باراك. عندما خاض شارون المنافسة في مواجهة ايهود باراك في عام 2001، قام صديقه ومستشاره رؤوبين أدلر بحل مشكلة الهياكل في التابوت قائلا له: فلتتصرف وكأن حرب لبنان لم تكن، قال لشارون وأمره بالصمت طول كل الحملة الانتخابية. الحيلة نجحت وها هو باراك يقوم باستخدامها الآن في انتخابات حزب العمل الداخلية. من الممكن التخمين بأن مستشاريه قد قالوا له: تخيل بينك وبين نفسك وكأن قمة كامب ديفيد لم تكن، إنسَ الانسحاب أحادي الجانب من لبنان، والمهم أن تُقلل من الكلام.
باراك يتصرف أكثر من أي سياسي آخر وكأنه مستثمر في البورصة. هو ينظر الي الأمام دائما ويتجاهل ما فعله وقاله في الماضي. الاسئلة التي تُطرح عليه كرئيس للوزراء تُرهقه وهو يُفضل الخوض في المستقبل. لهذا النهج ايجابياته: باراك يميل أقل من غيره الي الحسابات الشخصية، وهو قادر علي اعطاء تقييم جديد للوضع، ومتحرر من الامور الجمودية. إلا أن لهذا النهج نواقصه ايضا: التصريحات والأفعال الماضية تميل لملاحقته، ومن يحاول الفرار منها يبدو كمتحايل مُخادِع وانتهازي.
في نهاية الحساب تميل وسائل الاعلام والتاريخ الي التسامح مع القادة الذين يُغيرون آراءهم مثل بن غوريون في اتفاق الانسحاب من سيناء في عام 1956، ومناحيم بيغن وموشيه ديان في السلام مع مصر، واسحق رابين في اوسلو، وشارون في فك الارتباط. غولدا مئير واسحق شمير، اللذان بقيا أكثر من غيرهما في الحكم، يبدوان في وقت لاحق كعنيدين ومُضيعين للفرص.
ما الذي يمكن الاستدلال عليه من ذلك حول سلوك باراك المستقبلي اذا انتصر في التمهيديات وانضم للحكومة كوزير للدفاع؟ مصلحته السياسية تلزمه بالانعطاف يمينا وإزالة ذكريات كامب ديفيد نهائيا والاظهار أنه الشخصية الأمنية الأكبر من الجميع. هذا النهج ينخرط جيدا في أجواء الحرب الحالية في اسرائيل وفي رسالة حملة باراك التي تُبرز وتُركز علي تجربته العسكرية. اذا كان عمير بيرتس يقوم بتصفية صغار حماس في غزة، فباراك سيُظهر للجميع أنه قادر علي الوصول أبعد وأعلي منه في ضرباته. ايهود اولمرت قصف بيروت، إلا أن أحدا لا يعرف الي أين سيصل باراك في المقابل. من يحن لمشروع تقسيم القدس وخطة كلينتون سيضطر الي التحلي بالصبر.
بيريس. في كل مرة تقترب فيها منافسته علي منصب بارز، يميل شمعون بيريس الي القول: ولماذا أحتاج هذا المنصب؟. ولكن مثلما يقول السياسيون أمام التلفاز ليست هذه القضية التي تثيرها مسألة ترشيحه لنفسه لرئاسة الدولة. القضية هي اذا كانت الدولة بحاجة الي ذلك، والجواب يثير شكوكا كبيرة اذا كان بيريس سيحترم هذه الدولة أكثر اذا كان في الرئاسة أم في الحكومة.
تقرير فينوغراد يُظهر بيريس كصوت نادر من الحِكمة والتعقل في حكومة اولمرت ايضا عندما لم يكافح من اجل مواقفه. هو يُصر، كنائب لرئيس الوزراء، علي دفع مشاريع مثل وادي السلام في العَرَبَة والبحث عن مسارات توصل الي العالم العربي حتي عندما يعتقد من حوله أنه غارق في الخيالات والأوهام. خسارة حبس هذه الطاقات داخل بدلة الرئيس الفارغة. ما من شك أن بيريس سيكون ممتازا في المهام الرئاسية الفخرية، ولكن شخصا آخر غيره يمكنه أن يفعل كل ذلك ايضا. ولكن من الذي سيسأل رئيس هيئة الاركان عن الحِكمة في خطته عشية اجتياح قطاع غزة، ومن الذي سيحلم بـ وادي السلام في حكومة من دون بيريس؟.
نتنياهو. رشقات القسام تُسهّل علي اولمرت إبقاء حزب العمل في حكومته وإبعاد تهديد الانتخابات المبكرة. بعد أن يجتاز انتخابات حزب العمل سينقض علي هدفه التالي: بنيامين نتنياهو. اذا نجح في تشكيل فريق الأحلام مع باراك في الدفاع ونتنياهو في المالية سيتحول في لحظة واحدة الي موحِّد للصفوف. من الممكن تخيل زيارة الانتصار التي سيقوم بها لواشنطن مُعززا برئيسي وزراء سابقين من اليمين ومن اليسار مع اغلبية ضخمة في الكنيست حيث سيتحدث حينئذ مع جورج بوش حول المواجهة مع ايران.
مصلحة اولمرت واضحة. من دون الليكود في الحكومة سيكون أسيراً بيد وزير الدفاع من العمل. ضم الليكود سيتيح لاولمرت تطبيق مبدأ فرِّق تسُد. وماذا سيكسب بيبي من ذلك؟ اذا اعتقد أن الانتخابات تبتعد بينما تتكتك اجهزة الطرد المركزية في نتانز الايرانية، قد يقع في إغراء المنصب البارز في الحكومة التي ستتولي أمر ايران بدلا من الجفاف في صحراء المعارضة.
الوف بنمراسل سياسي في الصحيفة(هآرتس) ـ 24/5/2007