نتائج الانتخابات ترسم ملامح السياسة البريطانية المقبلة

صادق الطائي
حجم الخط
0

حقق حزب المحافظين بقيادة بوريس جونسون نتائج فاجأت الأصدقاء قبل الخصوم في الانتخابات المبكرة التي أجريت يوم الخميس 12 كانون الأول/ديسمبر 2019. إذ مثلت النتائج نصرا كاسحا لحزب المحافظين وهزيمة مرة لحزب العمال لم تشهدها الانتخابات البريطانية منذ عام 1935. إذ حصل المحافظون على 364 مقعدا، بينما لم يحصل منافسهم حزب العمال سوى على 203 مقاعد، كما ظهرت بعض المفاجآت الصغيرة الأخرى في هذه الانتخابات مثل تقدم الحزب القومي الاسكتلندي بشكل ملحوظ بحصوله على 48 مقعدا.

إذا، ماذا تعني هذه النتائج على صعيد السيناريوهات السياسية المقبلة؟ وماذا سيوفر البرلمان الجديد الذي يسيطر عليه المحافظون لحكومة بوريس جونسون؟ وما هي خريطة الطريق التي طرحها جونسون في حملته الانتخابية والتي ستوضع موضع التنفيذ في الأيام القليلة المقبلة؟

الأغلبية البرلمانية

لقد أشارت استطلاعات الرأي إلى توقع فوز حزب المحافظين في انتخابات 12 كانون الأول/ديسمبر لكنها توقعت عدم حصولهم على الأغلبية البرلمانية التي تؤهلهم لتشكيل الحكومة عبر الفوز بنصف مقاعد البرلمان +1 أي 326 مقعدا من البرلمان المكون من 650 مقعدا، وبالتالي كانت التوقعات تذهب باتجاه ما يعرف في بريطانيا بالبرلمان المعلق، وهو حالة عدم فوز أحد الأحزاب بالأغلبية التي تؤهله لتشكيل الحكومة، وحينها تبدأ المفاوضات لتشكيل حكومة ائتلافية كما حصل في حكومة ديفيد كاميرون الأولى بعد انتخابات 2010 عندما تحالف المحافظون مع الحزب الليبرالي الديمقراطي، وكذلك في الانتخابات المبكرة السابقة عام 2017 التي خاضها حزب المحافظين برئاسة تريزا ماي، وحينها لم يحصل الحزب على الأغلبية أيضا فاضطر للتحالف مع حزب صغير هو الحزب الوحدوي الايرلندي ليحصل على عدد المقاعد الكافي لتشكيل الحكومة. والمعروف عن الحكومات الائتلافية أنها عادة تعاني من أزمة تشتت القرار وصعوبة حسم القضايا المصيرية نتيجة ضعف الوجود في البرلمان الذي يدعم تمرير قرارات الحكومة، وهذا ما حدث في تعثر حسم قرار بريكست منذ ثلاث سنوات.

قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي بات يعرف بـ “بريكست” كان المحرك الأهم، والدافع الأول الذي دفع باتجاه الانتخابات المبكرة في كانون الأول/ديسمبر 2019 بعد أن وصل البرلمان إلى طريق مسدود عبر عدة جولات من التصويت على القرار فشلت في حسم الأمر. لذا كان هم الناخب البريطاني الأول هو الموقف من بريكست والوعود التي أطلقتها الأحزاب في هذا الشأن. ويرى المراقبون إن سبب الفوز الساحق الذي حققه المحافظون هو الأداء المميز في هذه النقطة تحديدا، وهو أداء قائم على وضوح الرؤية، وبساطتها، وإيصال فكرة الخروج من الاتحاد الأوروبي بسلاسة للناخب البريطاني، ما يعني الموقف الواضح للمحافظين وهو الإصرار على بريكست وحسم هذا الملف بأسرع وقت.

في المقابل كانت هزيمة حزب العمال الساحقة حسب وجهة نظر بعض المحللين نتيجة الضبابية في موقفهم من بريكست، وتشتت وعدم وضوح رؤيتهم. فالخطة التي أعلنها جيرمي كوربن رئيس حزب العمال في مناظرته التلفزيونية مع بوريس جونسون قبيل الانتخابات والتي ذكر فيها موقفه عندما قال “الأمر واضح جدا، ثلاثة أشهر للتفاوض على اتفاق بريكست جديد، وستة ‏أشهر لإجراء استفتاء جديد يتيح للبريطانيين الموافقة عليه أو البقاء في الاتحاد الأوروبي‎”. ما يعني المزيد من المماطلة بالنسبة للناخب البريطاني. ولم يكشف زعيم حزب العمال موقفه بشكل واضح، وهو ما كان أنصار البقاء في الاتحاد الأوروبي يبحثون عنه ليدعموه في الانتخابات، بل كان موقف كوربن مراوغا ولم يعلن ما إذا كان سيؤيد بريكست أو البقاء في الاتحاد الأوروبي في حال أجري ‏هذا الاستفتاء، مكتفيا بتأكيد رضوخه لإرادة الشعب.

حسم ملف بريكست

أبرز ما ترتب على فوز المحافظين في الانتخابات الأخيرة هو حسم ملف بريكست، إذ سينفذ رئيس الحكومة بوريس جونسون السيناريو الذي وعد به مع تحقق أغلبية مريحة في البرلمان. والسيناريو هو خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي في نهاية كانون الثاني‎/ يناير 2020‎. لتدخل المملكة المتحدة في مرحلة انتقالية يتم خلالها الحفاظ على علاقتها الراهنة بالاتحاد ‏الأوروبي تستمر حتى نهاية عام 2020. وسيتم التفاوض أثناء المرحلة الانتقالية ‏حول اتفاق تجاري حر مع الاتحاد الأوروبي يحدد العلاقة بين خامس أكبر اقتصاد في العالم وشريكه ‏التجاري الأكبر، لكن رئيس حزب العمال جيرمي كوربن كان قد شكك في إمكانية تنفيذ هذا السيناريو وأعلن إن المدة المطلوبة للتنفيذ ستزيد عن سبع سنوات للوصول إلى اتفاقات تجارية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي ما يعني مزيدا من التعثر للاقتصاد البريطاني.

الملف الثاني الذي حرك مياه الانتخابات الأخيرة كان الخدمات العامة وتحديدا ملف الخدمة الصحية الوطنية، وقد تعرض قطاع خدمات الصحة في بريطانيا طوال عقد من حكومات المحافظين المتتابعة إلى تراجع واضح في مستوى الخدمات الصحية نتيجة سياسات التقشف وتقليل الدعم المالي لقطاعات الصحة والتعليم والأمن الداخلي الذي طبقته حكومات المحافظين طوال السنوات العشر الماضية.

قطاع خدمات الصحة

وقد فجر جيرمي كوربن قبيل الانتخابات ما اسماه فضيحة الاتفاقات السرية التي يجريها بوريس جونسون مع حلفائه الأمريكيين لخصخصة قطاع خدمات الصحة البريطانية، وكشف حينها لوسائل الإعلام بما قال إنها وثائق سرية تقع في 451 صفحة وتوضح مختلف ‏مراحل المحادثات التجارية بين الحكومتين البريطانية والأمريكية إذا تم خروج المملكة المتحدة من ‏الاتحاد الأوروبي.‎ وأبرز ما أظهرته الوثائق هو طلب الجانب الأمريكي أن تضع بريطانيا قطاعها الصحي الوطني على ‏طاولة المفاوضات التجارية، مما يعني إمكانية فتحه أمام الشركات الأمريكية للاستثمار‎.‎‎  من جانبه نفى رئيس الوزراء بوريس جونسون أن يكون قد وافق على وضع النظام الصحي البريطاني في ‏المفاوضات التجارية بين الطرفين، بل واستهزأ بما أعلنه كوربن عن وجود وثائق سرية، وقال إنها مفاوضات تجارية تم اطلاع الإعلام على تفاصيلها بشكل شفاف، وإن استخدامها من قبل كوربن الآن لا يمثل إلا أكاذيب تستخدم للتضليل الانتخابي والتأثير على قرار الناخب البريطاني‎.‎

التحول الذي شهده حزب العمال منذ فوز جيرمي كوربن برئاسة الحزب دفع المراقبين إلى إطلاق وصف عودة حزب العمال إلى اليسار بعد ان سحبته القيادات السابقة إلى الوسط، ومن سمات التحول اليساري في سياسات حزب العمال التي طرحت في انتخابات كانون الأول/ديسمبر طرح مشروع تأميم عدد من الصناعات البريطانية الرئيسية، وتشمل الشركات التي يرغب حزب العمال ‏في تأميمها، شركات الطاقة والمياه البريطانية، إضافة إلى خدمة البريد وسكك الحديد، إذ ستكون ‏مملوكة للدولة ومسؤولة أمام الشعب البريطاني. وقد مثل استخدام تعبير “تأميم” صدمة بالنسبة لقطاع واسع من الناخبين البريطانيين ورسخ دعايات خصوم حزب العمال التي تصف كوربن بـ “الشيوعي”.

في المقابل وعد حزب المحافظين الناخب البريطاني بالعمل على حل الكثير من الأزمات الداخلية ومنها مشكلات الصحة والتعليم والخدمات والأمن ووضع حد لسياسات التقشف التي استمرت طوال العقد الماضي، والتأكيد على الوفرة المالية المقبلة والتحسن الاقتصادي بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، ما يعني ضخ المزيد من الأموال لدعم الخدمات العامة، فقد وعد برنامج جونسون بتخفيض الضرائب وزيادة نفقات القطاع العام بما مجموعه 23.5 مليار ‏جنيه استرليني خلال المدة بين 2020 و2024 وخاصة زيادة النفقات ‏على الرعاية الطبية، حيث من المقرر توظيف 50 ألفا من الممرضين والممرضات الإضافيين وإنفاق ‏مليار جنيه استرليني إضافي على الرعاية الاجتماعية كل سنة‎.‎ كما يخطط المحافظون لإنفاق 22 مليار جنيه استرليني على الأبحاث العلمية والحماية من الفيضانات ‏وبناء السكك الحديدية وتصليح الطرق‎.‎‏ وتعهد جونسون بعدم زيادة الضرائب أو فرض ضرائب ‏إضافية.

ومن المتوقع ان تتفجر أزمة وضع اسكتلندا وقرار بقائها في المملكة المتحدة أو خروجها بعد نتائج الانتخابات الأخيرة، إذ كان الحزب القومي الاسكتلندي داعما لخطط حزب العمال المناهضة للبريكست، ويتوقع المراقبون أن النتائج الجيدة التي حققها الحزب القومي الاسكتلندي وحصوله على 48 مقعدا في البرلمان الاتحادي ستؤهله ليخوض جولة ضغط جديدة باتجاه المطالبة باجراء استفتاء انفصال ثان قريبا، ومن المتوقع أن يواجه الاسكتلنديون تعنت المحافظين الرافضين لخروج اسكتلندا من المملكة المتحدة.

ومن المتغيرات السياسية التي أفرزتها الانتخابات خروج جيرمي كوربن من رئاسة حزب العمال، فقد أدلى بتصريح بعد الهزيمة الساحقة لحزبه في الانتخابات الأخيرة قال فيه أنه يشعر بخيبة أمل شديدة جراء نتائج الانتخابات البرلمانية، و”لن أقود الحزب في الانتخابات المقبلة” لكنه لم يحدد موعدا لتركه رئاسة الحزب. كذلك أطاحت نتائج الانتخابات برئيسة الحزب الليبرالي الديمقراطي الشابة جو سوينسون ‏التي خسرت مقعدها الانتخابي، وقد كانت سوينسون من أبرز المدافعين عن البقاء في الاتحاد الأوروبي، وقد بنت حملتها الانتخابية على وعد بإلغاء بريكست في حال انتخابها، وعلى إثر إعلان نتائج الانتخابات قال الحزب إنه سينتخب قيادة جديدة بعد فقدان سوينسون لمقعدها البرلماني.

ويبقى ترقب الشارع البريطاني لخطوات بوريس جونسون التي يبدو أنها ستنطلق بسرعة وقوة لتنفيذ ما وعد به من إخراج البريطانيين من حالة الشلل التي استمرت طوال الثلاث سنوات الماضية، فهل سيكون طريقه سالكا ومن دون مطبات جديدة كما يتوقع خصومه؟ هذا ما ستظهره لنا نتائج تحرك حزب المحافظين في الأيام المقبلة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية