نتائج وأبعاد اتفاق التطبيع مع الاحتلال كثيرة ومفاعيله على الوعي أخطرها

وديع عواودة
حجم الخط
0

على ميزان الربح والخسارة الإسرائيلي

الناصرة-“القدس العربي”: تتفاوت التقديرات حول تبعات اتفاق التطبيع بين الإمارات وبين دولة الاحتلال على مستقبل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وعلى خريطة الشرق الأوسط وحول قيمته ومنافعه بالنسبة لإسرائيل، صورتها ومكانتها ومستقبل تعامل العالم معها. على المستوى الاقتصادي وفي معرض استعراض قيمة الاتفاق الذي فاخر بإحرازه، أشار نتنياهو لفتح باب الاستثمارات المالية وللتعاون الاستخباراتي والأمني لاسيما أن إسرائيل هي الطرف الأكثر ربحا في هذا المضمار الاقتصادي والأمني. ورغم أهمية ذلك لكن إسرائيل مرشحة لتحقيق منافع أكبر وأعمق بفعل تأثير توقيع مثل هذا الاتفاق بين دولة الاحتلال وبين دولة عربية على الوعي لاسيما وأنه يأتي قبل أن يزول وقبل استعادة الشعب الفلسطيني للحد الأدنى من حقوقه والمقصود وعي الإسرائيليين ووعي العرب والفلسطينيين والعالم. وهذا ما أشار له نتنياهو في خطابه بقوله إن الاتفاق يفتح مرحلة جديدة من العلاقات مع العالم العربي، مؤكدا أن دولا عربية أخرى ستحذو حذو الإمارات وذلك في إشارة للبحرين وعمان. وكل ذلك يأتي مجانا، فقد قال نتنياهو في خطابه المذكور إن إسرائيل ارجأت الضمّ ولم تتنازل عنه وهذا ما شدّد عليه عدد كبير من وزرائه أيضا علاوة على مسؤولين أمريكيين.

انتصار شخصي لنتنياهو

 

 ولذا اعتبرها نتنياهو لحظة تاريخية وهذا صحيح على الأقل بالنسبة له شخصيا. فقد جاء هذا الفرج الإماراتي وهو بحالة داخلية يرثى لها وهو يواجه تهم فساد خطيرة واتهامات بالفشل الذريع بمواجهة عدوى كورونا. كما يستدل من ردود الفعل الواسعة في إسرائيل أن اتفاق التطبيع مع الإمارات منح نتنياهو تفوقا جديدا على كل خصومه السياسيين خاصة أنه أحرزه بدعم أمريكي واضح وبما يرتبط بصفقة القرنب دون تسديد ثمن حتى على شكل إلغاء للضم، فقد أكد قادة الاحتلال مرة تلو المرة في الأيام الأخيرة أن الحديث يدور عن إرجاء لا عن إلغاء. هذه الأوضاع الداخلية تقف خلف انقضاض نتنياهو على الهدية الإماراتية ومحاولة تشبيه اتفاق التطبيع مع الإمارات باتفاق كامب ديفيد مع مصر عام 1979 ومع توقيع اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية في 1993 ومع اتفاق وادي عربة عام 1994 جاعلا من نفسه شخصية مفصلية في تاريخ إسرائيل بمصاف مناحم بيغن واسحق رابين وشيمون بيريز.

الاختراق الضخم

وربما هذا التشابه قد دفع الكاتب الصحفي الأمريكي توماس فريدمان لوصف الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي بأنه زلزال جيوسياسي ضرب منطقة الشرق الأوسط. وقال فريدمان في مقال نشرته “نيو يورك تايمز” إن وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب له بـ”الاختراق الضخم” هو وصف مستحق. كما قال إن الاتفاق ليس بحجم زيارة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات للقدس عام 1977 ولا مصافحة الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات لإسحق رابين في 1993 لكنه قريب منهما لأنه يؤثر على كل القوى الكبيرة في المنطقة. وضمن تعليل استخدامه هذا المصطلح أو هذا العنوان أوضح الكاتب الأمريكي المناهض لترامب أن هذا الاتفاق يفيد المعسكر المؤيد لأمريكا، المؤيد للإسلام المعتدل، والمؤيد لإنهاء الصراع مع إسرائيل مرة واحدة وللأبد، على حساب المعسكر الراديكالي الموالي لإيران والمعادي لأمريكا، معسكر النضال الإسلامي الدائم ضد إسرائيل الذي سيصبح أكثر عزلة.

أين المبادرة العربية

 

ربما لن يفضي اتفاق التطبيع مع الإمارات إلى أي سلام حقيقي على الأرض لكنه يبقى عاملا مؤثرا على وعي الإسرائيليين، أولا بأن السلام ممكن أن يتحقق مقابل السلام وليس بالضرورة مقابل أرض كما قال نتنياهو نفسه منذ سنوات مستخفا بالمبادرة العربية في بيروت عام 2002. ويعني تعزيز مثل هذا الوعي في أذهان الإسرائيليين إطالة عمر وتعميق الاحتلال واضطرار الفلسطينيين لدفع ثمن أكبر من أجل محاولة التخلص من نير الاحتلال شبه الغائب أصلا عن وعي وأجندة إسرائيل والإسرائيليين. ومثل هذا الوعي المتشكل من المتوقع أن يتعمق أكثر فأكثر بحال تبعت السودان وعمان والبحرين الإمارات كما أشار نتنياهو وتابع ضمن توقفه عند حيوية الاتفاق: “طيلة عقود تم تصوير إسرائيل كدولة عدو وجزيرة لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، ولكن اليوم هناك دولا كثيرة ترى بها حليفة استراتيجية من أجل الأمن والتقدم والسلام وأقول لكم هناك المزيد من الدول العربية والإسلامية على الطريق”. في محاولة لمخاطبة العرب والعالم وليس فقط الإسرائيليين، جمهور هدفه الأساسي، شددّ نتنياهو على قيادته مفهوم “السلام مقابل السلام” فقال إن هذا السلام الوحيد الذي يدوم لافتا لالتزامه به. ولاشك أن مثل هذا الواقع بعد توقيع اتفاق تطبيع مجاني مع الإمارات وربما غيرها لاحقا سيترك آثارا سلبية على موقف دول العالم والمؤسسات الدولية في تعاملها مع إسرائيل وتكريس الامتناع عن معاقبتها لانتهاكاتها اليومية بحق الفلسطينيين. وهناك أمثلة في الماضي تدلل على تطور ونمو هذا الوعي وهذه المواقف السياسية في العالم قد ظهرت بعد توقيع أوسلو عام 1993 حيث قامت دول هامة كالهند والصين وغيرهما بتشكيل علاقات دبلوماسية مع دولة الاحتلال بعد اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بها على مبدأ أنه لا يمكن أن تكون “الداية أحّن من الولادة” كما يقول المثل الشعبي.

السلطة الفلسطينية ستعود للمفاوضات

وضمن تعداد  فريدمان لتأثيرات الاتفاق على القوى بالمنطقة يقول إن السلطة الفلسطينية ستُجبر على الجلوس إلى مائدة المفاوضات مع إسرائيل لأن الاتفاق يجردها من فكرة أن دول الخليج العربية ستُطبع مع إسرائيل فقط بعد أن تلبي الأخيرة مطالب السلطة بإقامة دولة حسب مواصفات السلطة. كذلك سيشجع الاتفاق، حسب فريدمان، دول الخليج الخمس الأخرى جميعها على أن تحذو حذو الإمارات وتخرج بعلاقاتها السرية مع إسرائيل إلى العلن حتى لا تترك الإمارات وحدها تتمتع بالجمع بين رأسمالها والتكنولوجيا الإسرائيلية المتطورة في كل المجالات، وتصبح هي وإسرائيل الأكثر قوة وثروة بالشرق الأوسط. كما يتوقف فريدمان عند منفعة إسرائيلية أخرى تتمثل بنزع فتيل تقسيم الجالية اليهودية في أمريكا بين دعاة الضم المتشددين ومناهضيه، وكذلك استفاد المرشح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية جو بايدن، إذا خلف ترامب، لأنه لن يضطر للخوض في قضية الضم الشائكة، وسيحتفظ بتحالف أقوى مؤيد لأمريكا في المنطقة للعمل معه. أما أكبر الخاسرين من الاتفاق برأي الكاتب الأمريكي فهم إيران وحلفاؤها: حزب الله، والميليشيات العراقية، والرئيس السوري بشار الأسد، وحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) وحركة الجهاد الإسلامي، والحوثيون باليمن، بالإضافة إلى تركيا. وختم فريدمان مقاله بالقول إنه تابع شؤون الشرق الأوسط مدة طويلة للغاية ويستطيع، بفضل هذه المتابعة، أن يقول الآن باطمئنان “إن هذه المنطقة لن تعود كما كانت أبدا”.

مقابل إيران

وهناك محللون ومراقبون إسرائيليون أيضا يتفقون مع فريدمان حول حجم وقيمة اتفاق التطبيع مع الإمارات، فترى محررة الشؤون السياسية في القناة الثانية دانا فايس، أن الحديث يدور عن اتفاق تاريخي فعلا حققه ترامب بعدما أدرك أن الضمّ الآن غير ممكن، منوهة لكونه مكسبا استراتيجيا في منطقة الخليج مقابل إيران ومعسكرها وفي منطقة الشرق الأوسط برمتها. وتوضح أن هذا الاتفاق قلب معادلة “الأرض مقابل السلام” وصب الماء على طاحونة إسرائيل وطاحونة نتنياهو، معتبرة أن العنوان الأصح هو “تطبيع مقابل منع الضم”. ونوهت القناة الإسرائيلية أن المبادرة للتطبيع لم تأت من إسرائيل ولا الولايات المتحدة إنما من الإمارات التي تريد التطبيع منذ زمن ووجدت بموضوع الضمّ فرصة للاختباء خلفه لأنها طامعة بتحالف إستراتيجي مشترك ضد إيران وبالتعاون مع إسرائيل في مجالات شتى. وبرأيها فإن التطبيع ليس مجانيا لأن تعليق الضمّ يعني بطريقة غير مباشرة الاعتراف بالسيادة الفلسطينية على الضفة الغربية ويبقي الباب مفتوحا أمام تسوية الدولتين ولذا يتعرض نتنياهو لهجوم من قبل أوساط اليمين.

عمان والسودان

ويتفق معها محرر الشؤون السياسية في الإذاعة الإسرائيلية العامة زئيف كام الذي يقول إن أهم نتيجة لهذا التطبيع هو إبعاد شبح الانتخابات المبكرة عن إسرائيل لأن نتنياهو معني الآن بالاستقرار وينتظر انضمام عمان والسودان والبحرين لخط التطبيع. لكن كام في سياق جرد حساب الربح والخسارة يدعو كما محللين إسرائيليين آخرين للتريث والتهدئة وعدم الانفعال لحد الاندهاش من التاريخ. ويتابع مبررا محاولته رش الماء البارد على حمية البيت الأبيض وحكومة الاحتلال بالقول “هذا ليس لأن اتفاق سلام مع دولة عربية أمر غير طيب، بالعكس. لكننا باقون هنا مع ملايين الفلسطينيين في الضفة وغزة مثلما نحن باقون هنا مع جائحة كورونا وفشل مواجهتها مع كل أزماتها الاقتصادية – الاجتماعية وهناك مصلحة لترامب ونتنياهو بتضخيم المكسب لاعتبارات مفهومة”.

في الجانب الفلسطيني يعتبرون أن اتفاق التطبيع خسارة كبيرة للفلسطينيين ومحاولة للمتاجرة باسم فلسطين كما أكد الكاتب السياسي ماجد كيالي ويضيف “ليس باسمنا التسليم لإسرائيل الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية والمصطنعة، وليس باسمنا القتل والتشريد والتدمير للسوريين والعراقيين واللبنانيين. تاجروا وتفاخروا بتجارتكم باسمكم، بئست هكذا تجارة”.

 

استقرار إسرائيل

 

وبسياق الحديث عن منفعة اتفاق التطبيع يرى كيالي أن إسرائيل باختصار لم تستقر ولم تتطور الا بفضل أنظمة الفساد والاستبداد والتوريث ويضيف “قتلتونا عدة مرات، مرة بهشاشتكم وفسادكم وادعاءاتكم وعنترياتكم، ومرة بسلامكم المهين، ومرة بالمتاجرة بمقاوماتكم المدمرة والمعادية لقيم الحرية والكرامة والعدالة”. ومع ذلك يخلص للقول “فلسطين قضية شعب، وليست مجرد قطعة أرض، فلسطين هي معنى للحرية والكرامة والعدالة وهذه القضايا لا تتجزأ…ليس باسمنا ولا باسم قضيتنا ولا باسم دمائنا ولا باسم حقوقنا”. وعلى غرار كيالي يرى المثقف الفلسطيني محسن أبو رمضان أن بداية الخسائر تعود لاتفاق أوسلو مرجحا أن الاعتراف بإسرائيل دون الاعتراف بحقوق شعب فلسطين بل الاكتفاء بالاعتراف بالمنظمة فقط شكل خطأ استراتيجيا أيضا. ومع ذلك يعتقد أن أخطاء أوسلو لا تبرر خطوات التطبيع المجاني في تجاوز حتى لقرارات قمة بيروت عام 2002 والمبادرة العربية والتي هي لا تعكس الطموح الفلسطيني”.

والسؤال هنا لماذا بدأ الإعلان عن التطبيع الآن علما بأن أوسلو عقد منذ 27 عاما؟ عن هذا السؤال يقول أبو رمضان “الجواب أن هذا جزء من صفقة القرن وبناء حلف إقليمي تلعب به إسرائيل دورا مركزيا بوصفها تتحول إلى امبريالية صغرى في المنطقة وشريكا استراتيجيا للولايات المتحدة بالسيطرة علي الثروات والموارد والأسواق العربية وذلك تحت مبررات عدة”. ويرى أبو رمضان أن اتفاق التطبيع يضيق الخناق على الفلسطينيين ويعزلهم كما يؤكد محللون إسرائيليون أيضا فيقول، إنه في الوقت الذي تخدم خطوات التطبيع دولة الاحتلال تعمل في ذات الوقت على عزل وتهميش القضية ونزع البعد العربي منها وتركها وحيده للأطماع الصهيونية. ويتابع في جرد حسابات الربح والخسارة “كما أن التطبيع في هذا الوقت شكل هدية مجانية لكل من ترامب ونتنياهو وبهدف اخراجهما من الأزمة التي يعيشان بها”.

 

 التحالف مع الجلاد

ويتفق معهما الكاتب المحاضر الفلسطيني خالد الحروب لكنه يتحفظ من احتمال شيوع فهم يبرر التطبيع بقوله، إنه ثمة مقولة تتردد وتلوم الفلسطينيين على ما آلت إليه أمور التطبيع العربي السري والعلني، وآخرها الإماراتي، مع إسرائيل، لأن الفلسطينيين هم أول المطبعين من خلال اوسلو. ويتابع الحروب  “هذه المقولة تبرر إقامة علاقة صداقة وتحالف مع اللص الذي سطا على بيت وسرقه بما فيه لأن صاحب البيت كان ضعيفا ولم يستطع الدفاع عن بيته. نعم اوسلو كان خطيئة كبرى ارتكبها الفلسطينيون وكثير منا، وانا منهم، كتب في نقده وهجائه ما لم يكتبه الحطيئة في هجاء كل شيء. نعم هناك انقسام فلسطيني مخز ومدمر لنا ولقضيتنا، وكلنا يشتمه وينتقد القيادات التي تسببت فيه ولا نتردد في ذلك. نعم هناك اختلالات فلسطينية وأخطاء كبيرة، والخ. لكن كل ذلك لا يسوغ ارتماء الأنظمة العربية واحدا تلو الأخرى على أقدام إسرائيل، لأن الأسباب والاختلافات كثيرة بين ما يحدث فلسطينيا وما يحدث عربيا، ويحسن التذكير ببعضها. ختاماً، خطايا الضحية لا تبرر التحالف مع الجلاد”. ومقابل الإشارة لمكاسب إسرائيل من اتفاق التطبيع مع الإمارات هناك مراقبون فلسطينيون أيضا ينبهون لعملية نفخ وتضخيم، فيرى البروفيسور سليم زاروبي أن مصر أهم من الإمارات بعشرات الأضعاف قد دشنت التطبيع وبقيت القضية الفلسطينية وستبقى لأنها محمولة في قلوب وعلى أكتاف شعبها الحيّ.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية