجي.. حين لم يستطع الابحار ارسل سفينته حيث يشتهي وقلبها الي مطعم اسطوري يضج بالناس كل مساء فيما يدور هو كربان في عمر خريفي… يلاطف الطاولات ويحكي لهم عن قصص حقيقية ووهمية ومتخيلة ومع مرور الوقت لا تقدر ان تميز فيما بينها حتي من سمعوها من قبل او لم يسمعوها. رويترز