طنجة – من مصعب السوسي: نظم طلبة مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة لقاء أدبيا وفكريا يوم 27 شباط/فبراير تحت عنوان: ‘حوار مفتوح مع أحمد بوزفور’ حول تجربته الإبداعية وعلاقته بالترجمة، حيث استضافت المؤسسة الكاتب الذي يعد من أبرز رواد القصة القصيرة الحديثة في’المغرب.
بعد الكلمة الترحيبية لنائب مدير مدرسة الملك فهد العليا للترجمة الدكتور الطيب بوتبوقالت، قام الناقد والإعلامي الدكتور عبد العزيز جدير بتقديم بوزفور، حيث زف للطلبة وللحضور خبر صدور المجموعة القصصية السادسة للكاتب في ذات اليوم بعنوان ‘نافذة على الداخل’. بعد ذلك تناول الضيف الكلمة ليتحف الحضور بقراءة شاعرية لثلاث لوحات من هذه المجموعة تحت عنوان: ‘تعب’ والتي تحكي عن حبيبة قديمة في الذاكرة، حاضرة بعينيها الخضراوين. تُكتب لها رسائل الحب فلا تجيب، وحين تقرأها يتورد وجهها بحمرة الخجل. ولما تكلمت قالت: ‘..دعني وشأني…’ لتتوالى أسئلة تستفز القارئ وتدفعه بقوة نحو ما وراء النص القصصي. وفي نهاية المقطع كاد حب صاحبة الأعين الخضراء أن يقدم صاحبه إلى هوة تنزل به من الجنة ‘..كما نزل آدم…’ لذا ‘عق قلبه…’ بعد أوان لكي ينجو فلا يبرح أن يسأل مجددا عن المعنى.
بعد قراءة بعض مقاطع القصة قدم بوزفور ورقة عن تجربته مع الترجمة، مبينا للطلبة أن أداة الترجمة من لغة لأخرى هي الثقافة التي تكسي النص قيمته الإبداعية والفكرية. بينما تشكل التجربة الإنسانية، التي كلما كانت قاسية ازدادت الكتابة جمالية، مفتاح فهم حين تكون اللغة واحدة والهدف: الترجمة الداخلية/التأويل. مقدما نماذج لكبرى الأعمال الأدبية ليبرز نسبية فهمها للنص الأصلي، الأمر الذي ينعكس على المتلقي المحكوم سلفا بأنماط ثقافية دقيقة ومحددة، كما كان الحال على سبيل المثال في الترجمة العربية للتراث الفكري الإغريقي. إلا أن ‘سوء الفهم’ هذا- كما وصفه بوزفور- والذي يأتي بعد بذل الجهد واستفراغ الوُسع، هو ما يضمن الرقي الفكري الإنساني. وإلا ماذا تستفيد حضارة من أخرى إن هي نسختها طبق الأصل؟ ما دامت الترجمة تمر عبر قناة الثقافة كما أشار الكاتب. لذا أوصى الطلبة الباحثين بالاستزادة من المعارف قدر الإمكان، فبدون خلفية معرفية وازنة تصبح الترجمة فارغة إن لم تكن مستحيلة.
أتم بوزفور ورقته ليفسح المجال أمام طلبة الترجمة بالمؤسسة وكذا طلبة باحثين ينتمون إلى مؤسسات أخرى قدموا خصيصا لحضور هذه التظاهرة الثقافية، إضافة إلى أساتذة في الترجمة واللسانيات لإغناء النقاش الذي تناول في معظمه إشكالات الترجمة الأدبية واختلاف الآراء والمدارس في ذلك، حيث تمت الإشارة إلى نظرية النظم المتعددة لإيتمار إيفن زوهار. ومجموعة ‘تالاكسكالا’ ومؤسسها مانويل طالنس، وكذا فلسفة طه عبد الرحمان في الترجمة.
وفي معرض النقاش عن الترجمة والتأويل أشار بوزفور إلى أن السياق التاريخي الذي تتم فيه الترجمة يؤثر فيها، بل ويوجهها في بعض الأحيان. وقدم مثالين لذلك أولهما: ترجمة الكتاب المقدس- العهد القديم والعهد الجديد- حيث تتسم الترجمات التي أنجزت في القرن التاسع عشر بجودة لغوية عالية، عكس الترجمات التي أنجزت حديثا بلغة ركيكة. بينما المثال الثاني كان عن ترجمة أشعار بابلو نيرودا الشعرية، وهنا كانت المقارنة معكوسة، حيث الترجمات القديمة مثقلة بالإيديولوجية الاشتراكية التي كان حضورها قويا في الساحة الدولية في ستينيات القرن الماضي، مما جعلها ترجمات ‘دعوية’. أما اليوم، فترجمات أعمال الشاعر التشيلي الشيوعي أقرب إلى الجمالية منها إلى الخطاب الإيديولوجي. كما أثنى بوزفور على أعمال المؤلف والناقد الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا الأدبية والترجمية.
اختتم اللقاء بشكر الكاتب أحمد بوزفور على تلبية الدعوة، ليقوم بعدها الأخير بإجراء حوارات مع وسائل الإعلام الوطنية والأجنبية التي غطت الحدث.