الناصرة- “القدس العربي”: تدخل الحرب على غزة يومها الثمانين دون تحقيق أي من أهدافها المعلنة، وسط تشكيك متصاعد ودعوات للبحث عن مخارج منها، فيما يجتمع مجلس الحرب الإسرائيلي اليوم للتداول في صفقة مصرية كبرى مقترحة تتفاوت الروايات والتسريبات الصحافية حول تفاصيلها. ويأتي ذلك تزامنا مع الكشف عن عدد كبير من الجنود الإسرائيليين القتلى والجرحى في جنوب وشمال قطاع غزة، وارتكاب مذابح جديدة بحق المدنيين كما حصل داخل مخيم المغازي ليلة أمس. كما تواصل الولايات المتحدة منح إسرائيل الغطاء لمواصلة الحرب المتوحشّة على غزة التي تسبب دمارا هائلا مضاعفا عما شهدته أفغانستان والعراق وسوريا، كما تؤكد صحيفة “واشنطن بوست” في تحقيق جديد.
في اتصال هاتفي هو السابع عشر منذ بدء الحرب على غزة بين الرئيس الأمريكي جو بايدن وبين رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أمس، قال الأول إنه لم يطلب من إسرائيل وقف النار ويبدو أن ما يحرّكه في هذا الموقف الأعمى ليس فقط الخوف على صورة وهيبة إسرائيل وأمريكا أيضا وعلى المصالح الأمريكية المختلفة، ويبدو أن بايدن الذي يعرّف نفسه بـ “الصهيوني” قد استنتج أنه بات مبللا وملوثا أخلاقيا وسياسيا وهو في حالة هروب للأمام ولم يعد لديه ما يخسره.
لكن إغراق غزة بالدم بدعم أمريكي غير مسبوق لا يهدئ حالة القلق المتصاعد في الشارع الإسرائيلي، من استمرار النزيف المتمثل بخسائر بشرية والتورّط بحرب استنزاف على غرار الاحتلال السابق لجنوب لبنان، مما يعني أن الضغوط الإسرائيلية الداخلية من شأنها التأثير على مصير الحرب ونهايتها أكثر من الضغوط الخارجية. ويعبّر عن هذا المزاج المتزايد داخل الشارع الإسرائيلي محلل الشؤون العسكرية في صحيفة “هآرتس” عاموس هارئيل الذي يشير من جهة إلى أن صفقة نتنياهو-بايدن تقضي بتزويد قطاع غزة بالمساعدات الإنسانية مقابل مواصلة الدعم الأمريكي للحرب على غزة، رغم أن المساعدات الوافدة تدخل للقطاع بكميات شحيحة ما دفع منظمة الصحة العالمية للتحذير اليوم من تفشي الجوع. ومن جهة أخرى يشير هارئيل أنه على خلفية العدد الكبير للجنود القتلى والجرحى لست واثقا من أن الضوء الأخضر الأمريكي يخدم مصالح إسرائيل اليوم، وأن الصفقة المصرية المقترحة الآن من شأنها إبقاء حضور حمساوي داخل القطاع في اليوم التالي للحرب.
ومن شأن الحسابات الداخلية الإسرائيلية، أن تكون أكثر فاعلية بالضغط على حكومة الاحتلال للبحث عن سلم ينزلها عن شجرة الأهداف العالية للحرب، التي تجبي أثمانا من الاحتلال رغم اختلال ميزان القوى بشكل مريع، فالجنازات التي باتت مشهدا يوميا متكرّرا داخل إسرائيل مع اتساع الهوة بين الرواية الرسمية حول الانتصارات ومواصلة الحرب دون توقف، وبين الحقائق على الأرض تنتج تشكيكا متزايدا داخل الشارع الإسرائيلي بجدوى الحرب وبأهلية الجيش على تحقيق الأهداف العالية لا سيما أن عددا غير قليل من العسكريين في الاحتياط ومن المحللين الصحافيين يحذّرون من إدارة مغلوطة للحرب.
ويعبّر عن هذا الشك الإسرائيلي الآخذ بالاتساع، المعلق السياسي ناحوم بارنياع الذي قال الإثنين إن هذه الحرب قد أديرت منذ اليوم الأول وفق أهداف لا تتطابق مع الواقع. وأضاف في مقاله المنشور في صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، أنه يرى أن حكومة حكيمة كانت ستضع منذ البداية سلم أهداف قابلة للتطبيق: خلق شروط لاستعادة المخطوفين، تفكيك قدرات حماس القتالية والمدنية، استعادة الشعور بالأمان وترميم المستوطنات وبناء نظام حكم بديل داخل القطاع. ويخلص بارنياع للاستنتاج بأن أقدام إسرائيل في الهواء بقوله على غرار مراقبين إسرائيليين آخرين، إن تدمير خلية هنا وتدمير نفق هناك لن يغيّر واقع الحال في جنوب القطاع ويضيف”هذا هو الوقت للعودة للأرض وتسريح جنود في الاحتياط وتقليص القوات واقتصار القتال على ما هو مهم”.
على خلفية الخوف من اتسّاع التشكيك في الشارع الإسرائيلي بالادعاء بأن الحرب ستعيد المحتجزين وتدمير حماس، والتشكيك بحسابات نتنياهو المتهم بخلط الأوراق، سارع نتنياهو أمس مجددا لمحاولة تمكين الجبهة الداخلية وترميم الحصانة في الوعي ومنع تسلل الشكّ بقوة أكبر لسد المناعة وانهياره. وبدا في شريط متلفز متعبا وهو يحاول حشد الدعم لمواصلة الحرب على غزة والترهيب من وقفها بقوله، “إننا نعمّق القتال ونواصله حتى الانتصار على حماس” زاعما أن هذه الطريقة الوحيدة لاستعادة المخطوفين، وتدمير حماس وضمان عدم قيام تهديد جديد على إسرائيل داخل القطاع. وعبر نتنياهو عن أمنيته المقرونة بالخوف من تبددّها بقوله إن “العملية تستغرق وقتا لكننا موحّدون جنودا وشعبا وحكومة، ونحن مصممّون على القتال حتى النهاية وللحرب ثمن باهظ من ناحية حياة الجنود الأبطال ونحن نفعل كل شيء للحفاظ عليهم بيد أننا لن نفعل أمرا واحد وهو التوّقف عن القتال، حتى نحقق النصر”.
وبفارق ساعة ظهر رئيس إسرائيل يتسحاق هرتسوغ الذي حاول في “خطاب للأمة” التحذير من عودة خطاب التشظية وتبادل الاتهامات والانقسام، فحاول دفع الإسرائيليين لهجر خلافاتهم الداخلية والتمسّك بما يوحدهم ملوحا بفزاعة حماس: “العدو يراقبنا ويرى معارك “الأنا” وخطابات نحن وهم في الشارع الإسرائيلي ويحتفل”. محذرا من تبعات عودة الإسرائيليين لما كان حتى السادس من أكتوبر، واستذكر هرتسوغ “مشاهد القتل والاغتصاب” التي قامت بها “حماس” في السابع من أكتوبر في غلاف غزة. وبذلك حاول هرتسوغ أيضا على غرار نتنياهو تعزيز الناحية المعنوية ومنع انهيار الجبهة الداخلية من خلال إيقاد موقدة القبيلة الإسرائيلية ولم الإسرائيليين حولها ودفعهم لسلوك القطيع المؤيد بالإجماع للحرب في ظل تنامي الشكوك حول جدواها وحساباتها.
وجاء ذلك على خلفية تجدد التراشق بين اليمين واليسار، وداخل الحكومة ذاتها كما تجلى في تصريحات وزير الاقتصاد الذي اتهم مجلس الحرب بدفع الجيش لتقليل هجماته الجوية بضغط أمريكي رغم أن ذلك يسبب قتل المزيد من الجنود الإسرائيليين. في نطاق هذه الانقسامات وقيام نتنياهو بخلط الأوراق وقيادة حملة سياسية حزبية وشخصية منذ شهر دعت صحيفة “هآرتس” في افتتاحيتها الإثنين للإطاحة بنتنياهو في ذروة الحرب، معللة ذلك بالإشارة لمسؤوليته عن إخفاقات ما زالت تتدفق.
رغم ما ورد أعلاه لم تعلن إسرائيل رسميا رفضها للصفقة المصرية المقترحة، وربما لأنها معنية ببعض بنودها وبعض مراحلها الثلاث وربما تحاذر في إهانة الجانب المصري برفضها علانية ولذا سيتداولها مساء اليوم مجلس الحرب. وعلاوة على الصفقة المصرية المقترحة كشفت الإذاعة العبرية العامة عن تداول مجلس الحرب أيضا في الفترة الأخيرة مقترحا لإجلاء قيادات حماس لخارج القطاع.
وأكدت مصادر إسرائيلية للإذاعة العبرية العامة، أن المستوى السياسي والعسكري تدارس الفكرة شريطة أن لا يتعارض ذلك مع أهداف الحرب، وتنقل الإذاعة عن مصدر إسرائيلي آخر قوله إن “هناك بعض الدول المستعدة لاحتواء قادة حماس بعد إجلائهم من القطاع مثل السعودية أو الجزائر.و بحال قبلت حماس بذلك جدلا هل ستنتهي الحرب؟ عن ذلك قال مصدر إسرائيلي،حسب الإذاعة العبرية، إن هذا لا يتناقض مع أهداف الحرب لأن إجلاء القيادة يعني تدمير القدرات السلطوية لحركة حماس خاصة مع وجود فرصة لاغتيالهم مستقبلا وان هذا منوط بقدرة اسرائيل على وضع اليد عليهم”. بصرف النظر عن جوهر وجدوى مثل هذه المقترحات ومصدرها، فإن مجرد التداول فيها يعني أن إسرائيل عمليا وبخلاف مواقفها المعلنة، تبحث عن سلم للخروج من حرب لم تقدّر أن تطال 80 يوما، وتكون كلفتها باهظة لها أيضا، خاصة أن القتال مع حزب الله يتسع تدريجيا وتخشى التدهور على جبهتين في نفس الوقت، وأن 100 ألف نازح إسرائيلي من الجليل الأعلى باتوا يبدون تململا من استمرار عيشهم بعيدا عن مستوطناتهم الحدودية ويتكبدون خسائر مادية ونفسية.