نجل أحمد جبريل متَّهِماً مخيم اليرموك… وأزمة سد النهضة مادة للمكايدة السياسية

حجم الخط
3

يحتاج المرء لأن يكون خبيراً مائياً، أو متابعاً دورياً على الأقل، لكي يدلي برأي في أزمة سد النهضة بين مصر وأثيوبيا، لكنه لن يحتاج إلى كثير من التدقيق كي يلاحظ انحياز تقرير فوزي بشرى في «الجزيرة» بعنوان «ملء خزان سد النهضة.. مصر والسودان أمام الأمر الواقع».
هو تقرير إخباري لبرنامج «الحصاد» أي أن مهمته أن ينقل الوقائع، السياق التاريخي، الاتفاقيات،.. وليس الرأي، كما فعل تقريباً بشرى الذي جهد أولاً في دحض ما يعتبره المصريون حقاً تاريخياً في مياه النيل، عندما قال «مصر تؤسس الحق التاريخي على اتفاقات كانت تخاطب مصالح الدول الاستعمارية، فلا الأرض، ولا شعوبها في حسبة تلك المصالح». وبالطبع لا تخفى هنا نبرة خطابية مألوفة، يسهل معها جذب المشاهد إلى صفّ صاحب التقرير.
كما يرجح التقرير مرة أخرى «عدالة» بناء السد عندما يقرر أنه فرصة للسودان «الذي سيستعيد مياهاً كانت تذهب إلى مصر، وفرصة لاستغلال ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، وللطاقة الكهربائية». أم زبدة الانحياز فستتكثف في الختام، حيث يقول بشرى «جدل المياه المتذرع بالحقوق التاريخية يتجاهل حقيقة أن تاريخ النيل بدأ في الجنوب قبيل انحداره شمالاً» وهنا سيعرض البرنامج صوراً لفقراء إثيوبيين مع عبارة «إثيوبيا، بعدد سكانها الذي يتجاوز 110 مليون نسمة، قد جرّبت المجاعة مراراً، وهي مهدد وجودي كبير كالذي تخشاه مصر». بل يتعدى التقرير الفقراء الإثيوبيين ليتحدث عن «أمم وشعوب أفريقية لن تقرأ في الغالب مقولة «مصر هبة النيل» إلا باعتبارها وصفاً شعرياً لا يعتد به في صراع المصالح والدول. فكل واحدة من هذه الدول (دول حوض النيل الـ 11) تريد أن تكون هبة النيل اليوم، إذا تعذّر عليها أن تكون في الماضي».
ليست المسألة هنا في رغبة أن نكون مع مصالح بلد عربي، هو مصر، وأن ننصره ظالماً أو مظلوماً، على الإطلاق، فالسودان هو أيضاً بلد عربي بات في صفّ بناء السدّ، ولا يجب أساساً النظر إلى الأمر من باب المصالح العربية، بل بعين العدل أولاً وأخيراً، كل ما نحاول الإشارة إليه هو المهنية الإعلامية التي لا يجب أن تنحاز، حتى لو كان أحد طرفي الأزمة رئيس هزيل لا يليق بمصر والمصريين، لا يجب أن يبنى برنامج على مكايدة سياسية. والتقرير لا يقصر في السخرية من السيسي (وهي مستحقة دائماً طبعاً) واتهامه بشكل واضح بأنه سبب التخلي عن «الحقوق التاريخية» عبر اتفاقية «إعلان المبادئ وتشغيل سد النهضة» مع إثيوبيا. وهزله في إدارة الأزمة. لكن لماذا تتحول مكايدة نظام ورئيس إلى مكايدة بلد بحاله!

جبريل النجل

لا نحسب أن مجرماً في العالم ظهرَ على الملأ ليقول كم هو مجرم كما فعل نجل أحمد جبريل، المسؤول العسكري والأمني لـ «الجبهة الشعبية-القيادة العامة» إذ إن المجرمين المرتبطين بأحزاب وتنظيمات غالباً ما يسوقون جرائمهم على أنها في سبيل مطالب عادلة. ظهر نجل جبريل في رسالة صوتية تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي مع احتجاجات وشتائم لاذعة للنجل المذكور، ليوجه اللوم إلى أهالي مخيم اليرموك في «بيع» مخيمهم. جاء ذلك بعد صدمة أثارها صدور المخطط التنظيمي للمخيم عن محافظة دمشق، والذي اعتُبر تتويجاً لتدمير ممنهج للمخيم بدأ منذ العام 2011، أي مع اندلاع الثورة السورية، أتى على معظم الأحياء، كما هجّر جميع سكانه، مسجلاً ضحايا بين شهداء ومعتقلين ولاجئين في بقاع الأرض. المخطط يلغي اسم المخيم نهائياً، وعملياً يستبدل شوارعه (التي يحمل كل منها اسم قرية أو مدينة فلسطينية) بأبراج سكنية وحدائق فيما يعد البعض ببناء أحياء على المدى الطويل، أو بتعويضات لا تذكر.
لا يفكر جبريل، النجل، في التدخل والاعتراض لدى السلطات التي يخدمها منذ خمسين عاماً، إنما يلقي باللوم على الضحايا، أولئك الذين «هربوا إلى ألمانيا والسويد» حسب قوله، رافضين القتال إلى جانبه في محاربة «داعش» في المخيم! يكذبون ويصدقون كذبتهم! لكننا نعرف الضحايا بالاسم، خصوصاً من قتل تحت التعذيب في سجون النظام، والذين لم يكونوا داعشيين بأي حال، كما نعرف كيف أذل الأهالي أيام كان الخروج والدخول ممكناً من حاجز المخيم، فيما نجل جبريل يفخر بوقوفه شخصياً على ذلك الحاجز!
سكان المخيم «أحنوا ظهورهم» كما تقول الرسالة الصوتية البذيئة، وبالتالي سمحوا للآخرين باستباحتهم، على ما يقول النجل. أولئك كانوا ذات يوم قريب «جماهير شعبنا العظيم» عندما كانت خطابات قادة مختلف الفصائل تحتاج إلى تحشيدهم في مناسبات «ذكرى الانطلاقة». هؤلاء أجبروا على ترك بيوتهم تحت قصف طائرات الميغ، قبل أن يستكمل النظام السوري، والفصائل الموالية، حصاره وقصفه وقنص أبنائه وتجويعهم.
فما الذي فعله «النظام المقاوم» إذاً! لقد هجروا أبناء المخيم، عاصمة الشتات الفلسطيني، دمّروا أحياءه، ثم سلّموه إلى محافظة دمشق لتحويله إلى حديقة خالية من اسم فلسطين، وختموا بأن سجّلوا الجريمة باسم اللاجئين الذين تركوا بيوتهم وشقاء أعمارهم مذعورين. أهذا هو نصركم المزعوم على المؤامرة الكونية؟
لكن لمَ الإطالة! إنه نجل أحمد جبريل، الزعيم الأكثر ولاءً للنظام السوري، ولا مفاجأة في أن يتفوّق النجل على أبيه.

 كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية