بنيامين نتنياهو معروف بكونه من المعجبين بتشرتشل، ففي مكتب رئيس الحكومة في القدس معروضة صورة وتمثال للأسد الذي قاد بريطانيا في الحرب العالمية الثانية وقاد حلفاءها للنصر على النازيين.
يريد نتنياهو أن يتم تذكره كنبي الغضب الذي حذر من اتفاقات أوسلو ومن الاتفاق النووي الإيراني، ووقف وحده أمام المؤسسة الإسرائيلية وحكام الغرب الذين تملقوا ياسر عرفات وعلي خامنئي ـ مثلما حذر تشرشل في سنوات الثلاثينيات من الخطر المتجسد في أدولف هتلر أمام المؤسسة البريطانية التي فضلت التصالح مع ألمانيا. كما أن هنالك خطوط تشابه أخرى بين نتنياهو وتشرشل: الخلفية الأمريكية، وتدخين السيجار، والقدرة الخطابية وصياغة الشعارات، والميل للتصوير، والعيش على حساب أصحاب الملايين، وتركيز القوة السياسية. «الكابينت حقير، رجال بلهاء معظمهم لا يوافقون مع وينستون ولكن لا يستطيع أحد منهم أن يقول ذلك: وينستون ديكتاتور، وقراراته ليست قابلة للمناقشة، وزملاؤه يخافون منه». كتب هذا عن تشرشل نظيره الاسترالي روبرت متزيس، الذي زار لندن أثناء الحرب. وبالإمكان كتابة نص مشابه عن حكومة إسرائيل الحالية، وحتى إذا خففنا قليلاً من الإهانات.
ولكن الشبه الأكثر وضوحا بين تشرشل ونتنياهو يتعلق بسياستهما وليست في شخصيتيهما. السيد ونستون لم يكن هو الوحيد الذي وقف أمام هتلر ورفض التصالح معه، لقد كان أيضًا هو المؤيد المبهرج والأكثر وضوحا للإمبراطورية والكولونيالية البريطانية. لقد اعتاد كتّاب السيرة الشخصية المعجبون به تقزيم هذا الجانب من سيرته الطويلة، حيث كان يؤمن بتفوق العرق الأبيض، وخاصة الشعوب التي تتحدث الإنجليزية، على السكان الأصليين للمستعمرات.
لقد كان يحتقر الهنود وثقافتهم واحتقر بشكل خاص المهاتما غاندي («شخص بائس فقير نصف عار»). وقد نعت المحاربين من أجل حرية كينيا بـ«متوحشين مسلحين بالأفكار»، وسمى العرب: «قبائل بربرية أكلوا روث الجمال». في ذروة الحرب ضد هتلر، طلبت حكومته أن يقوم الجيش الأمريكي بتقليص ـ قدر الإمكان ـ وضع جنود سود على الأراضي البريطانية، وتشرشل رفض مساعدة الذين كانوا يعانون من الجوع الشديد في الهند، وكان لامباليًا إزاء ضحاياه الذين بلغ عددهم المليون، والذي اتهمهم بتخزين الطعام لأهداف المضاربة.
نتنياهو لا يتحدث بعنصرية واستعلاء كهذا، وإن كان، ومثل تشرشل، فخورًا بانتمائه للغرب وللّغة الإنجليزية، ولم يظهر في يوم ما أي قدر من الاهتمام بلغة العرب أو الإسلام وبثقافتهم أو بتاريخهم، أوطالبي اللجوء الأفارقة. هو يعتبر سيطرة إسرائيل على المناطق وعلى ملايين السكان الفلسطنيين فيها ضرورة قومية وأمنية بالضبط، مثلما قال قدوته بضرورة الإمبراطورية البريطانية وأهميتها.
النقاش السياسي في إسرائيل مليء بالمقارنات التاريخية الألمانية النارية. وهذا هو التاريخ الذي يعلمونه هنا، والأمثلة معروفة لكل إسرائيلي، وتثير المشاعر بسبب الكارثة. ولكن المقارنة مرفوضة، حتى بعد قانون القومية. إذا بحثنا عن تشابه بين إسرائيل الحالية وبين دولة عظمى أوروبية في سنوات الثلاثينيات فإن بريطانيا هي مناسبة أكثر بكثير لهذا الدور من ألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا أو هنغاريا.
لأن البريطانيين شكلوا ديموقراطية في وست منستر وديكتاتورية في الهند، وفي إفريقيا وفي فلسطين ـ بالضبط مثلما تفعل إسرائيل التي لديها ديمقراطية في تل أبيب وجفعات رام، و«رؤيا عدوانية» في نابلس والخليل. هنا يوجد شرف الإنسان وحريته، وهناك أوامر القائد العسكري للمنطقة. بالضبط مثلما كرّس البريطانيون طاقة لا تنفد لقضايا قانونية مثل حق الملك في الزواج من امرأة مطلقة أمريكية، في الوقت الذي سجنوا لسنوات طويلة زعماء حركات الاستقلال الهندية، غاندي، ونهرو. لا يقتصر التشابه على مواقف الزعماء؛ ففي بريطانيا لم تكن في يوم من الأيام حركة لها وزن مناوئة للامبريالية ومناوئة للكولونالية. ومنتقدو الإمبراطورية وقمع رعاياها ـ وقد كان هناك أناس كهؤلاء ـ مثل جورج اورويل، بفيلمه الكلاسيكي: «أطلق النار على الفيل» ـ لم ينتظموا في يوم ما كقوة سياسية ولم يثيروا احتجاجًا جماهيريًا مثل معارضي العبودية والفصل العنصري في أمريكا. البريطانيون أحبوا الإمبراطورية، ولو أنهم أحيانًا شعروا بعدم الرضى. السيطرة على الهند والطريق إليها اعتبرت كمصلحة وطنية أهم بكثير من حقوق الرعايا. كذلك في إسرائيل ليس هنالك معارضة حقيقية للاحتلال، فالنظام السياسي ينظر إلى السيطرة على المناطق وعلى الفلسطينيين من منظور ما بين أمر إلهي، وشظية في المؤخرة، وضرورة سياسية. («لا يوجد شريك»). الجميع يعيش مرتاحًا متعايشًا مع النظام المزدوج لاحترام الإنسان هنا، وأوامر القائد العسكري هناك. الأقلاء الذين يكشفون عن هذه الازدواجية يتم عرضهم في التيار العام الإعلامي والسياسي كخونة أو غريبي الأطوار.، الإمبراطورية البريطانية في نهاية الأمر لم تنهر بسبب احتجاج داخلي، أو بتصويت في الأمم المتحدة أو مقاطعة دولية. لقد انهارت لأن بريطانيا احتاجت لأمريكا من أجل إنقاذها في الحرب وفي الأزمة الاقتصادية التي أعقبتها، وثمن الإنقاذ كان استقلال الهند وفيما بعد المستعمرات الأخرى في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا.
كتب المؤرخ البريطاني «ريتشارد توي» في كتابه (إمبراطورية تشرشل) أن الأسد العجوز أدرك هذا جيدًا، بالرغم من أنه تحدث علنًا ضد تصفية الإمبراطورية، وفي حوارات خاصة وعد زملاءه بأن الكراهية ما بين الهنود والمسلمين تضمن بقاء البريطانية في الهند. وفشله في الانتخابات في نهاية الحرب حرر تشرشل من مهمة التصفية الفعلية، التي ألقيت على كاهل خليفته «كليمنت أتيلي».
كيف ستنتهي قصة نتنياهو؟
ألوف بن
هآرتس 5/10/2018