نتألم بلا جدوي والكلمات وصلت الي نهاياتها
عناية جابرنتألم بلا جدوي والكلمات وصلت الي نهاياتهاكما يحدث غالباً حين تلين، وتترك أمر تدبير سعادتك الي الآخرين، حدث بعد ان صممت بأنني امرأة سعيدة، ان قلة من اصحابي ارادوا ان يجسوا مبلغ سعادتي فعلاً، وهو امر لم نكن قد اتفقنا عليه. دعوني الي سهرة، انا التي اسهر نادراً، ليقفوا علي مدي استعدادي لتلبيتها. تلبية دعوات السهر برأيهم، دليل علي سعادة حقة، مرنة ومكتملة. بوسعك ادعاء السعادة ـ قال لي احدهم ـ سوي ان فرصتنا للتحقق من الامر، هي مشاركتها مع احد، والا تبقي ناقصة ومشكوكاً بأمرها.ذهبت الي مكان اللقاء المحدد في رغبة الكشف عن سعادتي امام الله وامام الآخرين. زاهية معطرة ولاغية تماماً فكرة الاعتراض علي اي امر مبهج.لا مبالاة تامة. المكان مكتظ بالارواح الاليفة، والكل في احسن حالاته. من الرائع وجود مثل هذه الاماكن البيروتية للاعترافات التي تنشّط الروح، ومن الممتع ان تحتشد فيها كل هذه السعادات، في حين ان العالم في الخارج مليء بالشرور. من اين ادخل في رخاء الوقت ـ قلت في نفسي ـ ولكن ها هي السعادة سهلة اخيرا، وهي عدوي علي ما يبدو، لسعادات الآخرين. رقص، وابتسامات، وملاطفات، وتوهج.ليست الشجاعة اخيرا، ما دفعني الي الوقوف، والشروع في تعداد اسباب سعادتي للآخرين ـ كما تقتضي اللعبة، وهي احدي ألعابهم هنا، اللبنانيين السباقين الي تقليد كل شيء، حتي ذلك الذي يحدث في عيادات الطب النفسي ـ اذ كان من الواضح لي ان مجرد التفكير في النهوض من علي كرسيي، واعتلاء تلك الطاولة لالقاء خطاب قصير علي ما فعل الكثيرون حتي الان، كفيل بتبديد كل ادعاءاتي عن السعادة سوي انها رغبتي فعلا الي لعب دور المبشرة، كتعويض عن امنية قديمة في دخول سلك الرهبنة، تلك الامنية في طفولتي التي لم تنل قط، نصيبها من التحقق.قلت بصوت حسبته مبهماً غير مسموع، لكن بالحاح داخلي لا يقاوم، بعض ما كنت التقطته ممن تكلم قبلي. شيء عن الايمان بالبلد، والمستقبل، والتغلب علي الكآبة وسوي ذلك من المسائل التي تبعث علي الغثيان. أضفت بأنني احبهم جميعا هنا، وبأنني امرأة سعيدة فعلا، وممتنة اذ موجودة معهم، نقاوم معا الشعور بالاحباط ونجتاز سويا كل منغصات حياتنا اللبنانية الدرامية.صفق الحضور طويلا لجملتي الصغيرة، الجملة الصغيرة التي تلبست فجأة ضبابية مبالغاً فيها في أذني. ان اظهارا صريحا ومباشرا لحالة الحب والسعادة التي تلفنا جميعا ـ علي ما ذكرت في خطابي ـ سببت لي بعض الازعاج الفعلي.انا في الحقيقة افضل ان اكون سعيدة سرا، ومحبة سرا، وهذه الجملة الصغيرة التي قلتها في التفاؤل والتواصل والوداد وما شابه، هي جملة متكلفة علي الرغم من استحسان الجميع، ومن انهم شعروا اثرها بطاقة الحب وبالاسترخاء، وكأنني حقنتهم بجرعة مخدرة.جعلت بعد ان عدت الي كرسيي تاركة مكاني لمتكلم آخر، اردد ـ لكي اطرد ظنون قلبي ـ بان مما يستحق المحاولة ان اقول كلمة طيبة كما فعلت للتو، من باب التجريب او التمهيد لحالة اشد اعجازا، ويبلغها عادة الاتقياء.مذهل كم يمكن لاعلان بسيط عن الفرح، ان يترك من اثر. ما من اهمية للكلمات التي قيلت، ولا تعدو ان تكون لطيفة وبسيطة وارخت متعة الاصغاء اليها. سوي ان اعماقي ظلت شاحبة. المزاج الحسن يتطلب اكثر من الكلام الحسن. ثمة نافذة يستلزم فتحها لنطل علي العالم.الكل سكت الآن. الكلام، الموسيقي، الرقص. تعبوا وانصرفوا الي التحديق في العتمة. وجهي منكس نهائيا الي الطاولة، ويتألم بلا جدوي، الكلمات وصلت الي نهاياتها.اعترافات بلا طائل. وانت كما كنت دائماً، وحيد.0