نايف حواتمة: هذا ليس وقت المحاسبة وانما وقت صنع السلام الشامل والعادل اتفاق مكة أعد الارض لجهنم الحرب الأهلية.. وكل ما ارغب فيه الآن هو انهاء حياتي في رام الله

حجم الخط
0

اكد في مقابلة نادرة مع صحيفة اسرائيلية انه راض عن حقيقة انه قد تحول منذ زمن الي رمز

نايف حواتمة يقوم باختيار كلماته بحرص وتأنّي. المهم بالنسبة اليه أن لا تؤدي هذه المقابلة الي تدمير خطته. بعد 33 عاما من تحوله في اسرائيل الي الرمز الارهابي الأكثر مقتا، وفي نظر الفلسطينيين الي بطل محبوب، كل ما يرغب فيه حواتمة الآن هو انهاء حياته في رام الله. هذا ما يقوله علي الأقل في مقابلة نادرة مع صحيفة اسرائيلية. أن يعيش في السلطة الفلسطينية وأن يدفع باتجاه السلام.

من الواضح له أن ذلك لن يمر بسهولة، ولكنه راض عن حقيقة انه قد تحول منذ زمن الي رمز، وبالنسبة له ليس الانتقال وحده من دمشق الي الضفة هو المعلق الآن في الهواء، وانما مستقبل السلام كله. السؤال هو هل يرغب المجتمع الاسرائيلي في السلام مع الشعب الفلسطيني بكل مكوناته أم أنه يفضل المراوحة في المكان في المسار الذي بدأ مع اتفاقات اوسلو؟. هل أنت قادر علي فهم المعارضة الهائلة لدخولك؟ مئات القادة الفلسطينيين بدءا من ياسر عرفات عادوا الي وطنهم، رغم أن الكثيرين منهم شاركوا في عمليات ضد الاحتلال. حكومات اسرائيل فتحت المعابر أمام المئات من هؤلاء الاشخاص الذين عملوا بكافة الوسائل من اجل حقوق الشعب الفلسطيني. بالاضافة الي ذلك، أنا أقول بوضوح: وما الذي فعلته قوات الاحتلال منذ عام 1967؟ نحن ما زلنا حتي اليوم شهودا علي العمليات العسكرية والقتل والاغتيالات الممركزة.

من دون شروطنايف حواتمة كسب سمعته في الخامس عشر من أيار (مايو) 1974، وقد اشتراها بالكثير من الدم. اعضاء خلية من تنظيمه، الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، قاموا بقتل 22 تلميذا من تلاميذ مدرسة معالوت في صفد، بالاضافة الي طفل في الرابعة مع والديه. المخربون أخذوا 115 تلميذا ومعلما كرهائن قبل أن يذبحوهم. عملية تخليص الرهائن التي قامت بها وحدة هيئة الاركان الخاصة اصطدمت بالعقبات والاخلالات فسقط الي جانب القتلي في تلك العملية التي عُرفت باسم نكبة معالوت، 68 جريحا لتتحول الي أحد الأحداث الصادمة نفسيا في تاريخ الدولة.

لا أحد يذكر أن حواتمة، كان القائد الفلسطيني الاول الذي دعا قبل العملية بأقل من شهرين الي حل الدولتين لشعبين. تصريحاته نشرت في صحف هامة في أرجاء العالم بما في ذلك في يديعوت احرونوت. اليوم ايضا ما زال حواتمة يعتقد بأن هذا هو الحل الصحيح القابل للتطبيق. هذا ليس وقت محاسبة بعضنا البعض والتساؤل من الذي قتل من، وانما وقت صنع السلام الشامل والعادل. كيف تري اليوم ما حدث في معالوت؟ ليس عليك أن توجه هذا السؤال إلي، وانما للذراع العسكرية للجبهة. ما حدث هناك لم يُخطط مسبقا. الفدائيون تصرفوا من تلقاء أنفسهم وظهرت في الموقع ظروف أدت الي ما حدث. هل كانت هذه العملية خطأ حسب وجهة نظرك الآن؟ حواتمة يرفض التعبير عن ندمه. أنا لا أرغب في التطرق الي هذه القضية أكثر. في ذلك العام كنت القائد الفلسطيني الاول الذي دعا لحل الدولتين لشعبين. كنت أول من قال بأن يدنا ممدودة للسلام، ودعوت الي تحويل السيوف الي مناجل، وقلت كفي لسفك الدماء. ورويدا رويدا اتضح بأن نبوءتي كانت صحيحة. البرهان علي ذلك أن حكومة رابين قامت بعد ذلك بعشرين عاما في الشروع بالتفاوض مع م.

ت.

ف ووقعت علي الاتفاقات معها وحتي إن كانت جزئية جدا. حذّرت في عام 1994 من أن اتفاقا جزئيا لن يقود الي السلام وانما الي طريق مسدود مثلما حدث بالفعل. أُنظر الي ما حدث بعد ذلك: في عام 2002 تبنت القمة العربية في بيروت مبادرة السلام العربية، ولكن خلال أقل من 24 ساعة رد عليها شارون بحرب السور الواقي التي أُعيد خلالها احتلال مناطق (أ) و(ب) في الضفة، وما زالت علي هذه الحال. قمة الرياض قبل شهرين تبنت المبادرة مرة اخري، ولكن حكومة اسرائيل لم ترد بالايجاب في هذه المرة ايضا. حكومتكم تريد قلب الاقتراح والبدء في تطبيق البند 7 الذي يتعلق بالتطبيع مع الدول العربية. بهذه الطريقة ستبقي كل عناصر الصراع معلقة في الهواء وعلي رأسها البند الاول الداعي الي انسحاب اسرائيل حتي خطوط الرابع من حزيران (يونيو) 1967، وكذلك حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره واقامة الدولة الفلسطينية. أبو مازن طالب بالسماح لك بالدخول الي اراضي السلطة، أنت تؤيد حل السلام فلماذا ما زلت في دمشق؟ حكومة اولمرت بسبب معارضة اليمين المتطرف تضع جدار برلين أمام حقي في العودة الي الوطن، ولكن الجهود الدولية الساعية الي ترتيب دخولي ما زالت متواصلة. في اسرائيل يقولون بأنهم وافقوا علي مجيئك للزيارة إلا أنك رفضت مثلما حدث في عام 1999 عندما سمح لك ايهود باراك بالمجيء الي المناطق. متان فلنائي، نائب وزير الدفاع، وحده هو الذي تحدث عن زيارة لاسبوعين فقط، ولكنني أصررت علي أن تكون عودتي دائمة. حكاية 1999 هي في الحصيلة مجرد خدعة اعلامية. باراك تراجع عنها ولم يوافق علي قدومي. ربما أدت معارضة قدومك في اوساط الفلسطينيين الكثيرين الي خوفك. هذا ايضا ادعاء اسرائيلي لا أساس له. جري الحديث عن قدومك للمشاركة في جلسة المجلس المركزي لـ م.

ت.

ف ودعم أبو مازن. رفضت قبول أية شروط من أي نوع علي نفسي.

مكانة نايف حواتمة لا ترتكز علي قوة الجبهة الديمقراطية ـ الصغيرة ـ وانما علي كونه أحد الآباء المؤسسين لحركة التحرر الفلسطينية الي جانب عرفات وجورج حبش وعدد من الرواد. عبر السنين نشر حواتمة أكثر من 25 كتابا وعشرات المقالات وقد أكثر من التعبير عن الانتقادات ـ ضد عرفات في حينه، وحماس اليوم واسرائيل بطبيعة الحال. هو يُعتبر مُنظرا ايديولوجيا ويقول عن نفسه انه عرف دائما قراءة المستقبل قبل أقرانه، ومثلما دعا في عام 1974 لحل الدولتين لشعبين، ها هو اليوم لا يتحدث عن حق العودة وانما عن حل ملائم وعادل.

حواتمة عموما ليس فلسطينيا. هو ولد في الاردن في عام 1938 لعائلة مسيحية ارثوذكسية يونانية كبيرة ومحترمة. في سنوات الشباب انضم لحركة القوميين العرب وتحول الي أحد الأنصار المتحمسين لجمال عبد الناصر، وعندما تحول الي أمين سر للفرع الاردني لحركة القوميين العرب، حُكم عليه بالاعدام غيابيا. حواتمة هرب الي سورية ومنها الي لبنان فالعراق حيث اعتُقل وأُبعد الي مصر. في القاهرة بدأ بدراسة الطب إلا أنه توقف وعاد الي لبنان حيث زُفت البشائر له بقرار إعدام آخر ولكن في العراق في هذه المرة.

وفي اطار تطوعه للكفاح من اجل التحرر العربي، انضم حواتمة في الستينيات الي المقاتلين ضد الانتداب البريطاني في اليمن. وفي عام 1968 إثر حرب حزيران (يونيو) شكّل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مع حبش إلا أنه انشق عنه في عام 1969 مشكلا الجبهة الديمقراطية اليسارية. بعد ذلك بسنة، وبعد ايلول الاسود في الاردن، حُكم عليه بالاعدام مرة اخري، وهو يقيم في سورية في السنوات الأخيرة.

حواتمة لم يكن أبدا في فلسطين التي يكافح من اجل تحريرها، وانما زارها كطفل. كيف يشعر الانسان الموجود في المهجر منذ أكثر من خمسين عاما؟ الأمر الأكثر قسوة بالنسبة للمناضل من اجل حقوق شعبه هو حياة الشتات. هناك حاجة الي قدرة هائلة، عقليا وروحيا، لتحليل الواقع من بعيد، ولكن الجبهة الديمقراطية كانت دائما السباقة في اقتراح الحلول الواقعية. هذا هو مصدر الرضي الصغير بالنسبة لي وأنا بعيد عن الوطن. كيف يبدو المجتمع الاسرائيلي من دمشق؟ حسب رأيي يعيش المجتمع الاسرائيلي في كثير من التناقضات الداخلية. من جهة، تؤيد الاغلبية السلام علي أساس الدولتين لشعبين، والاستطلاعات ايضا تشير الي ذلك، ولكن عندما تستوضح الاستطلاعات اتجاهات التصويت تختار الاغلبية اليمين المتطرف بسبب الادعاء بأنه هو الذي يوفر الأمن. الحقائق معكوسة: اسرائيل جربت حكم اليمين طوال ثلاثين عاما ولم يتحقق السلام، واندلع المزيد من الحروب. هل يوجد من وجهة نظرك فرق بين اولمرت وشارون؟ شارون رغم انه كان أبا المستوطنات في سيناء، وفي المناطق الفلسطينية والجولان، استنتج بأنه لا يوجد حل عسكري للصراع، ونفذ فك الارتباط عن القطاع وفكك المستوطنات. تماما مثلما خطط اسحق رابين. في جواريره كانت هناك خطة لفك الارتباط عن الضفة مع انسحاب أحادي آخر، ولكن ليس لانه بحث عن درب للسلام الحقيقي، هو آمن بالحلول الجزئية. اولمرت كان وريث شارون وشريكه في هذه الخطط، ولكنه توجه الي الانتخابات مع خطة الانطواء ومن ثم تراجع عنها إثر حرب لبنان. حسب رأيي اولمرت حائر الآن بين اعادة إحياء خطة الانطواء أو الدخول في مفاوضات حول التسوية الشاملة.

حماس قد نزلت عن الشجرةحواتمة يمتلك ذاكرة هائلة للتفاصيل، والمقربون منه يعتبرونه موسوعة تاريخية للشعب الفلسطيني والصراع الاسرائيلي ـ العربي. ومع نظرته الواسعة لا يُعتبر احتلال غزة علي يد حماس نهاية الطريق. الانقلاب العسكري الذي قامت به حماس وفر لاسرائيل ذريعة بعدم التوجه نحو عملية سياسية جدية. كنا أول من انتقد اتفاق مكة الذي قامت حماس وفتح بتوزيع الكعكة بينهما من خلاله. وكما توقعنا أعد هذا الاتفاق الارض لجهنم الحرب الأهلية. ما من شك أن اسرائيل كانت الرابح الأكبر من ذلك. هل يوجد لاسرائيل ما تبحث عنه مع حماس؟ ما حدث في القطاع لا يعفي اسرائيل من واجبها باستئناف العملية السياسية. يتوجب انهاء الاحتلال واعطاء الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره، واستقلاله علي أساس حدود 1967 وحل مشكلة اللاجئين، وأنا أُجدد دعوتي من عام 1974 بتحويل السيوف الي مناجل، فقد آن الأوان لأن يدفن الأبناء آباءهم وليس العكس. من الصعب الاعتقاد بأن حماس ستنضم الي هذه الدعوة. لقد جاء في اتفاق مكة وفي كتاب تعيين حكومة الوحدة برئاسة هنية بوضوح بأنها ملتزمة بالاتفاقات المعقودة مع اسرائيل. وبذلك تكون حماس قد نزلت عن شجرتها الايديولوجية. الكثيرون يدّعون أنه لو كان عرفات حيا يُرزق لما اندلعت الحرب الأهلية، وأن حماس قد استغلت حقيقة ان عباس كان قائدا ضعيفا. ياسر عرفات سار في طريق قادة باقي الدول العربية وركز الصلاحيات في يديه وفي يد قلة صغيرة من حوله. في اغلبية الوقت نجح في السيطرة علي الحكم والمال، ولكن سيطرته ضعفت في السنوات الأخيرة. عباس هو شخصية من طراز آخر. هو أكثر ليبرالية ولا يؤمن بحكم الفرد. كما أنه يعترف بالأخطاء التي يرتكبها، علي سبيل المثال معاملته المتسامحة لحماس. هل تعتقد بالفعل بأن السلام محتمل هنا؟ المجتمع الاسرائيلي يعرف اليوم جيدا أن لا حل للصراع باستثناء السلام الشامل، وأن كل اتفاق يجب أن يكون مرتكزا علي قرارات الامم المتحدة التي لم تقبلها حكومات اسرائيل حتي اليوم. علي اسرائيل أن تقبل اليد الممدودة للسلام من جانب الأمة العربية علي أساس المبادرة العربية. ولكن المجتمع الاسرائيلي سيضطر من اجل ذلك الي حل التناقض بين رغبته في السلام وبين الاشخاص الذين يختارهم لقيادته. أنا لا أري امكانية تحقق السلام طالما كان اليمين والمستوطنون هم الذين يفرضون جدول اعمال حكومة اسرائيل اليوم ويسيطرون علي العملية السياسية. لقد آن الأوان لبناء سلام شامل وراسخ، يقول رئيس التنظيم الذي قتل أتباعه عشرات الاشخاص. لقد آن الأوان لأن يعمل الشعبان معا من اجل مستقبل الأجيال الشابة.

أجري المقابلة: أسعد تلحميكاتب في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 3/8/2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية