‘نبضات ذاكرة’ للدكتور احسان رؤوف البحراني: نبضات مرحلة ووطن

حجم الخط
0

د. عامر هشاملقد كنت محظوظا بحق وأنا في سنوات دراستي الطبية الجامعية في بغداد السبعينات أن أتعلم الطب وعلومه على يد أفضل أساتذته العراقيين ومنهم الأستاذ الفذ الدكتور احسان رؤوف البحراني. وخلال اجتماع الجمعية الطبية العراقية العالمية الأخير في لندن في شهر تشرين أول الماضي تفاجأت بالزميل أحمد زهير البحراني وهو يتقدم نحوي وفي يده كتاب عمه طبيب القلب المعروف في العراق الأستاذ احسان البحراني وقد كتب بخط يده أهداء لكتابه الموسوم ‘نبضات الذاكرة’ لشخصي.

والكتاب النبضات كان قد صدر في بيروت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر قبل أشهر قليلة فأضاف مؤلفه الدكتور البحراني اضافة مهمة للمكتبة الطبية والفكرية العربية، ما أحوجها اليه وخاصة في مثل هذه الفترة من تاريخ أمة عريقة ووطن كان يفاخر يوما بنظامه الصحي وبتطور علوم الطب فيه.

وقد جاء الكتاب الوثيقة التاريخية بصفحاته التي جاوزت الـ 230 صفحة على عدة محاور يستنتجها القارئ بسهولة رغم عدم تخصيصها في الكتاب نفسه والذي راجع مادته الدبلوماسي العراقي الكاتب والمؤرخ نجدة فتحي صفوت. ولعل أول هذه المحاور في الكتاب هو ما أدعوه بالمحور العلمي الطبي المهني والذي أفاض فيه الدكتور احسان البحراني تفصيلا ببدايات نهضة طبابة القلب وتشخيص أمراضه في العراق. حيث أجرى اول عملية قسطرة للقلب وشرايينه في مستشفى الشعب عام 1963 وهو نفس العام الذي التحق به مدرسا في كلية الطب بجامعة بغداد. وحول ذلك يقول المؤلف انه أجرى عملية القسطرة على مريض مصاب بضيق ولاّدي في الصّمام الرئوي للقلب حيث تم التشخيص بدقة.

وقد روى المؤلف البحراني في كتابه الممتع ‘نبضات الذاكرة’ تفاصيل انشاء أول مختبر لقسطرة وتلوين القلب وأوعيته الدموية عام 1967 وكيف تمكّن بمهارته وحنكته التفاوضية من اقناع المدير الألماني في الشركة المصّنعة لجهازالقسطرة من بيعه للجهاز وبمبلغ تفضيلي لخدمة أطفال العراق ومرضاه.

وضمن هذا المحور العلمي المهني تتطرق صفحات كتاب ‘نبضات الذاكرة’ الى موضوعة مهمة في تاريخ الطب العراقي، الا وهي موضوعة قانون التفرغ الطبي لأساتذة الكليات الطبية والزامهم بغلق عياداتهم الخاصة وذلك عام 1977. وتستنتج دون كبير عناء بعد قراءتك لما فصّل به الأستاذ البحراني حول هذا الموضوع أن مسؤول الدولة حينذاك لم يعر التفاصيل الأهمية المطلوبة وأن التطبيق العملي لم يأت بالنتائج المتوخاة. وفي نفس المحور يذكر المؤلف البحراني تفاصيل تأسيس جمعية أطباء القلب والصدر العراقية وذلك عام 1967. حيث رحّب بالفكرة حينذاك زملاؤه ومن جملتهم الأساتذة: شوكت الدهّان، يوسف النعمان، مؤيد العمري، سالم الدملوجي، فرحان باقر، بديع صبحية ومهدي مرتضى وآخرون. وقد عقدت الجمعية على مدى عمرها عدة ندوات ومؤتمرات طبية تخصصية حول أمراض القلب في العراق حتى أنها تمكنت من أصدار أول مجلة تخصصّية لها في عام 2000. ويعد المحور الشخصي الوجداني واحدا من أهم المحاور في أي كتاب مذكرات مما أولاه كتابنا هذا جلّ الاهتمام لما تعنيه الخبرة الشخصية في شؤون الحياة من معان ودروس وعبر وعظات للجيل الجديد الذي لم ينس الأستاذ البحراني أن يوجّه له النصيحة بأن يتمسك بالقيم والمباديء ويحرص على الواجب ويخلص في العمل لخير الوطن ووحدته وسيادته ورفاهيته.

وتطرّق الكتاب تفصيلا ضمن المحور الشخصي الوجداني لمسيرة حياة الأستاذ احسان البحراني وطبيعة علاقاته الشخصية مع والديه ( نشير هنا الى كتاب مذكرات رؤوف البحراني الوالد والذي كان أحد وزراء حكومة رشيد عالي الكيلاني العراقية عام 1941) ومع أولاده وبناته وزوجته بل وقل ومرضاه وحرصه على متابعة أدّق التفاصيل الحياتية للجميع من موقف الوالد والراعي المسؤول عن الرعية.

ومن الممتع حقا ان تقرأ للطبيب البحراني وهو يفصّل كتابة في أدب الرحلات عن مشاهداته في سفراته الرسمية والعائلية. وفي هذا الأطار يستطيع القارىء لنبضات الذاكرة التعّرف على صفحات غير معروفة سابقا للمسؤول العراقي في السبعينات من القرن الماضي مما يجعل الكتاب يكتسب أهمية للمؤرخين في السياسة وليس فقط للمهتمين بشؤون الطب. فقرب الطبيب الألمعي من المسؤول الأول في الدولة، أية دولة، أنما يضيف أهمية لذكرياته لا يمكن أن ينكرها المؤرخون.

وقد زوّد الكتاب بعشرات الصور الفوتوغرافية المهمة والتي جاءت توثيقا لمناسبات طبية علمية وسياسية وشخصية مهمة. ولا يفوتني في هذه العجالة من أن أذكر ما كتبه الأستاذ البحراني من قصيد (ولم أكن أعرفه شاعرا) وذلك في حب مدينته بغداد حيث نظم شعرا وهو في عمّان عام 2008 قائلا:

بغداد يا دار السلام تحيةمن معجب متطلع للقاك قد كنت دوما في الفؤاد حبيبة لا شيء يلهيني لكي أنساكان كتب المذكّرات لأساتذة الطب العراقيين وهي اليوم بالعشرات لجديرة بالدراسات التفصيلية التاريخية والعلمية وبما يلقي المزيد من الأضواء على مسيرة الوطن العراق في ماضيه، عبرة ودرسا لمستقبله، في عالم كان وسيظّل متغيّرا أبدا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية