السنة الدراسية بدأت، وانتهى الإضراب في المدارس الثانوية بشكل ما. إذن، أخرجوا ورقة وقلماً وكرسوا بضع دقائق “لاختبار نهاريا”. بالفعل، في صباح 18 تموز من هذا العام أصابت مُسيرّة إيرانية أطلقها الحوثيون من اليمن، مبنى سكنياً في تل أبيب. قتلت يفغيني فردر ابن الخمسين. بعد أقل من 30 ساعة من ذلك، أقلعت عشرات طائرات سلاح الجو، وطارت 1800 كيلومتر عن حدود إسرائيل، ودمرت منظومات في ميناء الحديدة اليمني، الذي يعدّ شريان توريد للحوثيين. منذئذ، يفكر الحوثيون عدة مرات قبل أي عمل ضد إسرائيل.
أمس، عند 12 ظهراً، أصابت مُسيرة إيرانية أطلقها حزب الله عمارة في نهاريا على مسافة 130 كيلومتراً عن تل أبيب.
تثور الأسئلة الواجبة فوراً: هل حكم نهاريا كحكم تل أبيب؟ وعقب الإصابة التي حدثت في نهاريا، هل سيأمر المستوى السياسي الجيش بتسليح نحو 100 طائرة قتالية لهجوم قوي في ميناء بيروت، أم سيوجه تعليماته لضرب موضع استراتيجي آخر في لبنان؟ لا تحبسوا أنفاسكم: الجواب سلبي على ما يبدو.
يفضل نتنياهو التجلد على هجوم نهاريا. وعليه، فرضية عمل سكان الشمال هي أن تكون هجمات الجيش الإسرائيلي مقنونة وملجومة هذه المرة أيضاً. حرائق الحديدة لن نراها على ما يبدو في بيروت أو في مدينة أخرى في لبنان.
الكثير على رأس نتنياهو الآن: عرس في مزرعة رونيت، رحلة إلى نيويورك، إجازة ميزانية ومحاولة عبور أعياد “تشري” دون إيقاظ المنطقة لحرب دينية، مثلما يستهدف بعض من أعضاء ائتلافه. وهذه قائمة جزئية. الأمر الأخير الذي يحتاجه الآن هو حرب ضد إيران- فرع لبنان.
الآن، فضلاً عن التهكم، وبجدية كبيرة: نتنياهو في ضائقة حقيقية؛ دخل في عقدة سياسية، وعسكرية، وحزبية وجماهيرية، حتى “ساحر” مثله يصعب عليه أن يحلها.
ليس لطيفاً قول هذا، لكن حظه الوحيد هو الساحة الشمالية. زعيم حزب الله حسن نصر الله، هو الآخر في وضع إشكالي مثله. هو أيضاً تورط مع نفسه، مع إرادات أسياده في إيران، وكذا لديه مقاومة داخلية من سكان لبنان.
لنتنياهو حظ أيضاً بأن اللواء اوري غوردن هو من يتولى الآن قيادة المنطقة الشمالية. الرجل ليس إمعة، من جهة أسنان حادة، ومن جهة أخرى يدور الحديث عن رجل منضبط، رجل قد يلجم ويكبح نواياه الهجومية في كل وقت.
هذا هو سبب نجاح الجيش الإسرائيلي في التحكم بالمناوشات التي بين إسرائيل من جهة وإيران وحزب الله وسوريا والعراق طوال 11 شهراً الأخيرة: نلحق ضرراً بالطرف الآخر ونمنعه من التفكير بنوايا هجومية منفلتة العقال.
الهجوم ليلة أول أمس على سوريا، المنسوب لإسرائيل، ذو مغزى كبير جداً. يدور الحديث عن ضربة قاسية جداً للحرس الثوري، ولتسلح حزب الله وبناء القوة المؤيدة لإيران في سوريا. فمن جهة تضرب فيها بقوة، ومن جهة أخرى تمنع الطرف الآخر من العربدة.
تعرض نصر الله في الأيام الأخيرة لضربات أليمة، أليمة جداً. سلاح الجو نفذ أكثر من 100 غارة في لبنان منذ الأربعاء. والجيش الإسرائيلي يضرب بشكل ممنهج منصات حزب الله في لبنان وألحق خسائر جسيمة بمخازن السلاح لحزب الله. ودرة التاج هي ضربة منظومة القيادة والتحكم لدى المنظمة. من بين 600 مخرب صفوا من أعضاء حزب الله، نسبة غير قليلة منهم قادة في كل المستويات: رئيس أركان، قادة فرق، قادة ميدانيون، نشطاء في مجال العلم اللوجستي- التهريب، والأموال، والجانب الفني.
تلاحظ إسرائيل التأثير على حزب الله؛ فقد تحول من جيش مرتب ومدرب إلى جسم يصعب عليه الحفاظ على منظومة مرتبة. بمعنى أن الأوامر التي تنقل من نصر الله لا تصل إلى الميدان بشكل مرتب ودقيق.
وتضرب إسرائيل أمثلة بالإصابة في مجدل شمس، التي قتل فيها 12 طفلاً إسرائيلياً، والضربة التي حدثت لمنازل في “كتسرين”، وأمس في نهاريا. على حد نهج نصر الله، فإنه أصدر أمراً في كل من هذه الأحداث لضرب منشآت عسكرية: قاعدة قيادة لواء جبل الشيخ، قاعدة الجيش الإسرائيلي في مركز الجولان، وأمس على حد زعمه، اعتزم ضرب معسكر “شرغا”. لكن الإصابات كانت أهدافاً مدنية داخل بلدات مدنية في كل هذه الحالات بنية مقصودة من مشغل المُسيرات أو الصاروخ.
يدرك نصر الله حجم الشرخ في منظمته، ويدرك أنه في ورطة: كيف يخرج من هذه القصة دون أن يتضرر أكثر.
والآن، يعول نصر الله على أن يحصل اختبار نهاريا علامة ناجح فقط؛ بمعنى أن يلتصق نتنياهو بنظريته القائلة بأن حكم “نهاريا” و”كريات شمونا” و”سديروت” و”ناحل عوز”، تماماً كحكم قيسارية وتل أبيب.
آفي أشكنازي
معاريف 10/9/2024