حفلتها في بيروت اشعرتها ان اللبنانيين والفلسطينيين شعب واحدبيروت ‘القدس العربي’ – من زهرة مرعي: كما تقدم ناي البرغوثي فناً يسبق ويفوق صغر تجربتها في الحياة ويترك مفاجأة لدى المتلقي، هي كذلك في الحوار تظهر وعياً يتخطى طفولة سنها. ربما هي تجربتها كفلسطينية تعيش تحت نير الإحتلال، وتمرست على التحدي والصمود منذ نعومة أظافرها وقررت ‘ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيا’.لناي إنطباعها المميز عن حفل بيروت وعن جمهوره ‘الكريم في التصفيق’. ولأن ناي غادرت بيروت بعد خمس ساعات من الحفل كان لنا معها هذا الحوار عبر البريد الإلكتروني. هنا التفاصيل:’ لنبدأ من حفلك في بيروت ما هي إنطباعاتك عنه؟’ كانت لحظة مميزة جداً بالنسبة لي، أن أقف على مسرح في بيروت مع موسيقيين لبنانيين رائعين، وعلى رأسهم المبدع شربل روحانا، أمام جمهور متذوق للطرب وللموسيقى بشكل عام. الغناء في بلد أنتج الرحابنة وفيروز وزياد ومارسيل خليفة وماري جبران وغيرهم هو تحدٍ كبير، دون شك. شعرت أنني قدمت أفضل ما عندي، مستفيدة من دروس العروض السابقة، وجزء هام من الفضل يعود إلى التدريبات المكثفة التي قمنا بها في بيروت قبل أيام من العرض بقيادة شربل روحانا. للحظة شعرت أني أحلق مع الموسيقيين والحضور معاً في فضاء جميل، دافئ، لا متناهي.’ هل فاجأك الجمهور في مكان ما؟’ تفاجأت من مدى إنصات الجمهور وأيضاً من مدى كرمه بالتصفيق الحار الذي دام لدقائق في بعض الأحيان. كنت متوترة للغاية قبل بدء العرض لحضور موسيقيين ونقّاد هامّين للغاية على الخشبة وبين الحضور، ولكن مع أول نوطات خرجت من حنجرتي ومع ردة الفعل المطَمْئِنة والمحتضنة من الجمهور تجاوزت توتري أسرع مما كنت أتوقع، فدخلت في عالمي الخاص لأقدم كل ما أستطيع لهذا الجمهور العظيم. إن حماس الجمهور العارم كلما ذكرت فلسطين أو القدس أو الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي كان غير متوقع … أشعرني بأننا شعب واحد في فلسطين ولبنان، نشعر بنفس الألم ونحلم بنفس الأمل.’ هل انسجم إحساسك الفني سريعاً مع الفرقة الموسيقية ومع الفنان شربل روحانا؟’ منذ لحظات التدريب الأولى مع الأستاذ شربل وزملائي الموسيقيين شعرت بكيمياء بيننا حفزتني على تجاوز ما قدمته في عروضي السابقة لـ’منيتي’. إن أكثر ما شدني للأستاذ شربل هو قدرته الجميلة على الجمع بين التألق الموسيقي والتواضع والدعم الإنساني للآخرين. لقد أعطاني ثقة عالية، مكنتني لاحقاً على خشبة المسرح من المخاطرة بالتجريب والخروج عن المألوف في أكثر من مكان ومقام.’ هل كانت لديك انطباعات مسبقة عن جمهور بيروت؟’ أهلي كانوا يصفون لي أن الشعب اللبناني بأنه يعشق الحياة والحرية. ويتذوق الموسيقى بأشكالها وأنماطها المتعددة، من طرب ومعاصر وجاز وكلاسيكي غربي وغيرها مما يتعرض له ربما أكثر من غيره من الشعوب العربية. شعرت بمسؤولية كبيرة ملقاة على أكتافي أمام هذا الجمهور، وآمل أن أكون قد وُفّقت في تحمل هذه المسؤولية الفنّية.’ تقدمين منذ حوالي السنة برنامج ‘منيتي’ وكما لاحظنا فيه اختيارات تحتاج إلى مراس كبير في الغناء. هل أنت من أختارها أم المشرف على تدريبك لهذا العمل الموسيقار الفلسطيني خالد جبران؟’ عندما تلقيت دعوة من مؤسسة المورد الثقافي في مصر لتقديم أمسية غنائية كاملة ضمن مهرجان ‘حيّ’ الذي يقام كل رمضان على مسرح الجنينة، وافقت على الفور وشعرت بفخر كبير وتحد أكبر! قمنا بالاتفاق مع الأستاذ خالد جبران لإعداد موسيقى العمل بما يتلاءم مع أسلوبي وشخصيتي في الغناء. اخترنا بعض أجمل الأغاني من الموروث العربي القديم سوياً، وأحياناً بعد جدل طويل، فأنا عادة أصرّ على أن أشعر بارتياح كامل في كل الخطوات الفنية التي أقوم بها قبل البدء بها، رغم قصر تجربتي في الغناء. أنا لا أحب أن أقلّد أحداً أو أن أعبر عن شخصية أحد غيري. أتعلّم بنهم ومثابرة من الجميع وفي النهاية أقدم ما عندي بأسلوبي وبشخصيتي. دربني خالد جبران لمدة سبعة أشهر متواصلة تحضيراً لعرض القاهرة.’ إن ترك لك الاختيار كلياً في حفل ما ماذا تضيفين أو ماذا تحذفين من برنامج منيتي؟’ في حفل أقمناه في رام الله مؤخراً ضمن مهرجان ‘وين عَ رام الله’ الذي تنظمه بلدية مدينة رام الله المحتلة، أضفنا أغنية ‘غنيلي شوي شوي’ لأم كلثوم. تفاعل الجمهور، الذي بلغ ما يقارب الألف في ساحة مفتوحة، مع الأغنية بشكل غريب … هزّني ومكنني من الارتجال بشكل غير مسبوق لي. ولكن بشكل عام، أنا جداً سعيدة باختيارنا لأغاني ‘منيتي’ لجمعها عدد من أجمل اغاني التراث الطربي العربي.’ ما هي أكثر الأغنيات قرباً من نفسك في برنامجك هذا؟’ بالتأكيد ‘كادني الهوى’، وهو دور معقّد وبالغ الجمال لحنّه الراحل محمد عثمان في نهاية القرن التاسع عشر. منذ تعلمت الغناء من والدتي قبل السادسة وأنا أحلم بأداء هذه الأغنية. حاولت عدة مرات، دون جدوى، أن أتقنها. وكنت في كل مرة أتعلم شيئاً جديداً واتحدى نفسي وأعود لأحاول من جديد، إلى أن تمكنت من أدائها بعد التدريبات الصعبة مع الأستاذ خالد.’ أن تكوني في حفل منفرد وبرنامج خاص بك بماذا أشعرك هذا؟’ أشعرني قبل كل شيء بالمسؤولية. لا أخفي أنني أفرح، بل أطير من الفرح في كل حفل غنائي لي، ولكن لا يأتي هذا الفرح إلا بعد توتر شديد وشعور بأن التحدي هذه المرة ـ وهذا يتكرر في كل مرةـ قد يكون أكبر مني ومن تواضع تجربتي في الغناء. وعندما يصل التوتر لدرجة يصعب التحكم بها أثناء التحضير للعروض ‘أفشّ غلّي’ في أهلي، فهم أقرب الناس لي وأكثرهم حبّاً لي ودعماً لمسيرتي وتفهماً لتوتري وطرقي في التعبير عنه. بعد العروض عادة يغفرون لي، وأعتذر لهم، ونمضي للأمام … سوياً.’ ماذا تشعرين عندما يقال عنك ظاهرة فنية؟’ عادة ما يغلب عليّ الخجل. أشكر كل من يدعمني ويتذوق ما أقدمه، ولكني بصراحة أشعر بعدم ارتياح من المبالغة في المديح. ولكن كلما تلقيت نقداً بناءً أشعر أنني قدّمت شيئاً ما لبلدي ولمسيرة تحرره. فأنا اخترت الموسيقى والغناء أسلوباً لا للتعبير عن مشاعري وطموحاتي فقط، بل أيضاً لمقاومة الاحتلال ورفض الذل والإصرار على الكرامة والحرية لشعبي، كل شعبي، في المخيمات، في القدس الحبيبة، في الضفة وغزة، وفي حيفا والناصرة ويافا وعكا والنقب.’ كيف تعملين لتطوير موهبتك في الغناء؟’ حتى الآن لم أتلق دروساً في الغناء من أيّ كان. مع الأستاذ خالد جبران دامت سبعة أشهر وركّزت بالكامل على فهم المقامات وطرق الأداء والارتجال، ولكن ليس على تطوير تقنية الغناء والتنفس واستخدام الميكروفون وغيرها من العناصر الضرورية لتطور أي مغنية. أهلي يعملون الآن على التعاقد مع متخصص في تطوير الصوت ليعمل معي في المرحلة القادمة.’ هل تبحثين عن هوية خاصة بك في الغناء؟ ومع أي ملحن تودين التعاون؟’ لا أستطيع إلا أن أكون نفسي، أعبر عن شخصيتي الخاصة، عن مشاعري، بأسلوبي الذي يستلهم الكثير من عمالقة الطرب ومن موسيقات متعددة، أهمها الجاز والإيقاعات المخفية من أنحاء العالم. لا أحب أن أحصر نفسي في قفص غنائي مغلق، بل أن أنفتح على العالم. إن نبش موروثنا الغنائي العربي العظيم لا يعني تقديمه وكأنه في متحف، جامد لا يتجدد، بل على العكس، يعني بالضرورة تقديمه بروح معاصرة تصل إلى الجيل الجديد كذلك. بالتأكيد أتمنى وسيكون شرفاً كبيراً لي أن أتعاون مع زياد الرحباني ومارسيل خليفة وشربل روحانا. من المبكر تأكيد أي شيء الآن، ولكني سعيدة بأن هناك نقاشات أولية قد بدأت في بعض هذه الاتجاهات.’ وكيف تعملين لتطوير موهبة التأليف الموسيقي؟’ في الفترة الأخيرة، ركّزت على الغناء والعزف، على حساب التأليف الموسيقي. أحن إلى التأليف كثيراً، ففيه أعبر بصدق كامل عن نفسي وأحاسيسي وتفاعلي مع ما يدور حولي في العالم. بعض أهم مؤلفاتي التي أعتز بها معزوفة ‘قانا’ التي ألفتها في 2006 تضامناً مع شهداء مجزرة قانا في لبنان، وبالذات الأطفال، وأيضاً معزوفة ‘جنين’ التي ألفتها بعد المجزرة البشعة في مخيم جنين عام 2002، وأهديتها إلى أطفال مخيم جنين. بعد الانتهاء من المدرسة سأدرس العزف والتأليف في الجامعة، كما سأستمر في البحث عن طرق أطور بها قدراتي الغنائية وأوسع تنوع المادة الغنائية التي أقدمها.’ هل يمكنك وصف مشاعرك وأنت تغنين في حيفا؟’ مثل الجمهور اللبناني، يتمتع جمهورنا الفلسطيني في الجليل، في عكا وحيفا والناصرة، بذوق فني متميز وبحب عميق للطرب بشكل خاص. في عرض ‘منيتي’ في حيفا، غنيت أمام أهل والدتي من عكّا وأمام مئات، معظمهم من الشباب، وهذا شكّل تحديا خاصا بالنسبة لي … هل سأنجح في إقناع الشباب بأغاني طرب لم يعتادوا سماعها ولا تذوق نمطها؟ لم أتمكن من الإجابة على هذا السؤال خلال الجزء الأول من عرض حيفا، إذ غلب على الجمهور الصمت وربما التأمل وقلة التصفيق خلال الأغنية. لم أفهم إن كان ما نقدمه يعجبهم لدرجة الصمت أو يصيبهم بالملل! بعد منتصف الطريق تقريباً بدأ التصفيق يزداد بشكل كبير. وبعد العرض خلال حديثي مع عشرات من الحضور كرروا ذات العبارة تقريباً: ‘فوجئنا لدرجة الصمت.” هل لنا أن نتعرف إلى أغنية ‘عن إنسان’ ظروفها وماذا أردت منها؟’ في 2010 أقامت مؤسسة يبوس في القدس حفلاً غنائياً بسيطاً تضامناً مع عائلة الكرد في حي الشيخ جراح التي تعرض نصف منزلها لاحتلال المستوطنين. دعيت للمشاركة في الحفل، وبعد تدريب واحد، ذهبت إلى دار الكرد مع ريم بنا ووسام مراد وجواهر شوفاني، وكلهم مغنون فلسطينيون لديهم تجربة طويلة في الغناء، بعكسي. كنت قلقة، ولكن سرعان ما احتل الخوف مكان القلق عندما رأيت المستوطنين وأعلامهم واستفزازهم وسط ساحة الدار. كنت في الثالثة عشرة من عمري، ولم أتصور يوماً أن أواجه المستوطنين عن قرب هكذا. وبعد دخول منزل الكرد واللقاء مع هذه العائلة المقدسية الرائعة، الصامدة، تدفقت مشاعري وتغلبت على خوفي قليلاً … غنيت ‘زهرة المدائن’ بصوت يرجف أحياناً، وهم يبكون أمامي. اضطربت ولكن استمريت. ‘خربشت’ الكلمات بشكل فظيع، ولكن أصريت على إكمال الأغنية. بعدها غنيت ‘يما مويل الهوى’ ثم أخيراً ‘عن إنسان’، أغنية كاميليا جبران وفرقة صابرين. هناك تشكل فهمي لأهمية مساهمتي في مقاومة الاحتلال والظلم من خلال فني وصوتي، وهناك شعرت للمرة الأولى بأنني لا يمكن أن أخضع لهم أو أقبل ذلهم بعد اليوم. ‘ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيّا’ صارت تمسني شخصياً منذ تلك اللحظة الصعبة، الحزينة والمليئة بالتحدي والمقاومة.’ ماذا أخذت من والدتك صفاء طميش؟’ والدتي، صفاء طميش، تتمتع بصوت رخيم، مطرب ومميز. كانت معلمتي الأولى دون أن تعلمني. كنت أستمع إليها تغني قديم عبد الوهاب وسيد درويش وزكريا أحمد وأم كلثوم والقصبجي، فأطرب وأتعلم وأراكِم. هي من عكاّ وصوتها يهدر كالبحر ثم يصبح ناعماً كالرمل. أخذت منها حبي للطرب وللتجريب، كما أخذت منها الإصرار على عدم تقليد أحد وعلى التعلّم من الجميع مع تقديم ما عندي دائماً بشخصيتي وأسلوبي. تعلمت منها التواضع وحب الناس.