نتنياهو يواصل “تهويش” الإسرائيليين على الدولة الفلسطينية بالتحذير من “جائزة للإرهاب”

حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”:

إضافة لإعلانه قراره بتعليق مداولات صفقة التبادل في القاهرة، أعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في مؤتمره الصحافي، السبت، عن رفضه عمليا للمبادرة السياسية الأمريكية المشتقة مما يعرف بـ”نظرية بايدن” والداعية لصفقة تبادل أسرى ضمن صفقة سياسية أوسع تشمل تسوية الدولتين، وتطبيعا واسعا مع السعودية وغيرها.

وتزامنا مع مظاهرات إسرائيلية تطالب باستعادة المحتجزين، وأخرى تدعو لانتخابات عامة مبكّرة، اعتبر نتنياهو أن موافقة على طلبات حماس تعني هزيمة لإسرائيل، وحاول تبرير موقفه المتعنّت بتوجيه إصبع الاتهام للحركة بالقول إنها لم تغيّر موقفها بأقل من سنتيمتر واحد ومطالبها فارغة.

وادعى نتنياهو في المؤتمر الصحافي الذي أطل فيه لوحده، أن مواصلة الحرب والضغط العسكري وتصليب الموقف في المفاوضات هما الطريق لصفقة تبادل ولاستعادة المحتجزين من غزة. وبذلك يجتر نتنياهو مزاعمه التي يعاود تسويقها كل مرة من جديد في إطار المعركة على وعي الإسرائيليين في محاولات منهجية لمنع انزياحهم إلى جانب عائلات المحتجزين والمشاركة في مظاهراتهم، وهذا ما يفسّر عمليات ترهيبهم المتكررة من “انتصار حماس”.

وكما فعل طيلة عقوده الثلاثة منذ اعتلى سدة الحكم في 1996، بادر نتنياهو ليلة أمس لاستثمار مشاعر الخوف الدفين لدى الإسرائيليين بخطاب شعبوي ديماغوجي، وذلك بالتلويح بفزاعة “حماس” والقول إن الاستجابة لمطالبها تعني خسارة خطيرة وجودية لإسرائيل.

حسابات رفح

على خلفية ذلك، يحذر محلل الشؤون العسكرية في صحيفة “هآرتس” عاموس هارئيل اليوم الأحد، من أن نتنياهو يزيد موقفه تعنّتا مما يعني أن احتمالات صفقة قريبة تتضاءل، وهذا يهدد حياة المحتجزين، خاصة أن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، سبقه بموقف متشدد.

ويكرّر هارئيل تقديره بأن موقف نتنياهو لا يخلو من حسابات سياسية، ويقول إنه حتى قادة المؤسسة الأمنية لا يخرجون عن طورهم من أجل الدفع نحو وقف للقتال يسرّع التحقيق في إخفاقاتهم واستقالاتهم من القمة.

وفي مظاهرة عائلات المحتجزين، قال لويس وفرناندو اللذين تم استعادتهما في عملية من داخل مخيم الشابورة في رفح قبل أيام في كلمتيهما أمام المتظاهرين، إنه لا يمكن استعادة الكل في “عمليات بطولية” ودعيا لصفقة تبادل.

وفي مؤتمره الصحافي، حاول نتنياهو تسويغ القرار الخطير الذي يبدي العالم تحفظا رسميا منه، والمتمثّل باحتلال رفح، بقوله إن كل من يدعونا لعدم دخول رفح، يقول لنا عمليا عليكم القبول بالهزيمة. وبذلك فهو ينوي تمديد أمد الحرب لاعتبارات مبدئية وأمنية، علاوة على السياسية- الحزبية الشخصية الطامعة لإطالة عمر حكومته بتمديد أمد الحرب.

فزاعة الدولة الفلسطينية

لذا، وعلى خلفية تقرير صحيفة “واشنطن بوست” حول مساعي الولايات المتحدة وعواصم عربية لتسوية شاملة تتضمن دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، حرص نتنياهو خلال على رفض المبادرة الأمريكية عمليا، وذلك دون أن يعلن رفضه لـ”دولة فلسطينية”، بقوله إن “حكومةً برئاستي ستواصل معارضة اعتراف أحادي الجانب بدولة فلسطينية”، وأضاف: “هذه جائزة لا يوجد أكبر منها للإرهاب”.

وفي مؤتمره الصحافي، لجأ نتنياهو من جديد إلى منهجية مخاطبة الغرائز ومشاعر الانتقام والشماتة والخوف لدى الإسرائيليين، بقوله إنه يرفض تسوية يتم إملاؤها من طرف واحد، مدعيّا أن الحل يكمن في بمفاوضات مباشرة. وهي مفاوضات أفرغتها حكومات الاحتلال من مضمونها وجعلتها ثرثرة مفتوحة إلى ما شاء الله (تطبيقا لما قاله رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق إسحاق شامير بعد مؤتمر مدريد عام 1992) واعتبرتها وسيلة وغطاء للتهويد وفرض الحقائق على الأرض.

كما حاول نتنياهو أمس، تسخيف فكرة التسوية والدولة الفلسطينية بالإشارة لتوقيتها، معتبرا أن الحديث عن دولة فلسطينية الآن، بعد السابع من أكتوبر، هو “جائزة للإرهاب”.

ووسط استغلال انزياح الإسرائيليين أكثر نحو اليمين بعد “طوفان الأقصى”، شدّد نتنياهو على كون الدولة الفلسطينية “جائزة” وكأنها إكرامية إسرائيلية للشعب الفلسطيني، وليست حقا طبيعيا تاريخيا مكفولا بالشرعية الدولية، بأن يستقل في وطنه، متجاهلا حقيقة كون “تسوية الدولتين” مصلحة إسرائيلية لأنها تمنح إسرائيل سيادة على 78% من فلسطين التاريخية ضمن اتفاق مع الفلسطينيين.

ضريبة شفوية

لكن ليس ائتلاف نتنياهو فحسب هو مَن يرفض فكرة الدولة الفلسطينية، بل لدى أغلبية الإسرائيليين حتى قبل السابع من أكتوبر، بمَن فيهم بيني غانتس، رئيس الحزب الدولاني الذي يطرح نفسه بديلا للحكم.

وطبقا لتسريبات إسرائيلية، قال غانتس في الاجتماع الأخير للمجلس الوزاري المصغّر ليلة الخميس، إنه يعارض دولة فلسطينية. قبل ذلك، منذ دخل معترك السياسة في نهاية 2018، تحاشى غانتس البوح بموقف صريح حول دولة فلسطينية، وحول الطريق لتسوية الصراع لاعتبارات مبدئية وسياسية داخلية تتعلق بمكانة وشعبية حزبه.

والأمر نفسه بالنسبة لرئيس المعارضة يائير لبيد، فهو يتحدث عن دولة فلسطينية منزوعة السلاح ومنقوصة السيادة. وفي الأمس، دعا خلال حديث للقناة 12 العبرية، إلى قبول المبادرة الأمريكية لأنها تنطوي على هدية ثمينة لإسرائيل تتمثل بتطبيع مع السعودية مقابل “ضريبة شفوية” ومفاوضات لا تعني قيام دولة فلسطينية غدا أو بعد غد، وفق قوله.

وهذا ما تطالب به أوساط إسرائيلية أخرى في السياسة والإعلام، تعتبر أن رفض نتنياهو للمبادرة الأمريكية ينم عن سوء تقدير وغباء سياسي، أو تعبيرا عن وقوعه أسيرا بيد بن غفير وسموتريتش وبقية المتشددين الذين يمانعون مجرد كلمة “تسوية” ويطالبون بالسعي لإدارة الصراع أو حسمه من خلال “نظرية الحسم” و “عقيدة الملك” الداعية لقتل الفلسطينيين المدنيين أو تهجيرهم.

هذا الرفض لفكرة الدولة الفلسطينية حتى لو كانت اصطناعية وهلامية، يفسر رفض نتنياهو وائتلافه لمجرد الحديث عن “اليوم التالي” في غزة.

انتقادات إسرائيلية

بالتزامن، وجّهت أوساط سياسية وإعلامية في إسرائيل، انتقادات لموقف نتنياهو الرافض رسميا للمبادرة الأمريكية الإقليمية، فقال رئيس المعارضة لبيد إن نتنياهو يختار مواصلة سياسة المواجهة مع الإدارة الأمريكية مخاطبا بذلك جمهور اليمين، مفضلا مصالح انتخابية على مصالح أمن قومي.

وفي مقاله المنشور اليوم، يرى محلل الشؤون الشرق أوسطية في صحيفة “هآرتس” دكتور تسيفي بار إيل، أن إسرائيل لا تعمل كمن يريد تطبيعا، بل تبدو مستعدة لتهديد اتفاقات أبراهام القائمة.

وتبعته محررة الشؤون السياسية في الصحيفة، نوعا لانداو، التي تقول إنه حان الوقت لليمين الإسرائيلي لأن يستيقظ، فقد وصلت إسرائيل مجددا مفترق طرق حساسا: تسوية سياسية مع سلام وتطبيع، أو حروب للأبد تحت الشعار غير المنطقي “إدارة الصراع”.

وذهب زميلهم الكاتب المعلق السياسي غدعون ليفي، للقول إنه حان الوقت لأن يفرض المجتمع الدولي وعلى رأسه أمريكا التسوية على إسرائيل من خلال تخييرها بين عقوبات فعلية موجعة، وبين إنهاء الاحتلال.

في الاتجاه المعاكس، تزعم صحيفة “يسرائيل هيوم” أن نتنياهو يتدارس التسليم باعتراف بدولة فلسطينية مقابل تطبيع مع السعودية.

هذه الصحيفة التي التي تأسست قبل نحو عقدين بوقاً لنتنياهو، واليوم باتت أبعد عنه نسبيا من الماضي، تنقل اليوم الأحد عن مصدر سياسي رفيع قوله إن التسليم مع المبادرة الأمريكية مخصّص لشق طريق سياسي تاريخي مقابل السعودية. وتتابع: “قال المصدر أيضا إن تأخير رد نتنياهو رسميا على التقارير حول اعتراف أمريكي بدولة فلسطينية، يعكس فهما لديه قيد التبلور مقابل الإدارة الأمريكية”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية