الناصرة- “القدس العربي”: بعدما منح رئيس إسرائيل رؤوفين ريفلين صلاحية تشكيل حكومة لرئيس “الليكود” بنيامين نتنياهو الثلاثاء، شرع الأخير بالاتصالات الأولية وبدأها مع الأحزاب الحليفة “شاس”، ”يهودت هتوراه” و”الصهيونية الدينية” ومن المفترض أن يلتقي مع رئيس حزب “يمينا“ نفتالي بينيت مساء الخميس.
وما زالت إسرائيل منشغلة بما شهدته جلسة الكنيست الأولى حينما عبر ريفلين الذي ستنتهي ولايته بعد شهرين عن اشمئزازه وصعوبة قراره بتكليف من هو متهم بتهم فساد وحينما غاب عن طقس التقاط صورة تذكارية مع رؤساء الكتل البرلمانية بخلاف الماضي كجزء من احتجاجه على بقاء نتنياهو في الحكم وتمسكه به رغم لوائح الاتهام مما دفع قادة “الليكود” لمواصلة هجماتهم عليه.
وانضمت صحيفة “هآرتس“ اليسارية لهذا الهجوم على ريفلين ولكن من زاوية معاكسة بقولها في مقال افتتاحيتها إنه كان ينبغي على ريفلين الامتناع عن تكليف نتنياهو وأن يقدم استقالته انتصارا للديموقراطية واحتجاجا على التعايش مع الفساد وخطاب الكراهية والتحريض والتشظي بدلا من الاكتفاء بالتذكير الطوباوي بضرورة عيش الأسباط الإسرائيلية معا.
حسب التقديرات والتسريبات سيحاول نتنياهو إقناع بنيت بالانضمام لائتلاف برئاسته مقابل منحه الكثير من الصلاحيات والحقائب الوزارية
وحسب التقديرات والتسريبات سيحاول نتنياهو إقناع بنيت بالانضمام لائتلاف برئاسته مقابل منحه الكثير من الصلاحيات والحقائب الوزارية رغم أن حزبه صغير ويعد سبعة مقاعد وذلك كي يمنعه من الانتقال للمعسكر المناهض له برئاسة يائير لابيد رئيس حزب “هناك مستقبل”. بالإضافة لحاجة نتنياهو لدعم نفتالي بينيت الذي جمعتهما خصومة قديمة يحتاج أيضا لموافقة حزب “الصهيونية الدينية“ الذي يمثل المستوطنين ويدعم نتنياهو لكنه يرفض اعتماده على دعم خارجي من قبل القائمة العربية الموحدة (الحركة الإسلامية) برئاسة النائب منصور عباس لأنه دون هذا الدعم الخارجي لا يملك نتنياهو أغلبية تتيح له تجاوز عتبة الـ60 مقعدا وتشكيل حكومة جديدة.
يوجد تكليف لنتنياهو من ريفلين لكن بلا تشريف أي لا يوجد لديه أي حكومة وفق قراءة خريطة الحلبة السياسية الإسرائيلية: لن تتفق “الصهيونية الدينية“ مع القائمة العربية الموحدة حتى ولو كانت لشهور قليلة مثلما لا يوجد منشقون من أحزاب أخرى يبني عليهم نتنياهو ورئيس حزب “أمل جديد“ برئاسة المنشق عن “الليكود” غدعون ساعر، والذي لن يستجيب لدعواته بالعودة “للبيت”. ولذا فإن من وصفته الصحافة العبرية في الماضي بـ”الساحر“ أو “أبو يائير“ بعدما غير جلده وتعامل مع فلسطينيي الداخل يجد نفسه هذه المرة بعد جولة رابعة بذات الحالة وبذات المأزق وربما أصعب.
يبقى نفتالي بينيت “هو صاحب البطاقة الحاسمة وأمامه حكومة يتناوب على رئاستها مع يائير لابيد بدعم نواب عرب وهذا أقرب أكثر من عودته وزيرا إلى حضن نتنياهو”. برأي عدد من المراقبين يبدو هذا سيناريو واقعيا أكثر فعلاوة على الرواسب والخصومة الشخصية القديمة مع نتنياهو وبحر الشكوك بينهما سيلتفت بينيت للعصفور باليد بترسيمه رئيسا للحكومة في الشهر القادم وهو قائد حزب مع سبعة مقاعد مما سيدفعه قدما في جولات انتخابية مستقبلية رغم التحالف مع أحزاب من “المركز واليسار“ والدعم العربي الخارجي.
في المقابل يبدو قبول “الصهيونية الدينية” (التي تشهد منافسة ومزاودات مع “يمينا” كونهما تنتميان لذات جمهور المستوطنين بالأساس) بأي نوع من التعاون مع القائمة العربية الموحدة في حكومة يرأسها نتنياهو سيناريو من الخيال. وإذا كان ولا بد من المشاركة في صياغة حكومية تعتمد على نواب عرب يرجح مراقبون أن يختار بينيت حكومة يكون فيها هو رئيسا لا وزيرا- مع لابيد لا مع نتنياهو خاصة وأن الحديث يدور عن حكومة تغيير مؤقتة يكون بمقدوره تمريرها.
بينيت وبسبب كل ما قيل سينتظر على ما يبدو فشل نتنياهو بتشكيل حكومة بعد انقضاء المهلة الممنوحة له (28 يوما) ليقول لجمهوره اليميني القريب من نتنياهو سياسيا: أعطينا نتنياهو فرصة وفشل “وأمامنا خياران إما حكومة بديلة أرأسها وإما الذهاب لانتخابات خامسة هي بمثابة كابوس لكم ولكل الإسرائيليين الذين تعبوا وسئموا الذهاب لصناديق الاقتراع”.
لكن كثرة الأحزاب الإسرائيلية الصغيرة (وبدون فوارق أيديولوجية بين الكثير منها) وتضخم “الأنا“ وهيمنة الحسابات الشخصية والتناقضات الأيديولوجية وصعوبة هضم الاعتماد على نواب عرب ربما يدفع المعسكر المناهض المعارض لنتنياهو لتفويت الفرصة وبالتالي الذهاب لانتخابات خامسة.
لكن السيناريو الأقرب للواقع بنظر عدد غير قليل من المراقبين يكمن بتأسيس حكومة برأسين: بينيت مع لابيد. غير أنه بكل الأحوال حتى لو قامت حكومة فلن تصمد سوى شهور بسبب فقدان توازنها الداخلي وكثرة مركباتها وتناقضاتها. وتعكس الأزمة السياسية أزمة أعمق في صفوف الإسرائيليين: التطبيع مع الفساد ومواصلة التصويت لرئيس حكومة متهم بتهم خطيرة وطغيان الحسابات الشخصية على حساب المصالح العامة.
تتعمق هذه الأزمة وهذه الصراعات الداخلية ذات الطابع الشخصي داخل دولة الاحتلال نتيجة عدة أسباب منها ازدياد ثقة إسرائيل بنفسها بعد الانهيارات والتطبيع في العالم العربي وحالة الضعف الفلسطينية واستمرار تعامل العالم معها بقفازات من حرير. منذ عدة سنوات تشهد إسرائيل هذه الحالة المعتلة المتجسدة بحالة تشظي وصراعات متفاقمة جوهرها غير جوهري وليس سياسيا.
أما مجمل ما شهدته البلاد في الأسابيع الأخيرة حول دور ومشاركة النواب العرب في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) فما زال ينطبق عليه القول الشعبي “رضينا بالبين والبين ما رضي فينا” إذ تبدي أغلبية الأحزاب العربية التقدم خطوة للأمام والمشاركة بدعم حكومة مستقبلية من منطلق التأثير لجانب التمثيل السياسي غير أن عدة أحزاب صهيونية تعارض أي تعاون حتى لو كان غير مباشر من “مناصري الإرهاب”.
ومع ذلك اللافت هو استمرار تقدم مسيرة الاندماج والمشاركة العربية في اللعبة الإسرائيلية خطوات إلى الأمام ضمن مسيرة طويلة بدايتها في أول انتخابات للكنيست عام 1949 يوم شارك العرب الفلسطينيون المتبقون في وطنهم بنسبة تصويت 90% معظمها لحزب “مباي“ الحاكم في سبيل تأكيد المواطنة والبقاء واتقاء شر التهجير وقتها.
ويبدو أن قادم الأيام ينذر بالمزيد من المشاركة باللعبة الإسرائيلية لأن غالبية كبيرة من المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل لا تكتفي بمقاتلة الناطور وتريد عنبا بسبب تراكم المشاكل الحياتية الملحة، حتى وإن كانت تنسى أو تتناسى أنهم شريك أساسي في ملكية الكرم وأصحاب البلاد أصلا ولذا تتزايد الدعوات للعودة لموازنة العمل البرلماني بالجماهيري وللتثقيف والتعبئة وبناء معادلة صحيحة كفتاها الوطن والمواطنة.
هذا المزاج الشعبي السائد في أراضي 48 هو الآخر ينم عن مسيرة وصيرورة بدأت قبل سنوات بداياتها النكبة ومشروع الأسرلة المنهجية في المدارس والإعلام والحكم العسكري (1948-1966) وتفاعلت لاحقا نتيجة تبعات “الربيع العربي“ والتطبيع وتراجع الأحزاب العربية في ظل تردي مكانة اليسار والأحزاب في كل العالم، تراجع العمل الجماهيري وعن التثقيف والتعبئة بعد إغلاق الفروع والنوادي داخل البلدات العربية من الجليل إلى النقب مما يؤدي لفراغ كبير بالوعي السياسي لدى أوساط واسعة من فلسطينيي الداخل خاصة أن 70% منهم شباب دون جيل ال30.
إن خرق نواب الجبهة والتجمع الثلاثاء لتقاليد قسم الولاء بتغيير النص والتأكيد على أنهما يقسمان على مواصلة النضال من أجل العدالة والديموقراطية الحقة وضد العنصرية ونظام الفصل العنصري إشارة احتجاج ورسالة شرعية لكن هذه لا تخلو من غمزة نحو القائمة العربية الموحدة والإشارة للفارق في الروح بينها وبين المشتركة، بيد أن مثل هذه الإشارات لا تغني عن الإصلاح العميق الشامل في أحزابها وفيها وفق ما يراه كل المحللين والمراقبين المتابعين للمشهد السياسي داخل أراضي 48 خاصة أن نتائج الانتخابات الأخيرة للكنيست الـ24 جلبت معها هزة أرضية سياسية بالنسبة لهذه الأحزاب العربية التي رغم تراجع قوتها ما زالت تشكل عائقا أمام تشكيل حكومة مستقرة بسرعة خاصة من قبل نتنياهو.