أثارت الفتوى التي أصدرها مرشد ايران علي خامنئي وأعلنت في النجف من خلال وكيله محمد مهدي الآصفي، التي تتضمن تحريم تظاهر العراقيين ضد حكومة الفساد، غضب وسخط العراقيين الذين اعتبروها سابقة وتدخلا فجا، فلم يسبق لوكيل مرجع إيراني أن أصدر بياناً أو فتوى تتعلق بالشأن الداخلي العراقي.
وقال الآصفي في بيان له نيابة عن خامنئي: ‘إنّ التظاهر أمر لا يجوز ضد النظام القائم اليوم في العراق’. وأشار إلى أن ‘مسيرات يوم الجمعة، بحسب أهداف المنظمين، تعد إضعافاً للنظام وليس إصلاحاً ونقداً بناء’. وكذلك أصدرت بعض المراجع في النجف بناء على فتوى خامنئي وبناء على التماس من حكومة المالكي، فتاوى بحرمة المشاركة بالتظاهرة، ومنهم كاظم الحائري المقيم في ايران الذي حَرّمَ المشاركة في التظاهر. موضحاً أنه ‘أبلغ (إلى) مقلديه حرمة المشاركة في التظاهرة، لكنه تجنب إصدار بيان علني احتراماً لموقف المراجع الذين أيدوا حق التظاهر’. وطبعا الحائري هو المرشد الروحي لمقتدى لصدر الذي تتلمذ على يديه في قم خلال السنوات الماضية. كما أن نوري المالكي ظهر على الملأ بخطاب تلفازي ناشد فيه العراقيين (الشرفاء) عدم الانجرار وراء الدعوات المشبوهة للتظاهر ضد الحكومة، وللأسف كان خطاب المالكي مخيباً للآمال لا يختلف عن الخطاب السيئ الذي وجهه سفاح ليبيا القذافي قبل أربعة أيام، وهو يتهدد ويتوعد المنتفضين الليبيين بالسحق ويصفهم بالجرذان والمكبسلين ومدمني المخدرات والمنفذين لأجندات خارجية، لم أجد فرقا بين تهديدات المالكي وتهديدات القذافي، وإن اختلفت اللهجة والنبرات واختلفت الأحوال. وكانت النتائج للخطابين متطابقة في أن الجماهير قابلتهما بالسخرية والازدراء.
لقد كان هناك من يشكك في قدرة العراقيين على الانتفاض والمطالبة بحقوقهم وإعلان غضبتهم ضد الظلم والفساد وسوء الأحوال، ولكن ما حصل يوم الجمعة الخالدة 25/2 في بغداد والموصل والبصرة والناصرية والديوانية والفلوجة والرمادي والرطبة وحلبجة والقائم والرميثة وبابل وكربلاء والسليمانية والكوت وووو.. كل محافظات ومدن العراق، وكانت مراهنة صعبة.. خصوصا بعد خطاب المالكي وفتاوى المرجعيات الشيعية بحرمة التظاهر. وبصراحة كنا نخشى أن يتكرر ما حصل أيام الانتخابات البرلمانية المهزلية التي حرفتها فتاوى الحوزة والمرجعية الدينية عن أهدافها، وجعلت الناس تتوجه نحو صناديق الاقتراع خوفا من الحرمة ومن طلاق الزوجات وكسب الإثم واللعنة التي توعدت بها الحوزة والمرجعية لكل من لا يسهم فيها، وكل من لا ينتخب قائمة معينة بالذات، والتي كانت سبب خيبات العراق. في الوقت ذاته، اشار (المرجع) محمد اليعقوبي، الخميس، إلى أن تظاهرات الجمعة المرتقبة ‘مثيرة للشك والتوجس لعدم معرفة الجهات التي تقف وراءها’، مؤكداً عدم تحمله مسؤولية الدعوة إلى المشاركة فيها.
كانت تظاهرة 25/2 بلون وطني عراقي واحد لا تستطيع أن تميّز فيه الشيعي عن السني ولا المسلم عن المسيحي، ولم تجد فيها شعارا طائفيا ولا نبرة مذهبية ولا عرقية ولا مناطقية، بل الكل يردد هتافا وطنيا واحدا، وقد استخدمت قوات المالكي بشكل غريب ومستهجن القوة المفرطة وإرهاب الدولة مع المتظاهرين، فقتلت عشرة من المتظاهرين وجرحت العشرات، فقد قتل 5 متظاهرين في الموصل واثنان في الحويجة وواحد في ديالى، واثنان في السليمانية. وأجبر متظاهرو البصرة محافظها المغضوب عليه على الاستقالة. وعمّت التظاهرات جميع مدن العراق، وكلها كانت تطالب بالتغيير والإصلاح والقضاء على الفساد وتحسين الأحوال المعاشية، وتوافد الاف المتظاهرين على ساحة التحرير وسط المدينة بغداد مشيا على الاقدام بعدما فرضت قوات الامن العراقية حظرا على سيرالمركبات بانواعها وحلقت فوق ساحة التحرير مروحبات عسكرية عراقية لإرعاب المتظاهرين، الذين رددوا شعارات تطالب بالاصلاح والتغيير ومحاربة الفساد، فيما اعتلى مئات الجنود سطوح البنايات لمراقبة الموقف ومنع الفضائيات من التصوير، بينما شوهدت مدرعات عسكرية تنتشر في المناطق الحساسة. وتم غلق الجسور بكتل كونكريتية لمنع التواصل بين تظاهرات الكرخ مع الرصافة. لقد أعادت تظاهرات أحرار العراق يوم 25 شباط الاعتبار إلى العراقيين الشرفاء، وأعادتهم إلى دائرة التاريخ بعد أن خرجوا منها. إن يوم 25 شباط يؤرّخ لبداية مرحلة جديدة يصبح المواطن فيها فاعلاً ومهيمناً في المجال العام، بعد أن ظل ثماني سنوات مغلوباً على أمره راضياً بما يملى عليه من سياسات وقرارات عامة وفتاوى سلطانية. وأحسب أن ثقافة السكون والاستكانة والسلبية وثقافة ‘آني ما علية’ قد ذهبت إلى غير رجعة، وثقافة الطاعة العمياء للمرجعية سقطت وإلى الأبد، بل أضحت مفاهيم الاحتجاج والثورة والمطالبة بالتغيير والإصلاح، تشكل أبرز مفردات الخطاب الجماهيري العراقي. وحقاً إننا أمام لحظة فارقة في تاريخ العراق، يمكن أن تمثل بداية لنهضة وطنية شاملة إذا ما استنهضت الأمة مكامن قوتها، واستثمرت أرصدة قوتها التي أهدرت لسنوات طويلة. لقد استفاقت الجماهير من غفلتها وتهميشها وإرعابها ولن ترضى بعد اليوم عن الحرية والديمقراطية بديلاً.
كما ان الاستخدام المفرط، بل والسفيه للقوة، والاستعراض الخائب لأدوات العنف والقمع الذي مارسته قوات المالكي، ومنع الاعلام والفضائيات من تغطية اخبار الانتفاضة، أساء لسمعة الحكومة، وجعل تعاطف كل العراقيين والرأي العام العربي والعالمي مع التظاهرات، لأن المظاهرات كانت سلمية وبريئة، وإن سقوط الشهداء والجرحى جريمة لا تغتفر وتتطلب معاقبة المسببين والمجرمين ممن اطلقوا النار على هؤلاء الأبرياء. د. أيمن الهاشمي