نتنياهو يمارس رقصته الأخيرة على أنقاض «وهم إسرائيل»… وأحلام المطبّعين دهستها أقدام المتظاهرين الإسرائيليين

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: الخبر الذي ألقى ظلاله أمس الأربعاء 29 مارس/آذار على الأوساط الدينية والشعبية كافة، وتصدر الصفحات الأول من الجرائد كان بشأن قضية الطفل الذي ظل الشغل الشاغل للرأي العام على مدار الفترة الماضية، حيث أمرت النيابة العامة، بتسليم الطفل شنودة مؤقتا إلى السيدة آمال إبراهيم التي عثرت عليه، بعد أن استطلعت النيابة رأي مفتي الجمهورية في ديانة الطفل في ضوء ملابسات التحقيق، وأصدر فتوى بأن الطفل يتبع ديانة الأسرة المسيحية التي وجدته وكلفت النيابة خط نجدة الطفل باتخاذ الإجراءات القانونية نحو إعادة تسمية الطفل باسم رباعي اعتباري مسيحي لأب وأم اعتباريين مسيحيين. وعلقت آمال على القرار، وهي تحتضن الطفل، وأطلقت الزغاريد: «مكنتش بنام الليل».
وظهر الطفل شنودة، في رفقة المحامي نجيب جبرائيل، وعدد من أفراد أسرته في وزارة التضامن الاجتماعي. جدير بالذكر أن القضية التي شغلت الرأي طيلة الشهور الماضية اشتملت على ثلاثة اتهامات، قبل أن تغلق القضية تشمل تزوير محررات رسمية “شهادة ميلاد”، شهادة زور من طبيب بأنه قام بتوليد السيدة، شهادة رسمية من الأنبا مارتيروس، أسقف عام كنائس شرق السكة الحديد في القاهرة، يزعم بأن كاهنا عثر على الطفل وقام بتسليمه للأسرة سرا بالمخالفة للقانون عن عمد وأن هذا الكاهن هو الوحيد الذي يعرف الأم الحقيقية للطفل، لكن هذا الكاهن ـ الشاهد الوحيد ـ مات؟ وعمت أفراح واسعة أوساط الشارع القبطي والكنيسة، بعد انتهاء المعاناة التي واجهها الطفل وأسرته البديلة، وأقرت الأجهزة المختصة بالتخلي عن اسم يوسف للطفل البالغ من العمر خمسة أعوام، الذي اختارته عقب الكشف عن واقعة التزوير، وتم السماح بإعادة اسم شنودة الذي اختاره الأبوان البديلان.
وحسب بيان سابق للنيابة العامة فإن الزوجين وقعا في فخ المخالفة القانونية حيث استخرجا شهادة تفيد بأن الطفل ابنهما ولم يتم الإعلان عن الحقيقة المتمثلة في العثور عليه داخل إحدى الكنائس، فيما قررت إخلاء سبيلهما لحسن النية، خاصة أنهما لم يرزقا بالولادة لأكثر من ثلاثة عقود كاملة.. ومن أخبار الحكومة: نشرت الجريدة الرسمية قرار الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء، باعتبار موقع سد الكفرة الأثري في منطقة وادي جروان، شرق التبين في محافظة القاهرة، البالغة مساحته 25 فدانا، أرضا أثرية. ومن أخبار الآثار: وافق المجلس الأعلى للآثار، على غلق زيارة هرم خوفو، الأكبر، من الداخل، للبدء في تنفيذ أعمال ترميمه وصيانته وسيتم فتح هرم منكاورع للزيارة من الداخل طوال فترة غلق هرم خوفو، اعتبارا من شهر يونيو/حزيران المقبل.
جريمة بحق الإمام

“عن فضيحة الإمام” كان هذا العنوان الذي اختاره الدكتور أحمد عمار المراجع والمدقق اللغوي لمسلسل “رسالة الإمام” ليعلق على الاتهامات التي وجهها الشاعر السوري حذيفة العرجي، بنسب أبياته الشعرية للإمام الشافعي. ونقلت “الشروق” عن عمار عبر حسابه في موقع فيسبوك: “بخصوص ما انتشر مؤخرا عن ورود بيتين على لسان شخصية الإمام في الحلقة الأولى للشاعر السوري حذيفة العرجي (إن ثبت أنهما له)، فأقول إن هذا خطأ لا يغتفر حقيقة، ولا يمكن الدفاع عنه بأي صورة من الصور، وإلا اعتبر ذلك مشاركة في الخطأ مرة جديدة”. وتابع: “الخطأ في الحالة العادية ليس خطأ المدقق اللغوي، فدور المدقق اللغوي هو ضبط النص الفصيح بنية وإعرابا، وهو ما يحدث بالفعل، وليس دوره البحث عن مرجع هذا النص، فهناك من هو مسؤول عن ذلك”. وواصل: “لماذا قلت (في الحالة العادية)؟ في حالتنا هذه كان يجب عليّ أنا الالتفات إلى الكسر العروضي الموجود في مطلع البيت الأول، فتقف قرون الاستشعار لتطلب البحث عن أصل البيتين، ولكن ما حدث أني وراء انشغالي بضبط النص لم ألتفت إلى ذلك”. وأكمل: “لهذا وبكل وضوح: أعتذر عن هذا الخطأ الكبير بقدر كبره، رغم أني لست المسؤول (الأول على الأقل) عنه”. وفيما يتعلق باتهام البعض لصناع المسلسل الديني باستخدام اللغة العامية، قال عمار، إنه في هذا الخصوص “استخدام العامية في حديث الشخصيات القبطية في العمل، فهذه رؤية درامية فضلت استخدام العامية بديلا للقبطية التي كان يستخدمها القبط في هذا التوقيت. هي رؤية درامية فنية لا علاقة لمصحح أو مدقق بها”.

ما زال يرقص

منذ صعود نتنياهو، مع كل أشكال اليمين المتطرف الذين تجمعوا في حكومته الأكثر تطرفا في تاريخ الدولة الإسرائيلية، أو اليهودية ـ منذ 8 عقود حتى الآن – والرجل من وجهة نظر أسامة سرايا في “الأهرام” يرقص على خشبة المسرح السياسى، ولا يتوقف، فحالة الخيلاء، والزهو فاقت الوصف، لكنه لم يبخل علينا بترجمتها للآخرين، وأعتقد أن عقله الضامن كان لا يتخيلها، أو لم يهضمها بعد، لأنها صعبة على الأكل والهضم معا؛ أن يكون مروضا لهذه الأنماط البشرية التي تجمعت في عقد واحد، لكنه ليس فريدا على الإطلاق، فهو عقد ممزق، ومهلهل، حمل تاريخ إسرائيل، وتطرفها مع الفلسطينيين، والعرب إلى حكومته، وقد وقف الخلق، يهودا وغيرهم، في الداخل والخارج، يتفرجون ماذا سيصنعون؟ وإلى أين يذهب هؤلاء بالدولة التي لم يبرح عمرها الـ7 عقود؟ هل يذهبون بعيدا؟ لكن الأمريكيين، ورئيسهم جو بايدن كانوا يعرفون، لم يدعوا الراقص الأول، أقصد رئيس الوزراء، قائد المجموعة، أو الأوركسترا الحاكمة في إسرائيل، لزيارتهم، حيث جرت العادة أنه أول من يصل إلى البيت الأبيض بعد الانتخابات، وتلاحقت الأزمات والرجل ما زال على الحلبة يرقص، وفجأة انفجرت تل أبيب، وما حولها مظاهرات، واضطرابات.. أيها الملك.. لقد انكشفت، جملة قالها الفيلسوف هراري.. لقد انكشفت، أنت وراء كل ما يحدث، أنت لست محاطا بمتطرفين، بل بأشخاص ضعيفي الشخصية، خرجت الأصوات لتقول لملكها كش ملك.. نحن نقلنا السلطة من الكابينت إلى الشارع، وحكومتك لن تسقط في الكنيست، لأنها غير موجودة، وسقطت في الشارع عندما عزلت يوآف جالانت، وزير الدفاع، لتخيف الجميع به، لكنك كنت ترمى وزيرك لتحمى عرشك.. هكذا تصور وهو يرقص، لكنه كان يترنح، وهكذا يسقط الملوك، ليس على المنصات، ولكن في الشوارع، ولهذا، فإن الإسرائيليين سيتذكرون مشهد مارس/آذار 2023، لأنهم يعزفون سيمفونية جديدة.

هزيمة رئيس الحكومة

المعركة الدائرة في إسرائيل بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وائتلافه الحاكم الذي يضم قوى اليمين المتشدد والجماعات الدينية المتطرفة في مواجهة قوى المعارضة اليسارية والعلمانية والليبرالية، أصبحت كما يرى عمرو الشوبكي في “المصري اليوم” تتركز حاليا حول تحويل قراره بتأجيل قانون السلطة القضائية استجابة لضغوط الشارع إلى سحب وإلغاء كامل، واعتباره كأن لم يكن. وقد أعلن نتنياهو قبل أيام «تعليق» النظر في مشروع الإصلاح القضائي إلى الدورة البرلمانية المقبلة، وأضاف: «من منطلق الرغبة في منع شقاق في الأمة، قررت تأجيل القراءتين الثانية والثالثة من أجل التوصل لتوافق واسع في الآراء». وجاء قرار نتنياهو بعد ساعات من نداء للرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ لوقف فوري للإصلاحات القضائية التي وصفها بأنها «تثير انقسامات في البلاد». أما زعيم تيار الوسط المعارض يائير لبيد، فقد انضم لقافلة طويلة من السياسيين الإسرائيليين الذين تباروا في انتقاد رئيس الحكومة، وقال: «لا يمكن لنتنياهو طرد شعب إسرائيل المعارض لجنون الائتلاف، وأن رئيس وزراء إسرائيل هو (في ذاته) تهديد لأمن إسرائيل». كما حذّر القضاء نتنياهو من أن تدخله في مشروع تعديل النظام القضائي «غير قانوني»، في ظل استمرار محاكمته بتهمة الفساد، وأمهلته المحكمة العليا أسبوعا للرد على التماس قدمته منظمة غير حكومية تطالب بإدانته بـ«ازدراء المحكمة». وقد أدى إعلان نتنياهو تأجيل بحث هذا القانون إلى تراجع قوى كثيرة عن الاحتجاج، لأن رفضها المشروع لم يكن على أساس خلاف سياسي حزبي ضيق، إنما اعتبرته يمس الأسس التي تقوم عليها دولة إسرائيل (ديمقراطية للإسرائيليين)، من فصل بين السلطات، واستقلال للسلطة القضائية، وتضم كثيرا من الدبلوماسيين والقضاة ورجال الإدارة وعدد من جنود وضباط الجيش، وخاصة الاحتياط، وكذلك النقابات العمالية. ولذا لم يكن غريبا أن يسارع الاتحاد العام لنقابات العمال في إسرائيل إلى إلغاء الإضراب العام الذي دعا إليه رفضا للمشروع، عقب إعلان نتنياهو تأجيل القانون، وهو ما مثل رضوخا جزئيا لمطالب المعارضين. والحقيقة أن موقف اتحاد العمال الإسرائيلي (الهستدروت)، الذي ألغى دعوته للإضراب العام عقب تأجيل نتنياهو القانون وإشادته بموقفه وسرعة استجابته لمطالب المحتجين يدل على أن هناك دائما قوى قادرة على حسم الصراع.

لماذا لا نهتم؟

ما تشهده إسرائيل من أحداث جسيمة لا يلقى منا عربيا إلا التناول السطحي فقط.. فهناك كما أوضح عبد القادر شهيب في “فيتو”من رأوا أن إسرائيل تعيش الربيع العبري، بعد أن داهمنا نحن الربيع العربي، وأنها سوف تتذوق ما سبق أن ذقناه نحن من مرارة انهيار دول.. بينما رَاه آخرون مثالا للحرص على استقلال القضاء والانتفاض الشعبي لحماية هذا الاستقلال.. وفي ظل ذلك غاب التناول بعمق لما يحدث في إسرائيل، الذي لم يقتصر على المظاهرات الحاشدة فقط، وإنما تخطاها للإضراب العام والعصيان داخل الجيش الإسرائيلي. غاب عنا أولا أن إسرائيل تعيش منذ وقت على صفيح ساخن، وتحديدا منذ أن تمكن نتنياهو من استعادة رئاسة الحكومة، وأن الاضطراب الذي تعيشه ليس سببه فقط مشروع نتنياهو للسيطرة على القضاء، وإنما له أسباب أخرى تراكمت حتى حدث الانفجار الحالي بعد مشروع السيطرة على القضاء. وغاب عنا أن نتنياهو ذاته وعودته إلى الحكم رغم تورطه في العديد من قضايا الفساد هو أمر ليس مقبولا من قطاعات واسعة داخل إسرائيل، وأن سنده الأساسي الآن فيها هم القوى والأحزاب الأكثر تطرفا، بل إنه لم يعد مقبولا حتى من الإدارة الأمريكيةَ ذاتها، وعدد من الحكومات الأوروبية. وغاب عنا أيضا أن حكومة نتنياهو تقوم منذ أن تشكلت تحت راية القوى الأكثر تطرفا باعتداءات واسعة وكبيرة على الفلسطينيين، وهي وإن كانت تتفادى الدخول في صراع عسكري ضد أهل غزة، إلا أنها تنفذ بنشاط خطتها الخاصة بتؤدة كل الضفة الغربية وإتمام الاستيلاء عليها، وهو أمر يفرغ حل الدولتين من محتواه. كما غاب عنا أن الجيش الإسرائيلي حاضر وبقوة في تلك الأحداث.. حاضر برفض وزير الدفاع لمشروع نتنياهو للسيطرة على القضاء.. وحاضر بعصيان بعض جنوده وتذمر بعض قياداته.. وربما يعتبرون السيطرة على القضاء تمهيدا قد يفضي لفقدان الجيش لنفوذه داخل إسرائيل، وهو النفوذ الذي حافظ عليه منذ نشأتها. باختصار.. ما يحدث في إسرائيل يحتاج لنظرة عميقة وعدم الاكتفاء بالتحليل الانطباعي فقط لأن تلك الأحداث سوف تكون لها تداعياتها علينا، ولعل أول التداعيات تمثل في كبح جماح التطبيع الخليجي الإسرائيلي، وهو ما فتح أبواب تطبيع العلاقات الخليجية مع إيران.

هزيمة أم مراوغة؟

لا تزال الاحتجاجات الإسرائيلية التي تتابعها جيهان فوزي في “الشروق” متواصلة في عدة مناطق داخل إسرائيل، على الرغم من إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رسميا وقف خطة الإصلاح القضائي مؤقتا. غير أن الواضح أنه تحت وطأة الضغط الشعبي والحزبي في إسرائيل، وتصاعد وتيرة المظاهرات التي اندلعت بشكل حاد منذ أكثر من شهر، أجبر بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة على إعادة النظر في التعديلات التي سيقدمها للكنيست لتغيير النظام القضائي برمته، خاصة أن جوهر هذه التعديلات يعني أن قرارات المحكمة العليا في إسرائيل، لن تبقى عليا أو مستقلة، حيث سيكون من حق الكنيست إبطالها، وهذا يعني أن نتنياهو حتى لو صدر بحقه حكم قضائي في قضايا الفساد المتهم بها، فسوف يتم إبطالها في الكنيست، أو هكذا كان يعتقد ويعول عليه. التراجع الذي بدا واضحا في تصريحات نتنياهو لم يأت من فراغ، فبعض الأحزاب المتحالفة معه، بدأت ترى المشهد من زوايا مختلفة عما سبق، أولها: أنها ليست على استعداد لتهديد مستقبلها السياسي من أجل حماية شخص رئيس الوزراء، وثانيا: لأن الغضب الشعبي العارم في إسرائيل امتد إلى جهازين حساسين في إسرائيل وهما الجهاز العسكري والأمني، فبالنظر إلى ما صرح به الناطق باسم الإدارة الأمريكية من أن ما يجري في إسرائيل يهدد الجهاز العسكري الإسرائيلي، فقد أصبح المشهد يبدو خطيرا ولأول مرة منذ حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973 وبات ينذر بمخاطر تهدد الوحدة الداخلية الإسرائيلية، كما يهدد درع إسرائيل الصلب، وهو الجيش والأجهزة الأمنية التي أصبحت تلعب دورا إقليميا واسعا.
ما زال حيا

من واقع الأسباب التي سجلتها جيهان فوزي فقد بدأ التحالف الذي صاغه نتنياهو بعناية بالتفكك التدريجي، باعتباره لاعبا سياسيا محترفا بامتياز، ومن هنا بدأت خطوات التراجع إلى الخلف، وربما برز هذا التراجع على أنه تكتيكي ومؤقت، لامتصاص غضب الشارع المتصاعد، لكن الأوساط السياسية والاعلامية ترى أن نتنياهو خسر المعركة فعلا، وهو لن يجازف ويخوض مثلها مرة أخرى، وعليه أن يجد طريقا آخر للتملص من براثن النظام القضائي الذي يعتزم الإجهاز على مستقبله السياسي بالحكم عليه في قضايا الفساد المتورط بها. لكن هذا لا يعني أن المشهد الحالي يعتبر تحولا دراماتيكيا في اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي؟ فالتحالف الواسع الذي شكله نتنياهو ما زال يمتلك نواة صلبة لن تتأثر بالتطورات الأخيرة، ولكنها أيضا لا يمكنها أن تضمن لنتنياهو البقاء في السلطة، دون دعم أحزاب يمينية أخرى، لأن قاعدتها الشعبية متأرجحة، فهي من جهة تميل لدعم نتنياهو بسبب سياساته المتطرفة، فضلا عما قدمه لها من حصص في الوزارات والأجهزة الحكومية، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل لهويتها اليمينية أن تنصهر في إطار غير مقبول شعبيا، كما أنها لا تريد أن تربط مصيرها بمستقبل نتنياهو نفسه، ولعل أهم ما يواجه هذه الأحزاب الآن هو غياب شخصية بديلة لنتنياهو، يمكن الدفع بها إلى واجهة المشهد السياسي كمنقذ لإسرائيل من هذه الفوضى الشاملة، وفي الوقت نفسه فإن نتنياهو وحلفائه الأقرب بعد تلقيهم هذه الصفعة، سواء من الشارع أو من الحلفاء وفي مقدمتهم الإدارة الأمريكية، باتت أولوياتهم الآن هي الحفاظ على التحالف الحكومي الواسع، في الوقت الذي يمكن فيه الانتظار قليلا لإيجاد مخرج من المواجهة بين نتنياهو والنظام القضائي. وبالذات إذا ما تعلق الأمر بالجهازين الأمني والعسكري اللذين كان لهما دور مستتر في الضغوط على نتنياهو، وحسب “وول ستريت جورنال” الأمريكية و”الغارديان” البريطانية، فإن رئاسة الأركان الإسرائيلية خاطبت نتنياهو مباشرة لتحذره من عواقب تلك الفوضى، التي أحدثها بهجومه على النظام القضائى، وتجاهله الفج لرأى الشارع والمؤسستين الأمنية والعسكرية، وهو ما أضعف موقف نتنياهو وعطّل مخططاته، وإرغامه على التراجع حتى لو كان مؤقتا كما يقول. فإذا أخذنا بعين الاعتبار المشكلة التي تواجه المؤسستين العسكرية والأمنية الإسرائيليتين، التي وضعتهما في موقف شديد التعقيد، خاصة بعد التقارب السعودي الإيراني الذي شكل صفعة على وجه إسرائيل، وقضى على حلم نتنياهو بقيادة تحالف إقليمي ضد إيران، الذي كان من شأنه أن يعزز التوجه الإسرائيلي الواضح لشن هجوم عسكري على إيران لشل قدرتها النووية.

قوى مهملة

يتساءل عبد الغني عجاج في “المشهد”: هل فكرت أي جهة رسمية أو غير رسمية في إعداد دراسة جادة عن عناصر القوة الناعمة المصرية، وتحديد مدى تأثير كل منها؟ وهل اهتمت أي دراسة أكاديمية بإعطاء درجات لعناصر ومفردات القوة الناعمة المصرية؟ والأهم هل اهتمت أي دراسة بالإجابة عن سؤال: هل ما زالت القوة الناعمة المصرية تؤثر في محيطها العربى والافريقي والإسلامي والعالمي؟ أم أنها تراجعت وتحتاج لجهد مضاعف لاستعادة تأثيرها وعافيتها. بكل صدق لا أملك إجابات موضوعية عن الأسئلة التي طرحتها، ومن قبيل الاجتهاد سأعدد بعض العناصر والمفردات التي أراها من وجهة نظري المتواضعة قوام القوة الناعمة المصرية.. بكل اقتناع يمكن القول إن الفنون المصرية في كل أشكالها من عناصر القوة الناعمة، وهنا يمكن إعطاء أعلى الدرجات لسيدة الغناء العربي أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب ومحمد فوزي ورياض السنباطي وعبدالحليم حافظ وشادية ونجاة ومن قبلهم سيد درويش، كما يتنافس على القمة نجيب الريحاني ويوسف وهبي ومحمود المليجي وحسين رياض وفؤاد المهندس وعادل إمام، هذا مع صعوبة حصر كل عناصر ومفردات القوة الناعمة المصرية في مجال الفن. العسكرية المصرية برموزها ليست فقط من عناصر القوة الصلبة، بل أيضا من عناصر القوة الناعمة المصرية بما قدمته من أبطال ورموز، ويكفي أن نذكر الشهيد الفريق عبدالمنعم رياض وإبراهيم الرفاعي وإبراهيم عبدالتواب والسيد زكريا، ويكفى أن نذكر الفريق الشاذلي والجمسي وأبو غزالة وحسني مبارك والطبيب المصري من عناصر القوة الناعمة المصرية، ويكفي أن نذكر مجدي يعقوب وحمدي السيد وأحمد شفيق والقصر العيني ومدرسته الطبية العريقة.

الأزهر المنسي

مضى عبد الغني عجاج محصيا المزيد من عناصر القوة المهملة التي لا تحسن الدولة الاستفادة منها: الأدب المصري من عناصر القوة الناعمة وهنا يصعب حصر نجوم هذا الأدب، وتقييم تأثير كل منهم ويكفي عظمة وشموخ الأسماء طه حسين وعباس العقاد ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وجمال الغيطاني ويوسف القعيد، والحقيقة أنني مهما اجتهدت فلن أستطيع حصر ولو جزء يسير من عناصر قوة مصر الناعمة… غير أنني أرى من وجهة نظري المتواضعة، أن الأزهر الشريف يتربع على قمة عناصر القوة الناعمة المصرية، خاصة في محيطنا العربي والافريقي والإسلامي، ويكفي أن خريجي الأزهر ينتشرون في كل قارات العالم، خاصة في افريقيا وآسيا، ويكفي ما يلقاه علماء الأزهر من احترام وتبجيل في كل مكان يحلون فيه.. ويكفي أن الأزهر قدم لنا شوامخ في حجم المراغي ومخلوف وعبدالحليم محمود والغزالي والباقوري ومحمد متولي الشعراوي وجاد الحق ومحمد سيد طنطاوي وأحمد الطيب. ويبقى أن أعترف بأن محاولتي لحصر بعض جوانب وعناصر قوة مصر الناعمة يشوبها الكثير من النقص، فكيف أنسى جامعات مصر.. وكيف أنسى زعماء مصر.. وكيف أنسى عمالقة دولة التلاوة والإنشاد، وكيف أنسى الأندية المصرية وأبطالها في الألعاب المختلفة.. وكيف أنسى الفلاح المصري الفصيح، والعامل المصري الفنان الذي ساهم في بناء معظم دول الخليج.. معذرة إن كنت قد قصرت كثيرا، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله.

بعد طول انتظار

رغم أن الحوار الوطني لم ينطلق رسميا حتى الآن، الآن إلا أن عماد الدين حسين في “الشروق” شديد التفاؤل به رغم كل الملاحظات والانتقادات، فقد حقق أهدافا كثيرة لا يراها كثيرون رغم أهميتها في انتظار الانعقاد الفعلي الأول في 3 مايو/أيار المقبل. الهدف الأول الذي تحقق، أننا لم يكن لدينا حوار سياسي بالمرة أو حتى كلمة سياسة بالمعنى الدارج قبل 26 أبريل/نيسان الماضي، وبعدها صار لدينا هذا الحوار والنقاش والجدل، حتى لو كان بطيئا ومتأخرا ولا يرضي الجميع. ثانيا: فإن حجم الاختلاف بين القوى السياسية قبل الحوار تراجع كثيرا مقارنة بما بعده، وقد زادت مساحة الثقة والصراحة والتفاعلات بين القوى السياسية، وصار بالإمكان فتح قنوات اتصال عليا لمناقشة القضايا المختلفة، على حد تعبير المنسق العام ضياء رشوان. ثالثا: في كل جلسة لمجلس الأمناء، كانت هناك مناشدة رسمية لرئيس الجمهورية للإفراج عن السجناء المصنفين «محبوسين رأي»، وقد استجاب السيد الرئيس مشكورا لغالبية هذه المناشدات، وتم الإفراج بالفعل عن أكثر من 1300 محبوس خلال الشهور العشرة الأخيرة، ولا ننسى أنه في اليوم الذي تم فيه الإعلان عن إطلاق الحوار، جرى إعادة تشكيل وتفعيل لجنة العفو الرئاسي. العلاقة الطيبة بين أعضاء مجلس الأمناء، رغم كل النقاشات والجدالات والخلافات التي يكون بعضها حادا، أثمرت عن مناخ مختلف أظن أنه قاد إلى إيجاد علاقة جديدة بين الدولة وغالبية القوى السياسية الممثلة في الحركة المدنية الديمقراطية. وبعد أن كانت الدولة لا تعترف عمليا بأي من المعارضة السياسية، صرنا نسمع عن لقاءات ونقاشات وتفاهمات وتفاعلات، وكلها تصب في صالح العمل السياسي الرسمي والشرعي وتقطع الطريق على دعاة العنف والإرهاب الذين يتضررون كثيرا من استمرار هذا الحوار ناهيك عن نجاحه. لكن هل كان الحوار الوطني ملائكيا لهذه الدرجة؟ الإجابة بالطبع هي لا وهناك تحديات كثيرة. سأحاول أن أعرضها بإيجاز لاحقا قبل أن نناقش الاختراق المهم باستجابة الرئيس السيسي لما جاء في الاقتراح العملي الأول والمهم لمجلس أمناء الحوار الوطني.

من يحاكمه؟

عشرون عاما مرت على جريمة أمريكا في العراق وهي من جرائم الحروب التي لا تسقط بالتقادم، خاصة كما يشير فاروق جويدة في “الأهرام” أن آثار الجريمة ما زالت حديث العالم وأن بطلها ما زال حيا يرزق، وأن محاكمة بوش أمام القضاء الدولي قد تأخرت كثيرا.. فقد سقطت كل مبررات الغزو الأمريكي فلم تكتشف أمريكا أسلحة الدمار الشامل التي غزت العراق بحثا عنها، ولم تبرر أسباب إعدام الرئيس العراقي، ولم تكشف حجم البترول الذي سطت عليه، ولم تحدد الأموال والمتاحف والقصور التي سرقها الجيش الأمريكي من كنوز العراق، ولم تعلن أمريكا حجم الأموال التي نهبتها من خزائن العراق.. ورغم كل هذه الجرائم ما زال الرئيس بوش يعيش آمنا ينعم بالأموال التي نهبها من تجارة البترول وما حققه من مكاسب.. كان ينبغي محاكمة بوش أمام المحكمة الجنائية الدولية كمجرم حرب “ولكن رئيس أمريكا أكبر من الحساب”.. إن ما حدث في العراق والخراب الذي لحق بواحدة من أغنى الدول العربية كان يتطلب محاكمة عاجلة لكل من شارك في هذه الجريمة، ابتداء بسرقة البترول وانتهاء بإعدام صدام.. مأساة العراق لم تكن مجرد جريمة، ولكنها كانت جريمة تاريخية سوف تذكرها الأجيال القادمة عن دولة عربية كبرى كانت يوما من أهم حصون هذه الأمة، وكانت الأغنى والأقوى، وكانت من معاقل التاريخ العربي الإسلامي، وأن التاريخ لن ينسى هذه الجريمة بعد آلاف السنين.. عشرون عاما مرت على احتلال أمريكا للعراق، وما زال العراق يلملم جراحه ويصلح ما تعرض له من الموت والدمار، وما زلت اعتقد أن الجريمة لم تسقط، فما زال بوش حيا يرزق ويظهر في كل المناسبات الكبرى في دهاليز سلطة القرار، بل إن أحد أبنائه يريد أن يترشح رئيسا لأمريكا.. أليس من حق الشعب العراقي أن يطالب بمحاكمة الرئيس بوش على جرائمه، أليس من حق أسرة الرئيس صدام حسين أن تطالب بالثأر ممن أعدمه؟ أليس من حق الشعب العراقى أن يطالب بحقوق الشهداء والضحايا وأن تعيد أمريكا ما نهبته من الأموال؟
فليرحمه الله

صدمة مؤسفة لقت اهتمام كرم جبر في “الأخبار” كشف عنها مؤخرا رئيس الوزراء العراقي السابق مصطفى الكاظمي، فحواها أنه شاهد جثة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، مرمية بين منزله ومنزل نوري المالكي، في المنطقة الخضراء في العاصمة العراقية بغداد بعد أن تم إعدامه على يد السلطات العراقية، وأن المالكي أمر ليلا بتسليمها إلى أحد شيوخ عشيرة الندا، (عشيرة صدام)، فاستلموها ثم دفنت في مدينة تكريت. وبعد 2012 عندما سيطر تنظيم “داعش” على المنطقة تم نبش قبر صدام، ما أدى إلى نقل الجثة لمكان سري لا يعرفه أحد، كما تم العبث بقبور أولاده، وكان صدام دفن داخل قاعة استقبال بناها هو نفسه في بلدة العوجة من دون ضجة. ويضيف الكاظمي أنه لاحقا صار قبره مزارا لأهل قريته وأقربائه حتى للرحلات المدرسية وبعض الشعراء الذين كانوا يأتون ويلقون قصائد في رثائه. انتهت تصريحات الكاظمي المؤسفة، وتتردد الأساطير حول قبر صدام حسين، ووصلت الخرافات إلى حد الزعم بأن البعض يراه ليلا يتجول في المقابر، وحاولوا أن يجعلوا مدفنه مزارا. صدام لم يكن خائنا ولكن خدعوه فظن أنه يملك جيوشا غاشمة، وفي الحرب اختفت طائراته ودباباته وصواريخه والنووي والكيميائي، وكأنهم كانوا ألعابا على الكمبيوتر. وتكررت ظاهرة التنكيل بجثث الأموات بصورة مشابهة مع الإرهابي أسامة بن لادن، فبعد أن تمكنت وحدة المارينز من قتله بطلقة في الرأس صوبها قناص في وكره الحصين قرب إسلام أباد، حملته إحدى المروحيات إلى قبره في مياه المحيط العميقة. وقال البيان الصادر وقتها إن وحدة المارينز الأمريكية دفنت بن لادن في البحر، وفقا للشريعة الإسلامية التي تشترط إكرام الميت بدفنه بعد ساعة من وفاته، ورتلوا على جثمانه دعوات الرحمة باللغتين الإنكليزية والعربية. أمريكا كانت تخشى أن يتحول قبره إلى مزار، فالخوف من الأموات يفوق الأحياء أحيانا، وهو ما فعله الثوار مع القذافي، فلا أحد يعرف قبره، وحجبوا رائحته بالجير الحي، وربما اغتالوا من قاموا بدفنه.

فقر إجباري

لم يجد محمد مصطفى أبوشامة في “الوطن” خير ما يعينه عن فك أسرار “فلسفة الصيام” سوى مقال للأديب والشاعر مصطفى صادق الرافعي نُشِرَ في ثلاثينيات القرن الماضي بين دفتي كتابه الشهير “وحي القلم”، تحدث فيه عن الصوم قائلا: هو “فقرٌ إجباري يُراد به إشعار النفس الإنسانية بطريقة عملية واضحة كل الوضوح، أن الحياة الصحيحة وراء الحياة لا فيها، وأنها إنما تكون على أتمِّها حين يتساوى الناس في الشعور لا حين يختلفون، وحين يتعاطفون بإحساس الألم الواحد لا حين يتنازعون بإحساس الأهواء المتعددة”. ومع ثبوت هلال رمضان، تتأرجح طموحاتنا كل عام، فننوي من اليوم الأول الاقتصاد في الطعام وعدم الإسراف، وبعد أن ينتهي إفطار هذا اليوم الأول، الذي يشتمل على كل ملامح الكرم الرمضاني المعروف لدى عموم المصريين، تتحطم وتنهار أحلام “الريجيم” الاقتصادي، بين صنوف الطعام والأطباق الشهية، ومعهم نردد كلمتين ساحرتين خفيفتين على اللسان تسكنان ضميرنا الغذائي وتخدره: «رمضان كريم». إن الكرم الرمضاني حقيقة نلمسها جميعا، ولكن للأسف يسيء بعضنا فهم هذا الكرم ويسرف في استهلاكه، ما يفسد عمله فيخرج مفلسا، وتضيع عليه العطايا الإلهية المتنوعة التي يهديها لنا المولى عز وجل في شهره الكريم. والحديث عن ارتفاع استهلاك المصريين (والمسلمين عموما) في شهر رمضان، ليس كلاما مرسلا، بل هو واقع أليم نعيشه كل عام، فالدراسات تؤكد أن نحو 83% من الأسر المصرية تغير عاداتها الغذائية خلال شهر رمضان، ويزداد استهلاك المصريين بشكل ملحوظ من جميع الأغذية، وحسب تقرير غرفة الصناعات الغذائية المصرية، «فإن معدلات استهلاك السلع الغذائية خلال شهر رمضان يرتفع بمعدل 70%، عن باقي أشهر السنة، ويرتفع استهلاك منتجات اللحوم والدواجن بنسبة 50%»، فيما أشار تقرير حكومي إلى أن الأسر المصرية تنفق على الطعام ما يوازي 45% من إجمالي إنفاقها السنوي، وشهر رمضان وحده يستأثر بالنصيب الأكبر منها مقارنة بباقي شهور العام. رغم هذا السلوك الاستهلاكي المنافي تماما للشهر الكريم، فإن الأشد قسوة هو ما كشفت عنه إحصائيات سابقة، موضحة أنه يتم إهدار نحو 1.3 مليار طن من الغذاء سنويّا حول العالم، وبتكلفة تزيد على تريليون دولار، وتُعدّ الدول العربية من أكثر الدول إهدارا للطعام، خصوصا في شهر رمضان، إذ تذهب أطنان من الطعام للنفايات، أننا أمام نمط سلوكي لا يقبله الإسلام، ولا يليق بالمسلمين الذين حَوَّلوا شهر الامتناع إلى صراع على الإشباع.. وتسابق معظمهم في شبق محموم على الملذات الزائفة، مفرطين في كل شيء، من الطعام إلى المسلسلات. ولا أضيف جديدا عندما أذكِّرُكم بحكمة الصوم، وقد انتخبت كلمات طيبات، مختصرات (بتصرف) من الخواطر الإيمانية لفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي “رحمه الله” في تفسيره للآية الكريمة من سورة البقرة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”، حيث ذكر أن الآية تحمل “تكليف محبة” من المولى عز وجل لـ”الذين آمنوا”، موضحا أن الصيام سبب لحصول التقوى، والتقوى ميزة عظيمة وهي جماع الخير، وقد كتب علينا الصيام لنتقي الله، أي نتقي غضبه، ولنهذب شهواتنا، فكل معاصي النفس تنشأ من “شَرَهِ مادِّيَّتِها”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية