الناصرة ـ «القدس العربي» : تواصل إسرائيل مساعيها من أجل احتواء أزمة الطائرة مع روسيا، وسط تفاوت في التقييمات الإسرائيلية حول تبعاتها على العلاقات المتينة بين موسكو وتل أبيب. وقال رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، بلهجة تهديد في ختام اجتماع المجلس الوزاري الأمني- السياسي قبيل سفره للولايات المتحدة أمس، إن إسرائيل ستواصل العمل من أجل منع تموضع القوات الإيرانية في سوريا.
وبلهجة تهديد قال نتنياهو إن إسرائيل ستواصل «العمل» في سوريا حتى وإن سلمت روسيا الجيش السوري صواريخ متطورة من طراز «إس 300» المضادة للطائرات.
ضجة واسعة
وفي مطار اللد وقبيل صعود الطائرة في طريقه للجمعية العامة للأمم المتحدة قال نتنياهو إنه اتفق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على استمرار التنسيق العسكري بين الجانبين من خلال لقاءات بين ضباطهما قريباً. كما قال نتنياهو إن إسرائيل حققت في السنوات الثلاث الأخيرة نجاحات كبيرة جدا في منع تعزيز القوات الإيرانية في سوريا ومنع تحويل أسلحة فتاكة لإيران وحزب الله. وتابع «لكن هذا لا يعني أنه ليس هناك حالات شاذة، ولكن بالمجمل أنجزنا نجاحاً كبيراً وكل ذلك بالتنسيق مع روسيا»، موضحاً أنه منذ «الأحداث التراجيدية الأخيرة تحدث مع بوتين وأعرب له عن أسفه العميق والصادق على مقتل العسكريين في الطائرة».
وتستمر الأزمة في ظل تغيرات وتباينات في الموقف الروسي حيال هذه الأزمة. وأول أمس قال الناطق بلسان وزارة الدفاع الروسية إن هناك براهين على أن إسرائيل هي المذنبة والمسؤولة عن إسقاط الطائرة ومقتل 15 جندياً، موضحاً أن المعطيات التي قدمتها الوزارة على أساس أجهزة الرادار في قاعدة حميميم تظهر بوضوح أن الطائرات الإسرائيلية هي المسؤولة عن إسقاط الطائرة الروسية.
وتابع «تظهر هذه المعطيات أن الصاروخ المضاد للطائرات كأنه يتجه بوضوح نحو طائرة إف 16 إسرائيلية التي سارعت للاختباء خلف الطائرة الروسية، مما أدى لتغيير مساره وإصابة الأخيرة إصابة مباشرة».
وتصاعدت الضجة والنقاشات داخل إسرائيل منذ أن أعلن أن روسيا ستحول صواريخ متقدمة من طراز إس 300 لسوريا في الأسابيع القريبة المقبلة.
يذكر أن تصريحات مماثلة صدرت عن روسيا عام 2013، لكن روسيا لم تحول هذه الصواريخ للجيش السوري، وقالت إنها استجابت لطلبات إسرائيلية بعدم تحويلها لنظام بشار الأسد. كما أن بوتين قال في المكالمة الهاتفية مع نتنياهو قبل يومين إن «اتخاذ روسيا لقرار حول تعزيز قدرات الدفاع الجوي السوري هدفها الأول هو منع أي خطر يهدد حياة العسكريين الروس الذين يتولون مهمة محاربة الإرهاب».
بطاريات «إس 300»
وقال نتنياهو في المكالمة حسب البيان الروسي إن المسؤولية تقع على عاتق الجيش السوري وعلى إيران التي تزعزع الاستقرار في المنطقة، وإن تحويل أسلحة متطورة لأيد غير مسؤولة سيفاقم المخاطر، وإن إسرائيل ستواصل الدفاع عن أمنها ومصالحها.
ويتفق معظم المراقبين والمحللين العسكريين الإسرائيليين على أن الأزمة بين إسرائيل وروسيا «خطيرة وعميقة «. وتستند تقييمات هؤلاء بالاعتماد على تحميل روسيا إسرائيل المسؤولية عن إسقاط الطائرة، وإغلاق المجال الجوي السوري خاصة في منطقة الساحل، وإعلان روسيا نيتها تزويد سوريا بصواريخ «أس – 300» المضادة للطائرات المتطورة.
وحاولت إسرائيل تخفيف حدة هذه الأزمة بإرسال قائد سلاح الجو، عميكام نوركين، إلى موسكو الأسبوع الماضي، بهدف توضيح الاستنتاجات التي توصل إليها التحقيق الإسرائيلي حول هذه الحادثة، وتحميل سوريا وإيران وحزب الله المسؤولية. لكن المحلل العسكري في صحيفة «معاريف»، طال ليف رام، أكد أن زيارة نوركين لم تحقق «النتائج المرجوة «.
وشدد ليف رام على أن «الأزمة مع الروس خطيرة وعميقة»، مشيراً إلى أنه «يتوقع أن يكون هناك تأثير كبير لنصب بطاريات إس-300 على عمليات سلاح الجو وعلى المجال الجوي في المنطقة». وقال إنه رغم ذلك فإن بطاريات «إس – 300» لن توقف عمليات الطيران الحربي الإسرائيلي في سوريا، لكن «أهمية نصبها هي ما إذا كان الروس سيغيّرون توجههم الإستراتيجي حيال حق إسرائيل بالعمل ضد حلفاء روسيا في الحرب في سوريا. والأمر الحاسم، بحسب ليف رام، هو «مسألة حرية العمل التي تمنحها روسيا لإسرائيل. وتابع « شئنا أم أبينا، فإن إسرائيل متعلقة بروسيا بهذا الخصوص. وروسيا هي دولة عظمى عالمية وإسرائيل ليست كذلك ونحن نميل إلى نسيان ذلك أحياناً».
قال إن جيشه أنجز نجاحاً كبيراً في سوريا بالتنسيق مع موسكو
علاقات استراتيجية مع روسيا
وعلى غرار مراقبين آخرين يقول إن هذا الأمر يبدو واضحاً خصوصاً مقابل ضعف الولايات المتحدة في المنطقة ورغم أهمية الدعم الأمريكي لإسرائيل ضد الفلسطينيين، لكن أهمية الولايات المتحدة كانت دائما بقدرتها على توفير دعم لإسرائيل ضد دول عظمى أخرى. ويبرز جداً في الحدث الحالي عدم قيام الأمريكيين بأي عمل. واعتبر ليف رام، ومحللون آخرون، أن روسيا تعتمد الكذب والتضليل. وكتب أنه «دائما كانت للروس طريقتهم لاستعراض الحقائق وفقاً لمصالحهم. وبحسبهم، فإن الأسد لم يستخدم السلاح الكيميائي أبداً والحديث عن استخدام كهذا هو دعاية غربية». وخلص للقول «كان يتعين على من يعرف هذه العقلية أن يدرك أنه ينبغي أن يدير هذه الأزمة المستوى السياسي وليس العسكري».
واعتبر المحلل العسكري في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أليكس فيشمان، أن نصب صواريخ «أس – 300» في روسيا يعني أن أي طائرة إسرائيلية تحلق في وسط إسرائيل على ارتفاع عشرة آلاف قدم «ستكون مهددة عملياً». وأشار إلى أن «طريقة عمل سلاح الجو الإسرائيلي ضد أهداف في عمق الأراضي السورية ستكون معقدة أكثر».
وهو يرى أيضا أن «مشكلة إسرائيل مقابل هذه الخطوة الروسية ليست عسكرية وإنما سياسية». معتبراً أنه يمكن تنفيذ هجمات في سوريا بواسطة منظومة صواريخ وقذائف صاروخية. بالمقابل ينبه فيشمان إلى أنه لا توجد لدى إسرائيل في الملعب السياسي إجابة جيدة على الشرخ الحاصل مقابل الروس. ولا يستبعد أن تفقد إسرائيل أداة استراتيجية هامة لمكانتها في الشرق الأوسط، وهي العلاقات مع الروس التي سمحت لها بحرية العمل في سوريا حتى الآن.
وعن المخاطر الممكنة مستقبلاً تابع فيشمان أن إسرائيل ستواجه مشكلة في قصف بطاريات «إس – 300» في سوريا، وهي مشكلة سياسية، « فعندما تتلقى طائرة مقاتلة إسرائيلية أمراً بتدمير إس – 300 في الأراضي السورية، سيكون واضحاً لمن يصدر الأمر أنه يجلس في هذه البطارية روسُ كمشغلين ومرشدين».
ويؤكد فيشمان أن علاقات إسرائيل وروسيا هي «أحد عناصر القوة الإستراتيجية الإسرائيلية في الشرق الأوسط. منوهاً إلى أنه عندما يتنكر الروس للعلاقات مع إسرائيل فإن هذا يضعفها، إذ أن هذا يعني إعطاء ضوء أخضر لجهات معادية، مثل إيران، لاستغلال الفترة القريبة من أجل أن تنقل إلى لبنان أسلحة تنطوي على إشكالية بالنسبة لإسرائيل، مثل صواريخ دقيقة وصواريخ مضادة للطائرات. وخلص للتساؤل دون جواب ستضطر إسرائيل إلى أن تقرر ما إذا كانت ستواصل سياستها (بضرب قافلات الأسلحة) وتخاطر بتعميق الأزمة مع الروس، أم أنها ستستقيم مع الخط الروسي؟
ويتفق معه المحلل العسكري في صحيفة «يسرائيل هيوم»، يوآف ليمور، على أن إسرائيل تجد نفسها الآن في أوج أزمة إستراتيجية يمكن أن تؤثر على مستقبل الجبهة الشمالية. معتبراً أن «هجمة الرسائل الروسية في الأيام الأخيرة لا تُبقي مكاناً للشك حتى لدى «المتشائلين» في إسرائيل، الذين اعتقدوا أن الحديث عن خطأ سيعبر سريعاً. وأوضح ليمور أن روسيا ليست إلى جانب إسرائيل، ولم تكن كذلك أبداً. إنها تقف إلى جانبها هي، مع ميل بارز إلى جانب سوريا، حليفتها وتوفر لها الأمن كي تتمتع بالمستقبل بثمار إعمارها الاقتصادي وتابع أنه «ليس واضحاً ما إذا كانت الخطوات الروسية ستخرج إلى حيز التنفيذ، لكن ينبغي أن تثير قلقاً كبيراً في إسرائيل، خاصة على خلفية الأجواء القتالية الماثلة خلفها. فالروس لم يحبذوا أبداً العمليات الإسرائيلية في سوريا، لكنهم كانوا مستعدين حتى الآن لغض الطرف عنها. والآن هي مصرة على أن تظهر من هو صاحب الكلمة في الجبهة الشمالية، وبعلمها أنها تمس مباشرة بأمن إسرائيل».
وعلى خلفية كل ذلك حمل المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل على نتنياهو واعتبره غير قادر على جعل هذه المشكلة مع الروس تختفي». ورأى أنه «يبدو حتى الآن أن الخطوات الروسية ستكون بتقييد كبير لحرية العمل الإسرائيلية في سماء سوريا». وفي ما يتعلق بالتصريحات الروسية حول مسؤولية إسرائيل عن إسقاط الطائرة تنبه هارئيل إلى أن روسيا توجه اتهامات للجيش الإسرائيلي، «بينما لا تذكر المستوى السياسي الإسرائيلي، باستثناء ادعاء عام حول السياسة الهجومية الخطيرة التي تنتهجها إسرائيل في سوريا». وقال المعلق السياسي للإذاعة الإسرائيلية العامة أن الأزمة الراهنة ليست إستراتيجية وإن إسرائيل وروسيا ستتجاوزانها قريباً.