الحكمة التقليدية في أوساط معارضي نتنياهو مروعة جداً: سيفوز في الانتخابات، وسيشكل من جديد الائتلاف المتطرف وغير الديمقراطي وسيبدأ بحملة من التشريع والتطهير التي تستهدف إنقاذه من مشاكله القانونية. شرط أول لتجسيد هو فوز حاسم لليكود: كل مقعد آخر سيساعد على تهدئة خوف نتنياهو الشديد من محاولة الرئيس رؤوبين ريفلين القاء مهمة تشكيل الحكومة على مرشح آخر، وفي الوقت نفسه إعطاء قوة زائدة لتصريحه المتوقع بأن نتائج الانتخابات هي بمثابة اهتمام عام يعطيه التفويض لاجتثاث خصومه.
من أجل تحقيق هدفه، سيحاول نتنياهو تكرار الانحراف الحاد نحو اليمين الذي مكنه من تشكيل ليكود كبير في الانتخابات السابقة من خلال «سحب المقاعد» من خصومه في اليمين. هذه المرة، يدور الحديث عن مخاطرة متزايدة: تكبير الليكود في وقت الانقسام في اليمين يمكنه أن يسقط جزءاً من الأقمار التي تدور في فلكه إلى ما تحت خط الحسم والمس باحتمالات نتنياهو في تشكيل ائتلاف يميني مهيمن، يدعم جهوده للخلاص من رعب المحاكمة. في هذا السيناريو سيضطر نتنياهو إلى التوجه إلى الوسط من أجل تشكيل حكومة يمين معتدلة، التي سيجد معها صعوبة في إدارة حرب تدميرية ضد محققيه والمدعين ضده. المحللون سيعتبرون ذلك انتصاراً باهظ الثمن، على صيغة إذا أردت الإمساك بالكثير فلن تمسك شيئاً. ولكن ليس مؤكداً أن نتنياهو يتفق معهم على ذلك.
الدليل على ذلك سنجده في النبأ الذي نشر مؤخراً في موقع «واللاه» الذي يقول إن السفير الأمريكي ديفيد فريدمان قال في محادثة مغلقة إن الإدارة الأمريكية تنوي تقديم خطتها للسلام بعد الانتخابات مباشرة دون انتظار تشكيل الحكومة الجديدة. التوقيت الغريب ظاهرياً يشير إلى محاولة الإدارة الأمريكية التأثير على تشكيل الحكومة القادمة وجعلها تميل إلى الاعتدال ـ النبأ الذي لم يكن لينشر دون موافقة نتنياهو الصريحة.
نتنياهو مثل قوزاقي يطارده اليسار بسبب رفضه السلام
نتنياهو توسل للإدارة الأمريكية بعدم نشر خطتها قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع، خوفاً من أن كل شيء، باستثناء الرفض المطلق الذي لا يخطر بباله ـ سيسمح بخصومه من اليمين النبش في أخطائه السابقة، بدءاً من تبني اتفاقات أوسلو وحتى خطاب بار ايلان من أجل إبعاد مصوتي اليمين الواضحين إلى أحزاب ستحافظ عليه. الديناميكية نفسها تسري أيضاً بعد نشر النتائج النهائية، فهي ستصعب عليه تشكيل حكومة يمين متطرفة وستفرض عليه التوجه إلى الوسط، بذريعة أن الأمر يتعلق بحكومة تسعى إلى السلام.
إن منطق هذا التكتيك مخبأ في ثنايا روحه المتناقضة. وعرضه مثل قوزاقي مسلوب يطارده اليسار بسبب رفضه صنع السلام ربما بدأ كموقف، لكنه تحول مع مرور الوقت إلى إيمان داخلي متقد. نتنياهو وأصدقاؤه من اليمين يعتقدون في أعماقهم أن الجهاز القضائي ينكل بمن يحبون أرض إسرائيل ويحابي أعداءها. اريئيل شارون هو المثال الواضح على ذلك: الانفصال كان الأخطبوط الذي دفعه شارون لليسار مقابل إنقاذه من قضية «الجزيرة اليونانية» وقضية «سيريل كيرن» اللتين اتهم فيهما مثل نتنياهو بتلقي الرشوة.
مع انسداد طرق هرب أخرى، فإن سابقة شارون يمكن أن تغري نتنياهو. التدخل الأمريكي هو وسيلة لاستنساخه. وهي تشير إلى احتمالية أن هدفه النهائي ليس محاربة مؤامرة اليسار ضده كما هو متوقع ويتم التعهد به، بل الخضوع له والاستجابة لمطالبه. مع القليل من المساعدة في البيت الأبيض فإن نتنياهو لا يريد فقط أن ينتخب من جديد لرئاسة الحكومة، بل أن يحفظ لنفسه خيار التحول، مثل شارون، إلى الأترج المحمي الذي يحافظ عليه اليسار ممن يطاردونه.
حيمي شليف
هآرتس 30/1/2019