عبدالكريم كاظمإن الشاعر يسير في غابة من الرموزشارل بودلير1 إن حضور المعنى المتعدد هو منتهى ما وصل إليه الشاعر والفنان العراقي ناصر مؤنس في مجمل إصداراته الشعرية وطريقته في الكتابة إذ يتحول النص الشعري لديه إلى صورة تجعل المتلقي في نقطة لا يعرف بعدها إلى أين هو ذاهب أو متوجه وهو بهذا يرمز إلى منحى شعري جديد من وظائفه الفنية التشديد على معاني النص المتنوعة وسلطة الحرف، ومنذ أن ظهر النقد الحديث بتياراته المختلفة، كالبنيوية والبنيوية التكوينية والبنيوية الشعرية والسيميولوجية، نتيجة تأثره بلسانيات (سوسور) وفلسفة (بيرس) أصبحت العلاقة النقدية عبارة عن علاقة لغوية ـ فنية تتكون بين نص ومتلقي وإن العلاقة بينهما هي علاقة معرفية تسري على كل نظام صارم للتلقي الشعري الذي لا يتعاطى مع التعبيرات الشعرية الهلامية أو الصور المصابة بالتورم اللغوي والإشارات السطحية التي تزعزع الثقة بين النص ومتلقيه أو بين ظاهر النص وعمقه بتعبير (ميشيل فوكو) ذاك لأن ظاهر النص خداع لغوي وفكري وتسلية عابرة أما عمق النص فهو أشبه بالتوغل أو الذهاب إلى المعاني الكامنة وراء قشرة النص لغوياً وفنياً وبصرياً.توظف شعرية ناصر مؤنس في إصدارته كثيراً من الإشارات ذات بعد سيميولوجي، وتستعين بها في رسم دلالتها وتقريبها من المتلقي، فقد استعان الشاعر بالفضاء الجمالي للخط العربي إذ ثمة تنظيم وتآلف بين (الحروف والكلمات والمقاطع والشكل) بهدف خلق وحدة ذات تعبير فني، إضافة للمعنى المتعدد، أو للتعبير عن فكرته الشعرية المتمثلة بحضور المعنى بصرياً، من خلال الحرف، وشعرياً إذ تتجلى سيميولوجيا الفضاء الجمالي في كونه يعبر، إيحاء ورمزاً، عن المعنى المتعدد الذي حل بالنص الشعري فحوله إلى نص بصري مختلف يشوش على المتلقي أحياناً ويمنح القراءة الصارمة شكلاً حركياً دالاً عن المعنى ومعبراً عنه في أكثر من دلالة الألفاظ الشعرية لنفهم من خلال ذلك رمزية الفضاء الجمالي للخط وطريقة رسمه شعرياً وتشكيلياً، وقد تلمسنا ذلك في مجموعته الشعرية المعنونة (هزائم) والصادرة عن دار مخطوطات عام 1996 ولا شك أن هذه الرؤى الملموسة في مجموعته تلك قد أثرت، فنياً وجماليا، في مسيرة ناصر مؤنس الشعرية الفنية وانعكست إيجاباً على طبيعة كتابته للشعر رغم كل الاعتراضات المشار اليها بملاحظة كتبها الشاعر في بداية كتابه الشعري المعنون (هزائم) التي قال فيها: (تم إنجاز هذا الكتاب عام 1986 وقد منع من قبل مؤسسات القمع الثقافي بحجة أنه يشوه الحرف العربي الجميل) ومن هنا أيضاً لم يكن غريباً أن نجد الشاعر يعود فيرى أن أفضلية التشكيل الفني للشعر ليست ثابتة، فإن للرسم أو الخط دوره في تعديل وتحوير النص، لأن التشكيل لا يمكن أن يتماثل بالإطلاق ولذا فهو يعرض للنص الشعري المختلف بأن التشكيل الفني تحتاجه الكتابة الشعرية ويوضح أيضاً بأن التشكيل يستملي من النفس والعقل والبصر ويتماهى مع المعاني المتعددة وهكذا يفسر الشاعر ناصر مؤنس طبيعة العلاقة بين الإبداع الفني ونوعيته بإبراز العلاقة القائمة بين الشعر والتشكيل في نفس الفنان ويطبق تلك العلاقة الجمالية (كناقد أولاً) ثم (كشاعر ورسام ثانياً) على فن الشعر، من هنا يتبين لي أن الشاعر قد تأثر بنظرية التوحيدي في الإبداع الفني التي يمكن أن تضاف إلى نظريته في فلسفة الخط العربي الذي ألف فيه أقدم رسالة عن الخط العربي، كما يمكن لنا أن نضيف أن لغته الشعرية هي لغة تعبير وتشكيل وتصوير وأداة فهم وتفسير يطوعها الشاعر للتعبير عن أدق المعاني الروحية والفلسفية والجمالية.من خلال قراءتي لاعمال ناصر مؤنس الشعرية حاولت كثيراً أن أردم الفراغ بين القراءة والمشاهدة، وبين معنى النص وصورته، أعني صياغته التشكيلية، لكنني أدركت أن صورة النص الشعري هي جوهر موقف الشاعر من الكتابة الشعرية إذ ليس من العدل أن يتعامل المتلقي مع هكذا نصوص بانتزاعها من سياقها التشكيلي، وأعني تلك المتعلقة بصياغة النص وكتابته بالخطوط والتخطيطات والرسوم المغلفة بلمسة صوفية، واجتزائها من وحدتها الفنية وأنما أردت فحسب أن أسوق بعض أمثلة من شعره لأدلل بها على أن الدعوة إلى التجاوز، في طريقته الشعرية، تكاد أن تكون الدلالة الفنية الأساسية لمعظم نصوصه يعبر عنها تعبيراً تجريدياً تارة وبصرياً خالصاً تارة أخرى حتى وأن تنوعت وتفرعت أساليب وصور التعبير عن هذه الدعوة التجاوزية . هذا فضلاً عن أن أسلوبه في كتابة النص يكاد يقوم أساساً على المواجهة البصرية الحادة والمصادمة بين المعنى والمبنى، وليس في هذا أقلال من قيمة هذا النص أو ذاك، في مجمل أعماله، وأنما هو تحديد لخصائصه الأسلوبية في الكتابة الشعرية، ولعل أهم ما يميز نصوصه أيضاً تلمس نبض الواقع الحسي/التجريدي للحرف بكل أبعاده الجمالية المجردة ونستطيع أن نتبين في نصه الشعري عدة عناصر متداخلة متشابكة أيضاً، فهناك الخط الذي يعبر عن نفسه تعبيراً بصرياً في شكل لوحة وهناك المعنى الزاخر بالتفاصيل الصوفية الملموسة وهي تتحرك وتتلاقى وتتفرق لتشكل المعنى الممتد بين رموز وأقنعة تراثية ودينية وفلسفية وصوفية ثم هناك الرمزية التي نستشعرها برغم ما فيها من دلالة وإيحاء وهناك أخيراً الصور الشعرية الجوهرية المتنامية أفقياً في شكل حكائي.2تبدو العلاقة بين أدوات ناصر مؤنس في الكتابة الشعرية وسيرورة الحرف العربي أكثر من علاقة قائمة على التشكيل الفني للحرف، وأُشدد على عبارة التشكيل الفني للحرف العربي، بل أتت كتابة النصوص من مفاهيم فلسفية وصوفية وجمالية أو رؤية فنية مغايرة لم تبالغ في قدرة التوسع الجمالي للنص الشعري نفسه، إذ تبدو العلاقة تداخلية وليست أحادية الإتجاه أو التأسيس وهي بالنسبة لموضوعة التلقي، كأسلوب أو طريقة جديدة للتلقي، أكثر تداخلاً بسبب تراكم مكونات النصوص الشعرية التي تسهل الإنتقال بالمعنى بين عين الشاعر ومخيلته أو بين التعاطي الجمالي مع الفضاء الكوني للحرف وأسلوب استخدامه في الكتابة، وقد جعل الأغريق الكون قائماً على حرف ورقم ونغم ولفظ، وما شعر ناصر مؤنس سوى مجموعة من الرموز حاضرة في الذهن تجعل المتلقي متهيأ لقراءة اللامرئي . والرمزيون، كما هو معروف، يفسرون المرئي باللامرئي أو اللامرئي بالمرئي وقوام ذلك كله فكرة النص الشعري التي تجسدها ماهية الحرف وهكذا يختزل الشاعر فنية النص وارتباطها بالوجود عبر عوالم الألغاز أو الرموز وهكذا أيضاً يتحقق الشعر، من خلال جمالية الحرف، على أسلوب أو تمرس بأسرار اللغة والحروف والمعاني كتابة ورسماً. إن المتلقي المتأمل في مجمل أعمال الشاعر يدرك، بتلقائية، أن الحرف ما كان له أن يبلغ مستوى الشكل الجمالي لولا المغايرة والتجاوز والابتكار في طريقة استخدامه، وبالتالي ألا يشكل هذا الاستخدام للحرف نوعاً من الحرية المثلى في أعلى مراتبها خصوصاً حين تتحول الصورة الشعرية إلى صورة بصرية أو ذهنية أو تجريبية لكن دون أن تعتمد على اللغة عنصراً وحيداً أو إذا ما تحرر الشاعر المغاير أيضاً، من عبودية الكتابة الشعرية التقليدية الالتقاطات الشعرية في هذا النص الشعري أو في سواه، تستمد لذتها من جمالية الحروف أو المعاني التي تتراءى وكأنها احتفاء لغوي أو تشكيلي يدعونا ثانية إلى الاحتفاء بجماليات التلقي الشعري التي حررت النقد من أوهام الحقائق المطلقة وأطاحت بفكرة المعنى الواحد الذي هو وليد القراءات النقدية المجاملة الراعشة وكأن جبرية نقدية جديدة حلت محل جبرية نقدية قديمة في تقصي معنى الإطاحة بالنص والشاعر معاً وإماتته مقابل تنصيب النقد الممالئ ثم تنصيب النص الفاقد لمقوماته الفنية والجمالية واللغوية. لنقرأ بعض هذه الالتقاطات الموجزة من شعره: تعويذة الزلزلة: (ثمة حضارات تتثائب وأزمنة تتناثر في الفراغ) تعويذة الرميم: (رجع الصدى حوارات توقظ العبارة) (مأدبة المراثي تسرف بأستعاراتها البليغة، العويل وليمتنا، أنا المعول أبارك هذا الخراب) تعويذة الرفائيم: (اختفت الجهات الاربع وبقي رأسي بندولا يتحرك يبحث بعيداً في الظلمة) (في الغار تنسج العناكب أحزانها) هزائم (هتاف طائش): (قرري يا هزائم أنسقط كثمرة في منتهى النضج؟ بلا ثروة أو مجد أم نبقى نفاجئ الرعد كمرايا تعشق ما يشبهها؟) هتاف برنين: (هزائم تسافر في شكلي وأحوالي وتلبس الجلد والحنجرة، فلماذا لا تقول الهزائم ما نقول؟ ولماذا تكبح تهليل المجزرة؟ بالله يا هزائم لا تحرمينا هذا السرور) هتاف يلبس وجه الشمس: (هزائم تتزيا بالأشياء الفانية وتلبس أردية الجماد، تمنح جبّ الكلمات سكينة وزهرة حانية) وثمة التقاطات اخرى من الكتاب الوثني: (دع المعجزة تأتي مثل لص في ساعة لا يظنها أحد) (دع الكتاب على غير ما تمليه التلاوة: أذهب مع الخاطر/أجعل صداقتك له سماوية فهذا هو الشريك الوحيد) (كان يكفي أن يكون الشيطان محقاً في نميمته وآدم ذو طبع سجالي) (ذهب منثور هكذا أصف صورة سامع الهاتف وهو يؤول انشغالي/ذهب مسبوك هكذا أصف نسيانا يدعوني) (القيامة: يا لها من شائعة مروعة) كما يذهب الشاعر، في هذه الالتقاطات الشعرية المختارة، بعيداً في المعنى فيذكر أن النص الشعري المكتوب بطريقته التشكيلية قد أنشأ واقعاً مغايراً في بنائه اللغوي والفني وبسبب هذا الواقع المغاير في الكتابة أو التشكيل الكتابي للحرف أو الجملة الشعرية المرسومة شنت الكتابة الشعرية الحرب على المتلقي وهذا الكلام يتلمسه المتلقي أثناء النظر أو قراءة شعر ناصر مؤنس وهذا الكلام هو كلام نقدي مجرد غير مغرق (بالمديح النقدي الراعش والمجاني) بتعبير سارتر لكنه، مفتون بالشكل الجمالي للحرف داخل بنية النص وتركيبيته الفنية أو طريقته التشكيلية للنص التي لا تنحصر في صنع عوالم خيالية من معان وكلمات وإنما هي حروف ورموز وإشارات مرسومة لا تربطها سلطة ما إلا سلطة الحرف وجمال المعنى.هوامش:1 ـ أعمال ناصر مؤنس الشعرية: هزائم/دار مخطوطات/الطبعة الأولى 1996/تعاويذ للأرواح الخربة/دار مخطوطات/الطبعة الأولى 1996/الكتاب الوثني (النسخة العتيقة) دار مخطوطات/2012/عزيزي فلليني: تعال لرؤية الكرادلة، بازبند: حبر ما لا اسم له، الملك، في كراهية الكتابة، حيل ميكانيكية، التعاويذي2 ـ التكوين الفني في الخط العربي وفق أسس التصميم/المؤلف اياد الحسيني/دار الشؤون الثقافية/غروس برس/20033 بنية الايقاع في التكوينات الخطية/المؤلف جواد الزيدي/وزارة الثقافة/دمشق/ 2007qadqpt