نتاليا شويسكايا وأيام في موسكو

حجم الخط
36

شاهدت سمكة تغادر نهر السين مقابل نافذتي لتطير (وقد نبتت لها فجأة أجنحة) متجهة صوب برج إيفل، ولم يدهشني ذلك. شاهدت في الحي اللاتيني الباريسي بساط الريح يركبه علاء الدين وفي يده مصباح سحري والجني يركب معه البساط الطائر، ولم يدهشني ذلك.
أجل. لم يعد في كوكبنا ما يدهشني. وعلى الرغم من ذلك فوجئت حين قرأت مقالاً في «القدس العربي» يخصني.

فالح الحمراني: كتاب عني في موسكو

أجل، أعترف أنني شعرت بالدهشة حين قرأت مقال الأستاذ فالح الحمراني العراقي المقيم في موسكو ـ حول كتاب للأستاذة نتاليا شويسكايا عن أدبي بعنوان: شاعرة القصة.
لم أحلم يوماً بأن يصدر عني كتاب نقدي في موسكو يدرس أدبي. على الرغم من صدور كتب تدرسني بالإنكليزية والفرنسية والإيطالية.. واتصلت بالأخ الحمراني، وأرسل لي مشكوراً نسخة من الكتاب مع إهداء من المؤلفة.
أعادتني نتاليا شويسكايا إلى زيارتي اليتيمة إلى موسكو وسان بطرسبورغ وقد تركت تلك الزيارة أثراً لا يمحى في رأسي.. وقلبي. وكان ذلك منذ أعوام طويلة.. لكنني أذكر الزيارة كما لو حدثت البارحة..

مع دوستويفسكي وتولستوي وتشايكوفسكي وسواهم كثير

بدأت الزيارة بهاتف من رئيس اتحاد الأدباء اللبنانيين يومئذ الأستاذ أحمد أبو سعد. قال لي ببساطة: ثمة دعوة من اتحاد الكتاب في موسكو لأربعة لبنانيين وقد اخترت الروائي الكبير توفيق يوسف عواد، والمفكر حسين مروة، وأنت!.. فهل تستطيعين السفر معنا إلى موسكو؟ كنت قد عدت قبلها بيومين متعبة من رحلة إلى بانكوك وهونغ كونغ وسنغافورة وكوالالامبور ومانيلا وسواها دامت شهرين! ولكن غواية السفر إلى موسكو والتعارف إلى وطن مبدعين أحبهم جعلني أقول: نعم.

عالم روسيا الشاسع إبداعياً

في مطار موسكو هبطت من الطائرة ثملة بالفضول لاكتشاف بلد شاسع القلب والإبداع والمساحة. وكان ذلك أيام الاتحاد السوفييتي قبل البيروسترويكا بقليل، وأنا لم أنتمِ في أي يوم إلى حزب أو فئة- كنت دائماً كاتبة مستقلة، ولكن «الستار الحديدي» لا يقوم بين قلوب الناس والإبداع. ها أنا أخيراً أنام في فندق في موسكو في وطن أعرف الكثير عنه من روايات مبدعيه وأشعارهم وموسيقاهم. أي أن الإبداع هو تعريف بوطن ما أكثر بكثير من الكراسات السياحية.
كنت سعيدة ومستثارة خلال زيارة بيوت مبدعي روسيا ومتاحف موسكو الثرية بالإبداع.

شاغال في معهد الاستشراق

لن أنسى يوماً العلماء الروس الذين التقيتهم في معهد الاستشراق، وبالذات البروفيسور شاغال الذي يتكلم العربية، وتكريمه بعد اللقاء الأول بزيارتنا في الفندق، وندمت لأنني لم أحمل معي عنوانه لأهديه بعض كتبي. وترك أثراً جميلاً في نفسي. كم أحببت المستعربين في موسكو، واهتمامهم بالأدب العربي، ولم أشعر يومئذ بوجود (الستار الحديدي) بين البشر، ولم يعد (الاتحاد السوفييتي) يومها يعني لقلبي الحرب الباردة، بل دفء العلاقات الإنسانية الأدبية.

السيرك المبدع ومحطة المترو والمتاحف

اصطحبتنا مرافقتنا إلى إحدى محطات قطارات الأنفاق «موسكوفيت» وكانت فخمة حقاً.. وليلاً ذهبنا إلى السيرك، وكدت أعتذر، فأنا لا أحب مشاهدة أي مخلوق في قفص (بما في ذلك البشر أولاً) ولا أحب فرقعة السياط لترويض الحيوانات المسكينة ولا تعريض الناس ـ لحياتهم ـ بالخطر فوق الأراجيح المرتفعة التي يقفـــز منها أبطال الألعــــاب ويعرضون أنفسهم للسقوط والموت. ولكن سيرك موسكو أدهشني حقاً.. إذ خرج إلى الحلبة مهرج أضحكنا دون أن نفهم لغــــته، ثم خفنا علــــيه حــــين اختطـــفوه إلى أرجوحة بهلوانية (ولعبوا) به، ثم اكتشفنا الخدعة الفنية الماهرة الماكرة، فالرجل لم يكن مهرجاً بل أحد أمهر الرياضيين المختصين بالألعاب الخطرة على ارتفاع قاتل.. وذكرني ذلك بالإبداع الروسي الفني في كل حقل.. وأسرتني القباب الذهبية لإحدى الكاتدرائيات.

كتبت ذكريات الرحلة يوماً بيوم

توطدت صداقتي مع المفكر حسين مروة كما مع الأديب توفيق يوسف عواد في تلك الرحلة، وفي القطار الليلي بين موسكو وسان بطرسبورغ دخل عواد إلى مقصورة نومي الصغيرة في القطار فشاهدني أدون في دفتر صغير أحداث يومي كما في كل يوم.. وقال لي أنت لا تضيعين فرصة لصيد الكلمات. أنت مجنونة أبجدية، وكان محقاً. وقد أصدر كتاباً عن تلك الرحلة يوماً بيوم كما التقطت صوراً يومئذ لذلك. ولا يتسع المجال لذكر مدى إعجابي بمدينة سان بطرسبورغ وإبداعات روسيا التي نتذكرها خارج مجال السياسة تماماً كإعجابنا بشكسبير وجهلنا باسم وزير الثقافة يومئذ!.
ولن أنسى متاحف سان بطرسبورغ، وبالذات متحف «الإرميتاج» الذي تأملت من نافذته نهر النيفا. زيارة روسيا صارت ممكنة في رحلات سياحية من باريس وسواها. ولا أدري لماذا ينساها السائح العربي، ويخطط غالباً لزيارة لندن ونيويورك وباريس وسواها وينسى روائع مدن روسيا كموسكو وسان بطرسبورغ.

شيخان رقيقان وموت عنيف

في السفر يتعارف المرء مع حقيقة الآخر، وهكذا وجدت في حسين مروة وتوفيق يوسف عواد (تجاوزا السبعين من العمر يوم الرحلة) وجدتهما إنسانين مفكرين يرفضان العنف.. ولم يخطر ببالي أنهما سيموتان ميتة عنيفة. فقد جاء قاتل إلى بيت مروة وأطلق عليه نيران رشاشة فأرداه. أما عواد فقتل بقذيفة أصابت بيته! إنها الحرب الأهلية ومناخها. ولكنهما ما زالا في ذاكرتي أحياء ومن فئة الأموات الذين أعجز عن قتلهم في ذاكرتي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية