الحوار مع مدير البحوث في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأمريكية في بيروت ناصر ياسين هَدَف إلى تسليط الضوء بشكل أساسي على أزمة اللجوء السوري إلى لبنان التي يوليها المعهد اهتماماً خاصاً، وأصبح مصدراً للأبحاث حولها، لكنه في خضم ارتفاع وتيرة الخطاب التخويفي من اللاجئين السوريين، برزت أزمة عمالة اللاجئين الفلسطينيين مع قرار وزير العمل بدء تطبيق قانون العمالة على الأجانب، ما أثار استياءً فلسطينياً شعبياً جرت محاولات لتأجيجه على خلفية أن وزير العمل كميل أبو سليمان ينتمي إلى “القوات اللبنانية” في استعارة لمشهد الصراع الكتائبي- الفلسطيني في بدايات الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات.
كان لا بدّ من التوقف عند أزمة العمالة الفلسطينية من دون أن تطغى على محور الحديث المتعلق بأزمة اللجوء السوري، التي يرى ياسين أنه يشوبها الكثير من المغالطات والتضخيم والاستغلال السياسي والتحريض العنصري ذات الأبعاد الطائفية والطبقية، وأن المطلوب مقاربة موضوعية وعلمية للموضوع، فصحيح أن حجم السوريين في لبنان بين لجوء وعمالة يصل إلى مليون و300 ألف وفق تقديرات الأمن العام، وهذا رقم كبير، لكنه ليس سبب “الكارثة” التي يعيشها لبنان. فالأزمات التي تعصف به سابقة لوجودهم، بل إن أزمة اللجوء ساهمت في تحريك الاقتصاد اللبناني من خلال الأموال التي تُضخ فيه.
لا يتخوَّف ياسين من النبرة العنصرية المرتفعة على العلاقات بين اللبنانيين والمجتمع السوري مستقبلاً، ويُعرب عن اعتقاده بأن الثورة السورية فتحت باب النقاش حول العلاقة مع سوريا من زوايا أخرى عما كان يطرح سابقاً. وهنا نص الحوار:
*قبل التطرّق إلى ملف اللجوء السوري في لبنان، ما الذي فجّر أزمة عمالة الفلسطينيين؟
**هناك خصوصية للفلسطينيين في لبنان، هم لاجئون عديمو الجنسية ولا تنطبق عليهم المعاملة بالمثل الموجودة بين كثير من الدول من حيث الإجازة بالعمل أو السماح بممارسة مهن معينة. هذا موضوع أساسي، وقد عملت عليه لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني التي أسسها الرئيس السنيورة عام 2005، ووضعت الكثير من المذكرات واقتراحات تعديل قوانين ومنها القانونان الرقم 128 و129 اللذان تعدّلا عام 2010، وأعفيا الفلسطينيين من شروط المعاملة بالمثل، ومن رسم إجازة العمل الصادرة عن وزارة العمل، ولكن في الواقع لم يتم تفعيل هذين القانونين بمراسيم تنظيمية. تطبيق هذا القانون، يعني أن أي عامل فلسطيني بإمكانه الحصول على إجازة عمل، وهذا حق. كل العمال يجب أن يشملهم قانون العمل لأن ذلك يؤمّن أيضاً الحماية لهم من الاستغلال من قبل أرباب العمل، ومن الشركات والمؤسسات.
*أين المشكلة، ولماذا تدحرجت الأمور ككرة الثلج؟
** هناك عدة قضايا تتعلق بهذا الموضوع. أولاً، الشق القانوني لم يُفعّل. ثانياً هناك شق إداري مرتبط بأن يكون العمال الفلسطينيون الذين يطلبون إجازة عمل مسجّلين، وأن تكون مؤسساتهم مسجّلة، وهنا المشكلة كبيرة لأن أكثر من نصف الاقتصاد في لبنان غير منظّم، وفي غالب الأحيان يكون الاتفاق شفهياً بينهم وبين رب العمل. وتنظيم هذه المؤسسات مسألة شائكة، لأنها تحتاج إلى أوراق قانونية.
*هل هناك تسرّع أو تضخيم لهذه الأزمة، أم أننا أمام مزايدات سياسية بين القيادات المسيحية، بمعنى أن طرفاً يخوض معركة ضد السوريين والآخر ضد الفلسطينيين؟
**الأكيد، أنه ليس بالإمكان تطبيق القانون إذا كانت العدالة غائبة عن الفلسطينيين من ناحية منعهم من العمل بسبعين مهنة، ومنعهم من التملك والبناء، ناهيك عن الحصار المفروض عليهم، يعني غياب حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية بشكل كامل. هناك خطاب شعبوي قوي في البلد، يخلق دينامية عمل سياسية عند بعض الفرقاء، وخاصة الأحزاب المسيحية التي تكون ردّة فعلها، في بعض الأحيان، غير منطقية عند التنفيذ. قانون العمل يجب أن ينطبق على الجميع، ومن الضروري تنفيذه لناحية حماية حقوق العمال، ولكن يجب أن نعرف كل هذه الشوائب الإدارية والقانونية والاقتصادية، وما يرتبط بغياب العدالة عن الفلسطينيين قبل المباشرة بتنفيذه بهذه الطريقة. نحتاج إلى تحضير طويل قبل أن نبدأ بتطبيق هذا القانون.
برأيي أن هذا الحراك الفلسطيني محق، ولكن ليس من المستبعد أن يتم استغلاله لخدمة ما يجري في الواقع السياسي الإقليمي، لأنه تبيَّن في بعض الأماكن أن حراكهم منظّم، ويتناغم مع مصالح بعض الفرقاء مثل “حزب الله” وغيره.
*مركز البحوث في المعهد يولي ملف اللجوء السوري إلى لبنان اهتماماً كبيراً، لماذا؟
** يعمل المعهد منذ إنشائه قبل نحو 10 سنوات على موضوع اللاجئين. قبل الأزمة السورية كنا نعمل على الموضوع الفلسطيني والمخيمات، وعندما حدثت الأزمة السورية، لم نعِ في أول سنتين ماذا كان يحدث، لذا انطلق عملنا فعلياً بعد عام 2015، خاصة عندما عرفنا الأرقام وحجم الموضوع، بعد الهجرة الكبيرة إلى الغرب بدأ الكلام عن أزمة هناك، فتساءلنا كيف لمليون لاجئ أن يثيروا أزمة في أوروبا، بينما نحن في لبنان استقبلنا لوحدنا أكثر من هذا الرقم؟
لقد أخذنا على عاتقنا أن نُظهر حجم الأزمة بالأرقام التي تُبيّن أن وجود اللاجئ يساهم في تحريك الاقتصاد المحلي. المساعدات الدولية التي يحصلون عليها تُصرف في لبنان وتنعكس إيجاباً على الدورة الاقتصادية. أنا لا أدّعي أن اللاجئين لا يمثلون مشكلة، لكن برأيي هي ناتجة عن سوء إدارة للملف. لقد أصدرنا عدة كتيّبات حول أزمة اللجوء السوري وأصبحنا مصدراً للأبحاث حولها.
*ما هو حجم النزوح؟
**الرقم الوحيد المتوفر المثبت لدى مفوضية اللاجئين والمسجّل عندنا يُظهر انخفاضاً إلى 940 ألفاً، ورغم هذا ما زال رقماً كبيراً.
*لكن هناك مَن هو غير مُسجّل لدى المفوضية، إضافة إلى العمال السوريين؟
** المفوضية اعتمدت مبدأ أن أي شخص سوري يقول إنه جاء من منطقة تشهد قتالاً في سوريا يُسجَّل كلاجئ. وبالتالي هناك أشخاص كانوا أساساً في لبنان وسجلوا أسماءهم، وآخرون كانوا موجودين ولم يسجلوا، وفئة ثالثة جاءت ولم تسجّل، هذه هي الفئات الثلاث. الرقم الواقعي الوحيد، هو الذي أعلنه المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم وهو بحدود مليون و300 ألف، وهذا يشمل الجميع.
التقديرات تقول إنه كان يوجد في لبنان بين 400 و600 ألف، وعندما ازدهرت حركة البناء في تسعينيات القرن الماضي ربما تكون وصلت إلى 800 ألف، لكن عندما حدثت الأزمة السورية جاء كثير منهم بعائلاتهم أو مع عائلاتهم لأنهم عملوا في لبنان سابقاً ويعرفون البلد، لذا أصبح رقم الأمن العام اللبناني واقعياً.
*هل يُعتبر رقماً كارثياً على البلد؟
**إذا تكلمنا بمنطق الكارثة، فهي بلغت ذروتها في العام 2016، فلماذا لم ينهر البلد ونحن الآن في العام 2019؟ هذا معناه أن هؤلاء يعملون ويُنتجون وهذا يدخل في الدورة الاقتصادية الداخلية للبلد، كما أن المساعدات التي تأتي عبر الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية والتي تصل إلى المليار و200 مليون دولار، تُساهم أيضاً بإبقاء الوضع تحت السيطرة، ناهيك عن المساعدات الإيجابية التي لا نعرف حجمها والتي تأتي من مؤسسات غير رسمية، كالجمعيات الإسلامية، لذلك هذه الهجمة التي حدثت مؤخراً غير مبررة.
*لماذا هذه الهجمة السياسية العالية النبرة ذات البعد العنصري رغم أن الانقسام الداخلي حول أزمة النزوح السوري ليس جديداً، ورغم أنها المرة الأولى منذ نشوء الأزمة، يتم تعيين وزير شؤون النازحين من حلفاء النظام السوري والمقربين منه القادرين على التفاهم لتأمين الظروف المناسبة لإعادتهم؟
** الخطاب الاعتراضي والتخويفي نابع من جذور سياسية، في محاولة لوضع اللوم على اللاجئين في حال فشل العهد الحالي (عهد ميشال عون)، بالرغم من أن تقريراً دولياً يقول إنه منذ التسعينيات والكهرباء تستهلك ثلث الدين العام، إذاً هذا الموضوع ليس جديداً. يقولون إن 300 مليون دولار تُصرف على النازحين السوريين، متناسين أنهم يدفعون إيجار الخيمة أو البيت أو المزرعة التي يقطنون فيها، وحتى الذين يقطنون في مخيمات بالبقاع والشمال والجنوب يدفعون إيجارات. وضعهم يختلف عن وضع مخيمات اللاجئين الفلسطينيين المعنية بها “الأونروا”. يستغلون العامل الديموغرافي وكثرة الإنجاب لدى النازحين وبأن المساعدات الدولية تهدف إلى توطينهم في لبنان لتبرير فشلهم في حال حدوثه. من هذا المنطلق أقول إن الخطاب أساسه سياسي وانتخابي. وفق إحصاءات قمنا بها عام 2016، فإن أكثر من مليون دولار يدفعها السوريون يومياً كبدل إيجارات، أكثرها مستوفى عن البيوت السكنية ولا أعرف بالتحديد بالنسبة للمحلات.
*هل التأجيج ضد النازحين السوريين نابع من “نرجسية” الوزير جبران باسيل بحيث يريد أن يظهر أنه الحامي لبيئته المسيحية؟
** هذا يخدم مشروعه السياسي، الذي في جزء منه “إعادة تدوير” لخطاب الثمانينيات أيام بشير الجميل، يومها كان “البعبع” فلسطينياً فأصبح اليوم سورياً. يحاول حجز مكان له بين منافسيه على الرئاسة من الأقطاب المسيحيين. هو يعرف أن النظام الحالي في سوريا غير مستعد لعودة هذه الأعداد الكبيرة من السوريين على كافة الأصعدة، ولا يستطيع ضبطهم.
الروس قالوا إنه في ظل اقتصاد سوري منهار وعدم وجود تمويل لإعادة الإعمار لن تحدث عودة للاجئين. الموضوع مؤجل على الأقل لسنتين حتى يقبل المجتمع الدولي التعامل مع بشار الأسد. باسيل إنسان ذكي، يحاول استخدام هذا الخطاب على الساحة الداخلية بينما يقول للموفدين الدوليين كلاماً آخر. هو يتكلّم لغتين، واحدة في الغرف المغلقة وأخرى لمخاطبة الشارع.
*والمجتمع الدولي ما موقفه؟
**يعرفون ذلك، وهم ليسوا على استعداد للتمويل. عندما ذهبنا إلى بروكسل في آذار/مارس الماضي كانت الأمور واضحة: “في المدى المنظور لا كلام عن تمويل لأي مشاريع داخل سوريا ولا انفتاح على النظام، واللاجئون سيبقون حيث هم وسنساعدهم ولن نبدأ بإعادة الإعمار”. الروس قاموا بمحاولة منذ سنة للحصول على المساعدات ولكن أحداً لم يستجب لهم، وإيران لن تموّل، هذا معناه أن الذي سيموّل هم الأمريكان والأوروبيون أو دول الخليج.
* باسيل و “حزب الله” وحلفاؤهما يتّهمون المجتمع الدولي، بالمباشر، بأنه يُعيق عودة السوريين؟
**ما يقصدونه بكلمة يُعيق أنهم يريدون تحويل المبالغ السنوية، وهي بحدود 6 مليارات دولار لصالح لبنان والأردن وتركيا والعراق، إلى الداخل السوري. أوروبا تدفع المال ليس لأنها تحبّنا، بل لمنع تدفق المهاجرين إليها، السياسة الأوروبية تريد إعادة أعداد المهاجرين إلى العام 2015، وهم ينجحون في ذلك والأرقام تنخفض حتى إلى ما قبل هذا العام.
*إلى أين يذهبون؟
** جزء يعود وجزء يُمنع من الدخول. بعد اتفاق تركيا والاتحاد الأوروبي بشأن المهاجرين انخفضت الأعداد كثيراً، كذلك أنجزوا اتفاقاً مع ليبيا، رغم مشاكلها، لإعادتهم حتى من دون احترام حقوق الإنسان. الآن يحاولون الدخول عبر المتوسط، إيطاليا تمنعهم فيحاولون عبر إسبانيا. يضعون لهم العراقيل، ولن يسمح بالدخول إلا لمن يُمنح “فيزا” بعد دراسة ملفه. تدفق اللاجئين هذا، حدث مع انهيار دول في شمال أفريقيا، ليبيا بالتحديد. لا مصلحة للأوروبيين في التعاطي مع النظام السوري. كيف سيبررون دفع الأموال لنظام قاتل لا يكترث لحقوق الإنسان؟ بينما الأسد يريد أن يقبض بالسياسة من الغرب ثمن عودة النازحين.
*والغرب لن يفك الحصار إلا إذا غيّر الأسد سلوكه أو سار بالحل السياسي.
** نحن نتكلم عن أزمة سياسية، أحياناً يتناسون أنها نتيجة حرب أهلية في سوريا بين جماعات متقاتلة. ينسون أن لحزب الله دوراً فيها، وأنها ليست نتيجة هزة أرضية. يجب أن يصدر عفو ومصالحات، كما حدث في الجبل اللبناني، هذا الموضوع لا ينتهي بسهولة، ولا يمكن تبسيطه.
*ثمّة مَن له مآخذ على تيار الرئيس سعد الحريري بأنه دخل في لعبة تضخيم الأزمة كمدخل لجلب المساعدات الدولية؟
**ليس فقط لبنان إنما الأردن وتركيا لعبا اللعبة نفسها، أي الدول التي استضافت هذا العدد الكبير من اللاجئين، ولبنان في طليعتها نسبة إلى عدد سكانه. لعبوا لعبة تضخيم الأرقام لأنه في ظل الأزمة الموجودة في أوروبا حالياً لا يقبلون المهاجرين لأسباب سياسية وليست اقتصادية، فالاقتصاد الأوروبي وضعه جيد. في مؤتمر لندن عام 2016 الذي كانت له علاقة بإيجاد فرص عمل تضخمت الأرقام استجداء للمساعدات، الأردن كان أذكى من لبنان لأن قيادته موحدة، قال إنه يعاني الكثير وضخّم الأرقام وطلب المساعدة لتحسين ظروف التصدير وتوظيف اللاجئين. لبنان حاول أن يلعب هذه اللعبة لكن لم تكن عنده استراتيجية واضحة. حتى في مؤتمر “سيدر” جرى الأمر نفسه، الصفحة الأولى من الورقة اللبنانية إلى المؤتمر أشارت إلى أزمة كبيرة بسبب اللاجئين وأن النمو الاقتصادي انخفض إلى الواحد أو الصفر في المئة، هذا حقيقة، ولكن هناك تضخيما لأن الأمر ليس له علاقة باللاجئين. الاقتصاد بدأ بالانخفاض منذ العام 2011 وبعده. في 2010 كانت نسبة النمو 7 في المئة، وهذا رقم جيد، وله علاقة بـ “الفقاعة” التي حدثت بسبب ازدهار السوق العقاري.
وصول اللاجئين بأعداد كبيرة بدأ في العام 2014 عندما اقتربت المعارك من حمص والقصير والقلمون، بينما أزمتنا قائمة منذ 2011 فما الترابط بينهما إذاً؟ نعم الوضع مرتبط بالأزمة السورية وأزمات المنطقة وليس بأزمة اللجوء حصراً. هذا ترابط خاطئ والأوروبيون يعرفون ذلك.
* ورقة النزوح تستخدم أيضاً لتطبيع العلاقة مع بشار الأسد؟
**صحيح، ليس على المستوى اللبناني فقط، إنما على المستوى الأوروبي أيضاً، ومن أجل هذا ذهب الروس إلى الأوروبيين الذي تابعوا “المبادرة الروسية” في بداية الأمر ثم تراجعوا وقالوا لهم “ستوب”. أحد الدبلوماسيين الأوروبيين قال لي: “نحن لن نبني ما هدمه غيرنا” وهو يقصد الروس. لكن السياسة قد تتغيّر.
*لننتقل إلى الآثار الاجتماعية والسيكولوجية للأزمة… هل بدأتم بدراسة الخطاب العنصري وتأثيراته؟
**حسب متابعتنا للوقائع، يؤدي هذا الخطاب إلى توترات ونظرات سلبية تجاه النازحين. تقريباً 27 في المئة من السوريين تعرّضوا لألفاظ بذيئة من قبل اللبنانيين، مقارنة مع 6 في المئة من اللبنانيين قالوا أنهم تعرضوا لألفاظ بذيئة وشتائم وتنمّر، وهذه الدراسة تتم كل 3 أشهر. المفارقة أنه لم تحدث زيادة في نسبة الجريمة كما يدّعي البعض، يقولون إن هناك آلاف السوريين في السجون، لكن أكثريتهم اعتقلوا لعدم حيازتهم أوراقاً ثبوتية صالحة، نحن لا ننكر أن بينهم من يقوم بإشكالات، ولكن نسبتهم توازي نسبة المساجين اللبنانيين إذا أخذنا بالاعتبار عدد السكان، ونسبة الجرائم الكبيرة التي قام بها السوريون لا تتعدى 0.5 في المئة من أساس المسجونين السوريين، بل إن نسبة الجرائم المرتكبة بحق السوريين من قبل اللبنانيين أكبر مما لو قاربناها بشكل معاكس.
جزء من هذه التوترات جاء نتيجة الخطاب الذي قيل للناس بأن السوريين أخذوا منهم فرص العمل وسوف يسيطرون على البلد… حتى مصلحة مياه الليطاني ضخمت الموضوع، فأعداد السوريين الذين يعيشون على ضفاف النهر نسبتهم ضئيلة جداً. أنا من البقاع الغربي وأعرف أن الليطاني ملوث منذ العام 1990، لأن مجارير مصانع زحلة والبقاع الأوسط تُضخ فيه. دائماً أسأل المواطنين لماذا تريدون رحيل السوريين؟ فلا أحصل على جواب مُقنع، لأن النظرة السلبية بُنيت على أفكار خاطئة. برأيي أنه عندنا كلبنانيين نظرة فوقية مع طبقية. إحدى الإعلاميات قالت لي: “أنا إذا دخلت إلى متجر ووجدت سوريين أخرج منه!”. هذا كان يحصل في أربعينيات القرن الماضي في أمريكا زمن الفصل العنصري. اليوم في 2019 هناك ناس يتكلمون بهذه اللغة على الملأ!
* إذاً الإشكالية عنصرية طبقية؟
**عنصرية، طبقية، طائفية، الثلاثة اجتمعوا وأنتجوا هذه “التوليفة” التي نراها اليوم. لقد ظهرت في مرسوم التجنيس، الذين تجنّسوا منذ فترة هم رجال أعمال ومعهم المال فأعطوهم الجنسية. النظرة جزء منها عنصري طبقي وجزء طائفي، لأنه عند كل الطوائف وحتى عند السنّة توجد هذه النظرة بالنسبة للسوريين.
* هذه النظرة للسوريين موجودة منذ زمن بعيد؟
**السوريون الذين كانوا يعملون في لبنان سابقاً، كانوا جزءاً منّا، ولكن لم نكن نراهم. بمعنى أنهم يشتغلون من الثامنة لغاية الرابعة ثم يذهبون ولا أحد يعرف إلى أين، ولم تكن عندنا الحشرية حتى نعرف ماذا يفعلون، يسكنون عدة أفراد في غرفة واحدة ويأكلون معلبات ويرسلون المال لأهلهم، كنا نراهم عندما نريدهم ومن ثم يذهبون. هذا جزء من ثقافتنا أننا أقمنا حداً بيننا وبينهم، ولكن عندما حدثت الأزمة وأحضروا عائلاتهم ومنهم من هو متزوج من أكثر من واحدة، أصبحنا نشاهد زوجته بلباسها التقليدي برفقة عدد من الأولاد، هذا خلق نظرة عنصرية عند الناس.
يمكن ملاحظة هذه الأمور بشكل أكبر في المناطق ذات الغالبية المسيحية، ولو أن النظرة السلبية هي عند الجميع بشكل عام. في المناطق البقاعية والشمالية التي فيها نفس الخلفية الدينية وحتى الاجتماعية، النظرة تنافسية، أكثر مما هي ثقافية، بينما في المناطق المدينية النظرة اجتماعية أكثر.
*ليس كل اللبنانيين يظهرون هذه الحالة العنصرية، جزء كبير تماهى بعد الثورة السورية مع الشعب السوري وتصالح معه نتيجة الشعور بالمساواة من ظلم النظام. برأيك ما مدى تأثير الخطاب العنصري على العلاقة مع السوريين بعد انتهاء أزمتهم؟
** أنا لا اتخوف كثيراً من تأثيراتها في المستقبل، ولا أظن أنها ستنعكس سلباً على العلاقة مع المجتمع السوري عموماً. هناك بعض التعليقات السلبية على مواقع التواصل الاجتماعي على طريقة “بكرا منفرجيكم” هذه ردة فعل آنية. هناك لبنانيون يتصدّون للحملات العنصرية وهم على تواصل دائم مع السوريين، وهناك الكثير من السوريين يقدّرون استضافة المجتمعات المضيفة للاجئين.
باعتقادي الثورة السورية هي الوحيدة التي فتحت المجال للبناني لأن يقول: ما هي علاقتي بسوريا؟ هل هناك كاتب لبناني أو مجموعة لبنانية فتحت باب النقاش حول علاقتنا مع سوريا إلا بعد 2005 من زوايا مختلفة عما كان يطرح من قبل؟
*هل تساعدون الدولة في تنظيم العلاقة، مثلا التنسيق مع وزارة العمل لوضع ضوابط تحمي العمالة اللبنانية؟
**منذ سنوات ونحن نقول إن من حق الدولة اللبنانية أن تنظّم القطاعات التي تريدها، هذا حق سيادي، لكن أكثر من 52 في المئة من العاملين، ومن ضمنهم لبنانيون، يعملون في قطاع غير منظّم. هذا القطاع يظلم العامل، ولكنه أحياناً يُريح الاقتصاد من كلفة العمالة خاصة عندما يكون النشاط الاقتصادي في حالة انكماش، لهذا ننتقد إقفال المحلات. الصناعيون يطالبون بعمالة رخيصة، والنظريات الاقتصادية تقول بتوفير يد عاملة رخيصة حتى يكبر حجم الاقتصاد بعد فترة، لكن المشكلة ان الاقتصاد اللبناني في حالة انكماش ولا توجد استثمارات. على فكرة الأموال التي تأتي كمساعدات للنازحين هي أكثر من مرّة ونصف المرة من الاستثمار الخارجي في البلد.
55 في المئة من المؤسسات التجارية في لبنان من الحجم الوسط أو الصغير، يعني عدد موظفيها لا يتجاوز الـ5، فإذا سارت الأمور على هذا المنوال معناه أنها ستُقفل، ما أعنيه أن هذه السياسة أو الإجراءات المتّبعة لن تزيد من توظيف اللبنانيين.
*والحل في رأيك؟
**قلنا لوزارة العمل، أن عليها القيام بشيء اسمه “النظام الخفيف”، كما يفعل الأردن، بمعنى أن العامل الذي لديه إقامة صالحة، يُعطيه رب عمله إفادة موقّعة من المختار، تُجدّد كل 6 أشهر مقابل رسوم رمزية، مع تحديد حاجة كل قطاع، وتحييد بعض القطاعات المحصورة باللبنانيين كالبنوك مثلاً. هناك حلول كثيرة بين السماح بالانفلاش والمنع المطلق، والحكومة اللبنانية لا تضع استراتيجيات منطقية لمعالجة هذا الموضوع.
*نتيجة تقصير أم انقسام سياسي؟
**الاثنان معاً، وجزء آخر ناتج عن غياب الكفاءة في الإدارة اللبنانية. عندما تأتي منظمات دولية لمساعدتنا، يتجاوبون معها في البداية ولكن في النهاية يمتنعون نتيجة التدخلات السياسية، هذه هي السياسة الضاغطة.