هذه مقالات في النقد؛ نقد الشعر تحديدا، كتبها الناقد اللبناني المعروف مارون عبود 1886- 1962 في عقد الثلاثين من القرن العشرين، ونشرها في كتاب عنوانه «على المحك» تناول فيه بجرأة ونزاهة ونظافة قلم وجنان، عددا من المجاميع الشعرية، فضلا عن قصائد لشعراء تلك الأيام، منهم من عرفته مجاني الأدب، ومنهم من طوت الأيام ذكره، ومنهم من كانت له سطوة وحظوة، مثل عباس محمود العقاد، الذي عرف بلسانه الشديد وقلمه الباطش، حتى كان بعضهم يتهيب خوض نقاش معه، والدخول في معارك قلمية ضده، ومن هؤلاء طه حسين، فضلا عن الأديب الناقد سيد قطب قبل أن يغير بوصلته، الذي على الرغم من تناوله شعره بالنقد المجامل، إلا إن هذه المجاملة، ما أرضت غرور العقاد وتنفجه، الأمر الذي أدى بسيد قطب، إلى أن يخفف من نقده المجامل هذا، وتحول إلى مداح وطبّال كي يرضي غرور عقاده.
العقاد وقطب
لم يرض العقادَ حديثُ سيد قطب عن مجموعته الشعرية «هدية الكروان» لأنه وصف شعره بخضوعه لـ(قسوة القالب) وعنى سيد قطب بذلك، أن يحتجب الشعور الطليق في ثوب أضيق وأقسى مما يلائم هذا الشعور الطليق، أي أن العقاد ما أفصح عن شاعريته وأطلق لها العنان المجنح، على الرغم من امتلاكه هذه الشاعرية الثرة، كل هذا المديح ما أرضى تعالي العقاد وأنفته، بل غضب عليه وكال له التهم الجافية، يوم ذهب سيد قطب كي يقف على رأي العقاد في ما كتب عنه، فأعلن سخطه وتبرمه، رافضا جمع قطب بينه وبين أحمد زكي أبو شادي في مقاله ذاك، عادا أن ما ورد في مقال قطب المجامل، سببه عدم فهم قطب شعرَه، وإن عليه أن يرتفع إلى مستواه، وليس على العقاد أن يهبط كي يفهمه سيد قطب!
ورد هذا الرأي المتعالي المتكبر الأجوف، مع أن قطب وصف شعر العقاد في مجموعته النظمية «هدية الكروان» إنها في منتهى النضج الفني. لكن القلم النظيف الذي امتشقه مارون عبود، وضع النقاط على الحروف وهو يدرس ويفلي المجموعات الشعرية الثلاث للعقاد «وحي الأربعين» و«هدية الكروان» و«عابر سرير» متفحصا هذه المجاميع النظمية وليست الشعرية، ففيها من الشعر القليل، لأن العقاد لم يخلق لهذا الأمر، بل خلق للبحث والكتابة، وإنه يفتقد الخيال، بله الخيال المجنح، فتأتي أشعاره باردة صخرية لا ماء فيها ولا رواء، ولعل قراءاته المتشعبة، أتت على شاعريته الناضبة أصلا.
ما تهيب مارون عبود، الناقد الذي لا يخشى في الحق، أو ما يراه حقا، وأراه أنه على حق، لا يخشى لومة لائم، حتى لو كان هذا الُملام عباس محمود العقاد. فالعقاد على رأي مارون عبود نظّام وليس شاعرا، حتى أنه في مواضع عديدة يصف شعره بـ(النظم) ويقوم الشعر على الحق والجمال، وصاحبنا إن عرف الحق، فشعره بريء من الجمال، يعلم العقاد إن المفاجآت من عناصر الشعر الجوهرية، فيحاول خلقها فتأتي صوره رخوة. كل ألفاظه حقيقية لا تتسع لأخيلة الشعراء، فالشعر عنده انطباق أضلاع وزوايا. إن شعره حكي لا أكثر ولا أقل، وأغراضه تخرج من شق قلمه هزيلة. إن طابع العقاد منطقي وجدلي لا يعرف الألوان والظلال، وهو يؤمن بالمران، فليتمرن لعله يُفلِح، ولكن لن يخلق التمرين جبارا، والغريب أن يحلم واحد كهذا بشاعرية عالمية. إنه ينظم بعقله، والعقل لا يعمل الشعر الخالد. كما أن مارون عبود يقارن بين شعر العقاد، وشعر رصفائه ومجايليه: إبراهيم ناجي وأحمد زكي أبو شادي وعلي محمود طه المهندس وحسن كامل الصيرفي ومحمود الخفيف وبشر فارس وحتى الدكتور زكي مبارك، وكل من يقول شعرا في مصر، فكل هؤلاء خير منه، فهو سكّيت الحلبة ودواوينه كأنابيب اللقاح تصلح لوقت محدد.
تناول مارون عبود في أحاديثه النقدية التي ضمها كتابه «على المحك» وبيدي طبعته الخامسة الصادرة سنة 1979 عن دار الثقافة ودار مارون عبود في بيروت، واحتوى على نظرات وآراء في الشعر والشعراء، إن من هؤلاء الشعراء الذين تحدث عنهم من عرفته مجاني الأدب ومضاميره وحلباته؛ معروف بن عبد الغني الرصافي، وجميل صدقي الزهاوي، وعلي الجارم، وخليل مطران، وشفيق المعلوف وبشارة الخوري؛ الذي لقب بالأخطل الصغير، ومنهم من طوى ذكره الدهر؛ حليم دموس وميشال زكور وشبلي الملاط وعمر يحيى وموسى نمور وحبيب ثابت. على الرغم من تطور أساليب النقد، ودخول مدارس النقد الحديثة لحلبات النقد الأدبي، أو النقد الثقافي، وعلى الرغم من تجاوز الزمن والحياة، للكثير من الآراء النقدية لمارون عبود، وهذا من طبيعة الحياة والأشياء، فكل شيء سيبلى، يبلوه الزمان، وكل جديد وحديث سيمسي قديما وعتيقا، أخلقه كر الجديدين؛ الليل والنهار، نعم تجاوز الزمن بعض هذه الآراء، ولا سيما في كتابه هذا «على المحك» الذي يكاد يمثل بواكير كتاباته النقدية، مع أني قرأت في مقابلة صحافية مع حفيده وليد نديم مارون عبود أجرتها معه مجلة «كل العرب» الأسبوعية ونشرتها في عددها 183 الصادر يوم الأربعاء 26 شباط/فبراير 1986 قوله إن جده بدأ الكتابة بانتظام منذ سنة 1906 وظل يكتب إلى أواخر أيامه، وبداية كتاباته نشرها في صحف «الروضة» التي كان رئيسا لتحريرها و«النصير» و«الحكمة» مؤرخا للمرحلة الأولى من كتابات جده، أثناء السنوات 1906 وحتى 1934، وظلت مجهولة تماماً لأنه لم ينشرها في كتاب، وإنه يعمل على جمع هذه المقالات ونشرها، والمرحلة الثانية تبدأ منذ سنة 1934 وحتى وفاته في الثالث من حزيران/ يونيو 1962.
تطور الكتابة النقدية
إذن فهذه المقالات ـ كما قلت آنفا ـ تمثل البواكير الأولى لكتابات مارون عبود النقدية، إذ تقرأ مقالا نشره في تشرين الثاني/ نوفمبر 1934 وآخرها يعود إلى فبراير 1939 الذي درس فيه نظم العقاد، أقول على الرغم من تطور الكتابة النقدية، فإن فضل هذه الكتابات، فضلا عن كتاب «الديوان في الأدب والنقد» الصادر سنة 1921 الذي احتوى على مقالات العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني في نقد، لا بل تجريح أحمد شوقي ومصطفى لطفي المنفلوطي وعبد الرحمن شكري وتبكيتهم، وكانت كتابات المازني القاسية والسادية، تجاه أستاذه عبد الرحمن شكري، سببا في موت الرجل الحساس هذا، أو عجلت بموته أواخر سنة 1958؛ هذه المحاولات النقدية المبكرة، إضافة إلى الكتابات الأولى للناقد المصري محمد مندور، وكتاب «الغربال» لميخائيل نعيمة، وأستطيع أن أضيف كتاب «مقالات» لعلي جواد الطاهر، هذه الكتب وغيرها تدرس وتقرأ لتلمس ومعرفة تطور حركة النقد في وطننا العربي، وحركة الحياة الثقافية، كذلك الوقوف عند نقطة حساسة، أؤكدها دائما، هي رحابة صدر الناس وقتذاك؛ صدر الأدباء في تقبل النقد، مهما كان جافيا وقاسيا، أو في عدم مقابلة النقد، بما هو أشد نكالا وقسوة قد تصل إلى ما لا تحمد عقباه. كان القلم في مواجهة القلم، لا القلم في مواجهة… مع أن عبد الرحمن بدوي، قابل كتابات العقاد يوما، بأن أرسل عددا من الشقاة أوسعوه ضربا وصفعا فسكت العقاد.
كاتب عراقي