نتنياهو رجل سلام!

حجم الخط
0

أعطوا القيصر ما له: في بحر الكراهية الثائر والانتقاد الصاخب ضد بنيامين نتنياهو، مسموح وحتى يجب الإشارة في كل مرة إلى نقاط الضوء في سياسته، فرغم روح جوقة أعدائه الصاخبة ثمة نقاط ضوء كهذه، أكبرها هو أنه لا يسعى إلى حروب، والأشهر الأخيرة أثبتت ذلك. عدو نصف الشعب هو أحد رؤساء الحكومات الذين وقفوا ضد الحروب من الذين كانوا لدينا، مع حرب واحدة مبادر إليها في الـ 12 سنة من حكمه. لم يكن لنا قبله رئيس حكومة مثله مع حرب واحدة في الـ 12 سنة. سلفه إيهود أولمرت، رجل السلام البارز أكثر منه بكثير، بادر إلى حربين في السنوات الثلاث لولايته. هاتان الحربين كان يمكن أن يكون هناك مناص منهما. وهما حربان زائدتان وخاسرتان. إذا صفقوا للقيصر، على الأقل بسبب ذلك: لقد منع سفك الدمار، وهذا أمر ليس بسيطاً أو مقبولاً في إسرائيل.
من بحر كل أفعاله وفشله، ومن بين كل أضراره، فإن هذه الحقيقة ستظهر في ميزان نتنياهو التاريخي في صالحه. ومن المشكوك فيه إذاما كان هناك سياسي إسرائيلي آخر واحد كان سيجتاز نصف السنة الأخيرة بدون أن يحرك الجيوش ويرسل الطائرات نحو وسط غزة، لجولة أخرى من الدماء التي ليس لها أي مبرر أو فائدة.
اليمين دفعه كالعادة كي يضرب ويقتل ويدمر؛ سكان غلاف غزة ضغطوا أيضاً من أجل الانتقام والثأر للحرائق؛ حتى إن الوسط الذي يسمى يساراً دفعه لفعل شيء ما، الذي هو في إسرائيل دائماً شيء ما عنيف وحربي، شيء ما «يحسم». في كل ليلة سبت كان هناك شعور بأنه مع ضوء يوم الأحد ستندلع الحرب. نتنياهو وقف صامداً. مهما كانت دوافعه ـ لقد منع سفك الدماء، دماء جنود ودماء آلاف من السكان العاجزين الذين كانوا سيقتلون مثلما في هجمات الجيش الإسرائيلي السابقة. هؤلاء وأولئك يدينون بحياتهم لنتنياهو.
ربما تعلم الدرس من حربه الوحيدة، «الجرف الصامد»، مع آلاف القتلى العبثيين له، التي انتهت بالضبط في المكان الذي تنتهي فيه كل الهجمات على غزة: بدون أي شيء. ولكن الاستدلالات المنطقية من تجربة الماضي هي مشهد نادر في أوساط رؤساء الحكومات في إسرائيل. من المسموح أن نشك بأنه كانت لنتنياهو دوافع أخرى، التفرغ للحرب في الشمال أو للصراع الهستيري ضد إيران، أو اعتبارات سياسية شخصية أنانية، ولكن لتذهب الدوافع إلى الجحيم: بعد بضعة أشهر من الملاحقات الشديدة لسكان غلاف غزة، نتنياهو لم يشن حرباً انتقامية. مع وزير دفاع أزعر ومحرض، ووزير تعليم متعطش للحروب، ووسائل إعلام يسارية كما يبدو تدفع كعادتها والزبد على شفاهها لشن حرب جديدة ـ فإن نتنياهو لم يكن نتنياهو.

رئيس الوزراء أدرك من حربه الوحيدة التي شنها أن القوة لن تحل أي شيء

من انسحب أمام حفنة من السكان الصارخين والعنصريين في جنوب تل أبيب في قضية التسوية التي اقترحتها الأمم المتحدة فيما يتعلق بطالبي اللجوء، وقف مثل الأسد أمام تحالف حربي عدواني وتغلب عليه بمساعدة رئيس الأركان.
يجب أن نقدره على ذلك. النتيجة: في نهاية الأسبوع نشرت تقارير عن التسوية التي تم التوصل إليها، وهي تشبه بصورة تامة التسوية التي تم التوصل إليها بعد كل حرب، بفرق بسيط واحد فقط وهو أنه في هذه المرة تم منع المرحلة الضرورية بالنسبة لآباء الانتقام الإسرائيليين ـ الحرب.
نشيد المديح هذا لنتنياهو مقلص للأسف الشديد، باستثناء منع حرب، ورئيس الحكومة لم يستجمع الشجاعة للقيام بالشيء الضروري الوحيد الذي سيجلب الحل في قطاع غزة.
يبدو أنه أدرك أن القوة لن تحل أي شيء، ولكن الخطوات القادمة التي لا مناص منها لم يتجرأ على اتخاذها: تحرير غزة والتحدث مع حماس. الأموال القطرية أمر جيد ولطيف، وصهاريج الوقود أمر حيوي، ولكن هذه لصقات على منطقة تعرضت لكارثة. نتنياهو يعرف ذلك وهو لا يفعل أي شيء.
كم هو لطيف مدح نتنياهو على ضبط النفس، ولكن كم هو مؤسف أنه لا ينوي مواصلة نفس الطريق العجيبة التي اختارها. إنه ليس رجل سلام مثلما جاء في العنوان الجذاب، وكما يبدو أيضاً لن يكون في أي يوم هكذا، ولكنه أيضاً ليس رجل حروب، وفي إسرائيل خاصته أيضاً هذا عزاء.

جدعون ليفي
هآرتس 4/11/2018

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية