واشنطن-“القدس العربي”: يعتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الديمقراطيين في مجلس النواب لديهم الأصوات الكافية لتوجيه الاتهام ضده، ولكنه أعرب عن ثقته في أنه سيتم تبرئته في مجلس الشيوخ وأن الجمهوريين سيستفيدون من القضية في صناديق الاقتراع.
ومن المتوقع بالفعل أن يصطف أعضاء مجلس النواب من الديمقراطيين لتأييد عزل ترامب، وحسب ما ذكره العديد من المحللين، سيركز مجلس النواب في خضم التحقيق لمحاكمة الرئيس على مزاعم بأن ترامب أساء استغلال مكتبه لتحقيق مكاسب شخصية من خلال حث القادة الأجانب على التحقيق ضد منافسه السياسي، نائب الرئيس السابق جو بايدن، وسيلتزم أعضاء مجلس النواب من الديمقراطيين بقرار قيادتهم بالتصويت، بمن فيهم الأعضاء الذين لا يرغبون بذلك.
وكانت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي (ديمقراطية من كاليفورنيا) قد أعلنت في الأسبوع الماضي أن مجلس النواب بدأ تحقيقاً رسمياً في قضية ترامب بناءً على حثه للرئيس الأوكراني للنظر في مرشح الرئاسة الديمقراطي ونائب الرئيس السابق جو بايدن.
وانشغل مجلس النواب في الأيام الأخيرة في مقابلة الشهود والضغط على البيت الأبيض للحصول على الوثائق كجزء من التحقيق، في حين رفض حلفاء ترامب كل هذه الجهود وقالوا إنها مجرد مسرحية سياسية. وجادل السيناتور ليندسي غراهام، وهو حليف مقرب من ترامب، بأنه يجب على الديمقراطيين أن يسجلوا جهودهم للتحقيق مع ترامب.
ويجب أن تصوت أغلبية بسيطة من أعضاء مجلس النواب لصالح إقالة الرئيس، ويحتفظ الديمقراطيون بميزة الأغلبية 197-235 في مجلس النواب، وحتى الآن، أعرب 226 مشرعاً ديمقراطياً بالإضافة إلى النائب جيستين عماش عن دعمهم لإجراء تحقيق في المساءلة.
وبالنسبة لمجلس الشيوخ، يجب أن يصوت ثلثا الأعضاء لإدانة ترامب لإقالته من منصبه، وهذا يعني أن ما يقارب من 20 جمهورياً سيتعين عليهم الوقوف ضد الرئيس.
الناخب الأمريكي
يراهن الديمقراطيون بكل قدراتهم على تحقيق المساءلة، ولكنهم على ما يبدو، لن يتمكنوا من تحقيق أولوياتهم الأكبر، بإبعاد الرئيس دونالد ترامب من منصبه.
وعلى مدى أشهر، حاولت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، إحباط دعوات الإقالة والتركيز على قضايا “الخبز والزبدة” مثل الرعاية الصحية والهجرة، وهو الأمر الذي أثار غضب تجمعها الديمقراطي، ولكن الأمور تغيرت الآن، حيث يركز الديمقراطيون على فضيحة ترامب، وينفقون وقتا وجهداً على هذه المسألة أكثر من التركيز على السياسات العامة، بمن فيهم مجموعة من المرشحين للرئاسة.
الناخب الأمريكي، لا يريد من ضجيج السياسة سوى معرفة شيء واحد: كيف ستستمر حياته ومعيشة أسرته في التحسن، وعلى حد تعبير العديد من المحللين، فإن الناخب لا يسأل عن قضايا المساءلة ضد الرئيس بقدر اهتمامه بالقضايا اليومية، ولكن اندفاع الحزب الديمقراطي لضرب الجمهوريين وترامب لا يتوقف.
ووفقا للكثير من مؤيدي ترامب، سيأتي عيد الميلاد هذا العام قبل نهاية السنة، ولن تكون إقالة في أذهان الناخبين، وهناك ثقة بينهم أن هذه العملية ستبدأ وتنتهي من حيث بدأت، أي في مجلس النواب، وسيجد الديمقراطيون أنفسهم مرة أخرى في حيرة من دون الحصول على أي ميزة سياسية طويلة المدى، كما حدث في تحقيقات المحامي الخاص روبرت مولر أو محاولات إصلاح قوانين حمل السلاح.
وقال محللون يميلون إلى التيار المحافظ إن البيئة الحالية تمنح فوائد إستراتيجية أكبر بكثير لترامب من الديمقراطيين، وأشاروا إلى أن دورة الأخبار سريعة الخطى حيث يكون اهتمام الناس قصير المدى، وليست لديهم اهتمامات بالقصص الدقيقة طويلة الأمد، وعلى حد تعبير المحلل شير مايكل سينغلتون “انهم يريدون منك أن تصل مباشرة إلى النقطة ومدى ارتباطها بحياتهم، وإذا لم يتحقق الأمران، فإن انتباههم يتلاشى في النهاية.
قلة من الجمهوريين
وأعرب حاكم ولاية أوهايو السابق جون كاسيتش عن القلق من تصريحات الرئيس الأمريكي، التي طالب فيها الصين ببدء التحقيق في جو بايدن، ودعا الكونغرس للتحقيق في اتصالات ترامب مع القادة الأجانب بدقة.
وبذلك ينضم المتنافس الرئاسي السابق إلى عدد صغير من الجمهوريين الذين استنكروا طلب ترامب من الصين، والتي تعتبر خصما لأمريكا، وتساءل كاسيتش عن سبب عدم تقدم المزيد من الجمهوريين للتنديد بالبيانات العلنية الأخيرة لترامب، والتي دعا فيها إلى إجراء تحقيقات أجنبية في بايدن.
وطالب المنافس الجمهوري لترامب، أيضاً، باستمرار التحقيق، وقال إن دعوة الصين للدخول وسط هذا السلوك والتحقيق ضد بايدن هو أمر مثير للصدمة.
والتفت العديد من السياسيين والمحللين لتصريحات كاسيتش بعناية فائقة بسبب الحديث المتصاعد عن سر تجاهل الحزب الجمهوري بشكل كامل لسلوكيات ترامب، بما في ذلك محاولته إيذاء بايدن، وقال كاسيتش “يجب أن ينظر قادة الحزب الجمهوري إلى المرآة ليفهموا سبب عدم رغبتهم في قول أي شيء عن الفضيحة المتنامية”.
وهاجم السيناتور الجمهوري ميت رومني دعوة ترامب للصين وأوكرانيا بالتحقيق مع بايدن، ووصفها بأنها “مروعة وخاطئة” وقال: “عندما يكون المواطن الأمريكي الوحيد الذي طلب ترامب من الصين التحقيق معه هو خصمه السياسي في خضم عملية ترشيح، فإن ذلك يشير إلى أن الدوافع السياسية هي وراء كل شيء”.
المخابرات المركزية ووزارة العدل
من الواضح أن المخابرات المركزية تتعامل مع الفضيحة بجدية تامة، إذ حاول أحد كبار المحامين في الوكالة إحالة قضية جنائية إلى وزارة العدل بناءً على مزاعم تم تقديمها من “مسرب المعلومات”. ووفقا لمنصات إعلامية فقد حاولت المستشارة العامة في وكالة الاستخبارات، كورتني سيمونز، إجراء الإحالة، في إشارة إلى أنها والعديد من المسؤولين قد قرروا أن جريمة ما قد ارتكبت بناء على مزاعم المخبر.
وقد رفضت وزارة العدل في وقت لاحق إطلاق تحقيق جنائي في محادثة ترامب مع أوكرانيا، وقالت إنها قررت “عدم وجود انتهاك لتمويل الحملة ولا مبرر لاتخاذ أي إجراء آخر”.
وكشفت وثائق حديثة أن ممثلة المخابرات قد تحدثت مع البيت الأبيض، لتقول إن مزاعم المخبر عن المخالفات تستحق التدقيق من قبل وزارة العدل، التي ردت بدورها على ضرورة الحذر في الاعتقاد بوجود جريمة، ولم يكن من الواضح ما إذا كانت سيمونز تسعى إلى إجراء إحالة جنائية أو أنها اتخذت موقفاً غامضا بعد الحصول على توضيحات.
تورط نائب الرئيس بنس
وطلب مجلس النواب، الذي يجري تحقيقاُ في قضية المساءلة من مايك بنس، نائب الرئيس، تسليم المستندات المتعلقة بتورطه في جهود ترامب للضغط على أوكرانيا لبدء تحقيقات في منافس سياسي، وكتب المجلس رسالة إلى بنس “لقد أثارت التقارير العامة أسئلة حول أي دور قد تلعبه في نقل أو تعزيز رسالة الرئيس الصارخة إلى الرئيس الأوكراني”.
وهدد مجلس النواب بنس بالقول إن أي دليل قد يستخدم ضده في تحقيق المساءلة، بما في ذلك توجيه ترامب أو البيت الأبيض لعرقلة التحقيق.
وقد زعمت صحف أمريكية أن ترامب قد شارك بنس بالفعل في عمليات الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للنظر في التعاملات التجارية مع هنتر بايدن، الذي عمل في مجلس إدارة شركة الطاقة الأوكرانية بينما كان والده جو بايدن نائباً للرئيس.
شهادات في التحقيق
وقال كورت فولكر، المبعوث السابق لترامب إلى أوكرانيا، إنه لم يكن على علم بجهود ترامب أو أي مسؤول للضغط على أوكرانيا للتحقيق في مزاعم ضد بايدن.
وكشف فولكر أمام لجان الكونغرس، خلف الأبواب المغلقة، تفاصيل محادثاته مع رودي جولياني، محامي ترامب، كما دافع عن بايدن وقال إنه لم يرتكب أي خطأ، كما شهد أنه حاول إقناع ترامب وجولياني بعدم وجود وجهة نظر سلبية بشأن أوكرانيا.
وفولكر، هو واحد من أوائل المسؤولين في إدارة ترامب الذين يدلون بشهاداتهم في التحقيق في قضية مجلس النواب ضد ترامب، حيث تدرس لجان المجلس ما إذا كان ترامب يسعى للحصول على معلومات عن منافسه السياسي بايدن من أوكرانيا.
أقوال بايدن
أكد بايدن في أكثر من مناسبة أن ترامب “قد أدان نفسه” بعد أن أدلى بتعليقات علنية حول دوره في فصل المدعي العام الأوكراني، وقال إن الأمر لا يتعلق بابنه، مشيراً إلى أنه لم يفعل أي شيء خاطئ في أوكرانيا.
وأعرب بايدن عن قلقه من تصرفات ترامب، وقال: “لقد انفصل عن الواقع، الأمر لا يتلق بعائلتي أو شخصي، أنا قلق بشأن ما سيفعله في العام المقبل من رئاسته”.
وقد جاءت هذه التعليقات بعد ان شجع ترامب علنا أوكرانيا والصين على التحقيق مع هنتر ابن بايدن.
وصعد ترامب هجماته على بايدن منذ بدء التحقيق ضده، حيث ركز على جهود بايدن للضغط على أوكرانيا بشأن مدع عام أقدم على التحقيق في إحدى شركات الطاقة، حيث كان ابن بايدن قد شغل منصب عضو مجلس الإدارة، ولا يوجد دليل على أن بايدن دعا إلى إحالة المدعي العام كوسيلة لحماية ابنه، وفي الواقع، يظهر ترامب وزعماء الحزب الجمهوري في موقف دفاعي في قضية المساءلة.
العزل: مسألة سياسية
يردد صناع السياسة في الولايات المتحدة أن قضية العزل هي في نهاية المطاف مسألة سياسية، وحسب ما ذكره العديد من المحللين، نحن على وشك اكتشاف مدى صحة ذلك، مع توجيه بيلوسي للجان مجلس النواب في المساءلة تحت مظلة “التحقيق الرسمي في الإقالة” وكل الدلائل كما ذكرنا سابقا تشير إلى أن غالبية مجلس النواب على جدول زمني لعزل الرئيس ترامب قبل نهاية العام.
وموجب الدستور، يكون لمجلس النواب “السلطة الوحيدة للمساءلة” ولذلك ظهرت التحذيرات من التعامل مع الإقالة كمسألة سياسية أو لعبة حزبية، وهناك معايير يجب على مجلس النواب مراعاتها، بما في المادة الثانية التي تنص على أن “الرئيس ونائب الرئيس وجميع الموظفين المدنيين في الولايات المتحدة، يجب عزلهم من مناصبهم بتهمة الخيانة العظمى أو الإدانة بارتكابهم جرائم أو جنح”.