نبوءة التحرير: ما أوسع الثورة

حجم الخط
0

فرغلييقولون لي ما أنتَ في كل بلدةٍوما تبتغي؟

ما أبتغي جَلَّ أنْ يُسْمَى.(المتنبي). أعادنا التحرير وثواره في الوقت المناسب إلى جادة الصواب. كدنا نفقد الأمل، ونرتد على الحلم الذي ولد قبل تسعة أشهر، ونغرق في رصد أخطاء الثورة والثوار وسردها، فإذا بها وبهم يسبقوننا ويستبقون الحدث بما هو أكبر من الجميع.

الذي أراه يتكون ويتشكل في خطاب الثوار لأول مرة منذ يناير، يقدم لنا ما يصلح لاستقرائه والمساهمة فيه كأجندا كانت مفقودة. صحيح أن هذه الأجندا غير مكتملة، وبها ملامح غائمة، لكن هذا بالتحديد هو محددها الأساسي، وسمتها البنيوية بامتياز. الأمر خارج نطاق التسمية، بل هو أجلُّ من أن يسمّى بحسب تعبير المتنبي.

في رؤيتي/رؤياي التي أحاول تقديمها هنا، فإن أمام المصريين وخصوصا من هم في التحرير زمن يُقاس بالسنوات لا بالأسابيع والشهور، من الصراع الذي ستكون له وجوه شتى، ومن بينها شئنا أم أبينا: العنف.

لو أن هناك شيئا واحدا يعلمنا إياه التاريخ عن الثورات، فسيكون أن العنف توأمها الملتصق، وأن الدم وقودها الحيوي. لم يمنع سقوط مئات الألوف ضحايا وقتلى في الثورة الفرنسية، ومن بينهم قادتها أنفسهم مارا ودانتون وروبسبير، لم يمنع الثورة من أن تمضي إلى نهاية الشوط. لم تمنع سنوات الحرب الأهلية في روسيا بين 1917 و1921 من استكمال المغامرة. وبحسب ماو، الذي قاد ثورة الصين على مدى يقرب من خمس عشرة سنة كاملة، فإن ‘الثورة ليست حفل عشاء، ولا مقالا يُكتب، ولا لوحة تُرسم أو تُطرّز. لا يمكن للثورة أن تكون بهذا الإتقان أو الترف أو الترفق. الثورة فعل عنف’. أمام ثوار مصر ثلاث مراحل من الصراع، لن يصلوا إلى ثانيتها دون الانتصار في الأولى، ولن يصلوا إلى مرحلتها الثالثة دون تجاوز ما سبقها. صحيح أن ظلالاً من المراحل الثلاث ستتجاور أحياناً وتتزامن، مرة بسبب الفعل وأخرى برد الفعل، لكن تصوري لكل مرحلة مرهون بالكيان الرئيسي الذي يكون خصم الثورة الأول في لحظة ما.

النزعة الأناركية الفوضوية التي تتسيد ميادين التحرير المصرية، حتى وإن لم يكتمل وعيها بالركائز الفكرية للنهج الفوضوي، فإنها واضحة في منطلقاتها وأهدافها، وفي عدائها المبدئي للمؤسسات وعلى رأسها المؤسستان العسكرية والأمنية. ربما لم نسمع خطابا من التحرير يسمي الفوضوية باسمها. ولم نسمع ذكرا لباكونين أو كوميونة باريس، ومع ذلك يظل السلوك الفوضوي مهيمنا بانتظار أن يلحق به فكره وخطابه في قريب عاجل. استهداف مؤسسات الدولة، مقولة غياب الأجندا، غياب القيادة، جمهورية التحرير، استهداف مؤسسات الدولة، ضع كل هذا في إطاره لتعرف أنك بإزاء حالة أناركية بامتياز. مرحلة الثورة الأولى والتي نحن في بداياتها، أعلنت عن هدفها إن قولا أو فعلا: تدمير هيمنة الأمن والعسكر على المجتمع، وإن لم يصل الأمر للحدود الافتراضية القصوى للأناركية أي للقول بتدمير المؤسستين، فإن الحد الأدنى لنهاية تلك المرحلة من الثورة سيكون بتدمير الهيمنة، وانسحاب الجيش والشرطة لأرضية وظائفهما الأصلية لا يتعديانها، والاعتراف بهزيمة العقيدة التي حكمت ممارساتهما طوال العقود الأخيرة. هذا، أو تتمكن المؤسستان، بتحالفهما الصريح، وبدعم من أغلبية غير ثورية مستعدة بطبيعتها لكثير من الصمت، وكثير من التواطؤ، وبعض العنف، أن تتمكنا من سحق الثوار بلا رحمة أو تردد. أحداث الأيام الأخيرة تصب في هذا الاتجاه: فقد بات واضحا أن العسكر والشرطة أصبحا في خندق واحد. لجوء المجلس العسكري إلى فكرة الاستفتاء التي سترسخ انقسامات المجتمع أكثر مما ترتق فتوقه تسير كما أوضحنا في اتجاه المواجهة. لكن ثوار التحرير فيما أظن سيتبلور داخلهم خط رافض للعملية السياسية برمتها، غير معني لا بانتخابات ولا باستفتاء يعرفون نتيجته سلفا، كما يعلمون بدون أوهام أنهم أقلية في وطنهم. من الممكن هنا أن نتوقف أمام نقطة هامة، وهي الشخوص والوجوه، الشابة وشبه الشابة، التي تطل علينا للحديث باسم الثورة، أو ترشحت للانتخابات البرلمانية، ونتساءل عن اتساق ذلك ومقولة إقصاء الذات عن العمل السياسي المؤسسي. رؤيتي أن هذا تحديدا سيرسم الفارق ويضع الحد بين (الثوريين) و(مؤيدي الثورة). سيبقى الثوري الفوضوي بلا حضور ودون وجه خارج (ميادين) التحرير في مدن مصر، ومستعدا في كل لحظة للنيل ممن يراه مشتاقا لركوب الموج حتى إن برز من بين صفوفه.

إذا تجاوزت الثورة مرحلتها الأولى هذه منتصرة، وتقهقر العسكر والشرطة إلى أدوارهم الأصلية، فستدخل الثورة من مواجهة المرّ إلى مواجهة ما هو أمرّ منه: مؤسسة الدين السياسي.

ففيما ينفض الثوار أيديهم من العملية السياسية، ستفرز هذه العملية كما هو واضح محليا وإقليميا، نظما ذات مرجعية إسلامية. وستحل المؤسسة الدينية بكل تجلياتها محل المؤسسات الأمنية والعسكرية في الهيمنة على حركة المجتمع وحراك الاقتصاد وحركية الأفكار والخيال. الفوضوية الأناركية حركة علمانية بتعريفها، ومن ثم سيكون الصدام حتميا. نحن الآن نعيش في مرحلة تأجيل هذا الصدام الديني/الدنيوي بسبب أن عداء الأناركية الأول هو مع الدولة ومؤسساتها، وطبيعة هذه الدولة ومؤسساتها المسيطرة تفرض أحيانا تحالفات مؤقتة وفرزا ذا طبيعة مختلفة بين الدينيين والعلمانيين. حين يتم الزواج المتوقع بين مؤسسة الدين ومؤسسة الحكم ستنتفي كل وجاهة لتأجيل الصدام. ومن جديد، فإن نهاية هذه المرحلة الثورية الثانية لن تكون إلا باندحار فريق أمام الآخر، بعد صراع مؤلم مضطرب ومعقد ستكون ميادين الحياة كلها ساحات له، ولا أتوقع فيه مكانا لحزب اسمه الكنبة، بل سيكون الجميع أرقاماً في معادلة الاستقطاب الحاد.

إذا نجحت الثورة الممتدة في تجاوز مرحلتها الثانية منتصرة، بمعنى انسحاب الأديان إلى مساحة الفرد وخياراته الشخصية، حينها ستدخل الثورة المصرية لحظتها الكبرى، الأكثر غموضا والتباسا: لحظة التماهي مع ثورة كونية عالمية إنسانية.

الخصم هنا لن يكون مرئيا، والبدائل لن تكون جاهزة بل رهنا بالقدرة على الخيال والإبداع. وفي اللحظة التي يكون فيها الثوري في مواجهة خصمه اللامرئي، سيكون أيضا في مواجهة ذاته. نحن لم ننس بعد مصائر جيل 68 وجيل بداية السبعينيات المصري. ولم ننس حركات الـ HIPPIES ومناهضة فيتنام، وكيف صار أبناؤها هم هم الـ YUPPIES ذوي البذلات الغالية وحقائب الجلد الفاخرة المدججين بالمال البلاستيك والكريدت كاردز! حركات الغضب التي تشهدها العواصم الكبرى هي التعبير الآني عن هذه الثورة. ربما نكتشف معاً أن الرأسمالية هي الخصم، وأن الديمقراطية المقصورة على النشاط السياسي المعزولة عن الاقتصاد والاجتماع ليست هي الحل. لكن المؤكد أن إجابات القرن العشرين وبينها الدولة الشمولية بشيوعيتها أو فاشيتها ذهبت بلا رجعة مع القرن العشرين. حين نصل إلى تلك النقطة التي تبدو الآن بعيدة قد نجد الإجابة حاضرة وقد نساهم نحن في حضورها. لكننا حينها فقط سنستحق أن نطلق على مسارنا منذ يناير 2011 مسمى ثورة. فلا ثورة في ملتي واعتقادي بدون بعد إنساني، بدون وصفة نقدمها للعالم. إن الحركة الثورية التي تسود المنطقة العربية ومصر أساسا، تفتح الباب أمام طموح كان مستحيلا، طموحِ تجاوُزِ ألفِ عام من الجمود أو المراوحة دون حسم بين ما هو إنساني وما هو فوق-إنساني، بين العقلاني والغيبي، بين السلطوي والطبيعي، وأخيرا بين ما هو استعادي وبين الخيال. هل يردد الثوار مع محمود درويش:

ما أوسع الثورةما أضيق الرحلةما أكبر الفكرةما أصغر الدولة!’ شاعر واعلامي من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية