عادل العوفي مع بزوغ فجر الربيع العربي وبذات الزخم الذي كان عليه السجال حول الطغاة المستبدين الذين أطاحت بهم هذه الثورات المباركة وكذا دور شباب الميادين الذين ضحوا بالغالي والنفيس ووقفوا بالطوابير وبصدور عارية من اجل حرية لم يتذوقها اغلبهم كيف لا وهم حينما أبصروا النور لم يعرفوا غير نفس الوجوه متربعة على سدة الحكم محولة البلاد إلى إقطاعية خاصة بالعائلة ‘المصونة’ وبجانب هؤلاء حظي أداء الفنانين ومستوى تفاعلهم مع حدث بهذا الحجم باهتمام شديد وهنا نستحضر كمثال قوائم العار والشرف التي تم استحداثها مباشرة بعد اندلاع شرارة الربيع العربي لتصنيفهم كل حسب موقفه من الأنظمة الديكتاتورية ومدى حماسته للثورة وأهدافها السامية والنبيلة. والأكيد أن الأضواء مسلطة بشكل مكثف ومنذ فترة على الفنانين السوريين باعتبار الوضع المتأزم الذي تعيشه البلاد حاليا رغم أننا نستنتج وللوهلة الأولى الهوة العميقة و الانقسام الحاد اللذين أفرزتهما الثورة السورية داخل الوسط الفني هناك والذي يمكن تقسيمه إلى ثلاثة فئات كالموالين للنظام ويجاهرون باختيارهم ذاك ولا يدخرون أدنى جهد في الذود عنه كالفنانة سلاف فواخرجي وزوجها وائل رمضان على سبيل المثال بالإضافة إلى فئة المعارضين الذين يقودون تظاهرات في العديد من المدن السورية وسبق أن تعرض الكثيرين منهم للاعتقال والضرب على غرار فدوى سليمان وجلال الطويل وفارس الحلو ومحمد آل رشي ومي سكاف وآخرين كما توجد فئة أخرى ارتأت الصمت والهجرة أفضل حل حتى تهدا العاصفة فهؤلاء اتخذوا من دراسة الإخراج والبحث عن فرص للظهور في أعمال عالمية ذرائع للهروب و عدم مواجهة الواقع على حقيقته.
وفي خضم كل هذه المعمعة يواصل البعض من الفنانين كسر هاته الحواجز والمشاركة الفعلية في صنع الحدث بدل الاكتفاء بدور ‘المتفرج ‘ الذي لا حول له ولا قوة وعلى راس هؤلاء يبرز اسم الفنان نضال سيجري المعروف بنشاطه وحماسته الشديدة والدليل على ذلك حملة ‘حمص في قلوبنا ‘ الذي أطلقها قبل فترة وهاهو يعود ألان لدمجها مع مبادرة أخرى تحت مسمى ‘ أيها السوريين الطيبون اقتلونا جميعا أو أوقفوا اقتتالكم’ التي كان من المقرر أن تنطلق في بحر هذا الأسبوع (وتم تأجيلها إلى الأسبوع المقبل) والتي ترمي حسب الفنان السوري: ‘ إلى مد يد المصافحة وتضميد للجراح وهي من اجل حضور المحبة العظيمة وهي مشاركة من مواطن سوري من أي منطقة أو أي طيف إلى السوريين في حمص ولا تحمل في طياتها أو خلفياتها دلالة سياسية إنها حملة إنسانية مدنية ‘.. جميل ومؤثر جدا مثل هذا الكلام الصادر من إنسان رائع وهذا مما لا يشك فيه احد ولكنني كأي مواطن عربي يمكن أن استسيغ سماع وتصديق هذه النوعية من الآراء حينما لا املك خلفية قاتمة السواد على مجازر وصور بشعة كانت تلك المدينة الأبية مسرحا لها، وهنا فليعذرني فناننا المميز ولكن يجب تسمية الأشياء بمسمياتها، قد أجد له ولغيره مما يخشون خسارة نسبة لا يستهان بها من الجمهور وهم من الذين افنوا سنوات طوال من عمرهم من اجل مكسب لا يقدر بثمن كحب الناس هذا، ولكن الظرفية الحرجة والحساسة أضحت تحتم علينا أن نتحلى بالصلابة والشجاعة كي نكون في مستوى يؤهلنا للفخر بالانتماء لذلك الوطن الغالي وجسامة تضحيات أبنائه، فحينما نتحدث عن عنوان عريض بذات الحجم الذي اختير لهذه ‘المبادرة ‘ من الواجب علينا توخي الموضوعية اللازمة والتحلي بجرعات من الجرأة للتأكيد على المسؤولية المضاعفة للنظام و أسلوبه الوحشي في ما آلت إليه الأوضاع دونا عن باقي الأطراف الأخرى (والتي لا نخفي نصيبها الوافر أيضا)، كما استغرب لنسبة الأسماء الوازنة التي أكدت حضورها ودعمها لهذه الخطوة والتي اقتصرت على الفنانة يارا صبري والمخرج الليث حجو والفنان عبد الحكيم قطيفان والتشكيلي يوسف عبدلكي ربما لان تصوير أعمال رمضان المقبل أهم للكثيرين من دماء أبناء حمص الزكية.
أنا لا أقول بان لهؤلاء عصا موسى السحرية لوقف القتال وإعادة تأهيل المدينة من الدمار الهائل الذي لحق بها ولكنها تبقى رسالة ذات دلالات معبرة لترسيخ قيم التعايش والتلاحم خاصة والكل يريد إغراق البلاد في فوضى الحرب الأهلية (وهذا ما نخشاه جميعا)، ورغم بعض ملاحظاتي على البيان الذي صاغه الفنان نضال سيجري في بداية دعوته للمشاركة و التعريف بأهداف الحملة (خاصة تلك اللغة المستعملة) وكذا ببيانه الأخير (كلها جاءت على صفحته الشخصية بالفايس بوك } الذي أكد من خلاله تأجيل موعد الانطلاق حتى الأسبوع المقبل والذي لم يحمل مبررات مقنعة لتحصين وحماية المكتسبات التي تم تحقيقها قبل موعد الانطلاق الأول وكذا لتجنب الفتور المتوقع في حماسة الكثيرين من الشباب الذين عبروا عن رغباتهم في المشاركة إذ لا يعقل القول بان ‘ الأمر أكثر تعقيدا مما نتخيل ‘ وهنا أتساءل:
الم يكون الشعار الأساسي ‘للمبادرة ‘ هو اقتلونا جميعا أو أوقفوا اقتتالكم إذن من المفروض أنهم يدركون جيدا المخاطر المحدقة بهم؟ وهم على يقين تام بالطريق الذي اختاروه وإلا فكيف يتم تسويق فكرة الذهاب للوقوف كدروع بشرية أمام آلة القتل المستشرية بشكل رهيب في المدينة المنكوبة؟ ولان المجازر وعمليات القتل التي تحصل هناك لم تعد تخفى على القاصي والداني وعلى هذا الأساس جاء تعاطفي الشديد مع أصحاب الحملة لأننا حقا بحاجة إلى فنانين يقولون ويفعلون.. لا العكس و للحديث بقية..’الهجرة’ كابوس الدراما السورية قبل سنوات كان يصطلح على ذهاب نجوم الدراما السورية إلى مصر بذلك الشكل المكثف الذي كان عليه آنذاك ‘بالهجرة الجماعية ‘ وكثر القيل والقال خاصة مع تلك المنافسة الحامية التي دارت بين دراما البلدين و ‘دارت الأيام ‘ لترتدي المحروسة أبهى حلة متجسدة في ثورتها المجيدة وتتخلص من جبروت طاغية كتم على أنفاس مبدعيها وسعى بشكل منظم لإبعادها عن محيطها العربي وزرع فتيل أزمات لا تنتهي مع أشقائها، ومع انتفاضة الشعوب العربية المقهورة والتي يرسم الشعب السوري عبرها أروع الملاحم وأكثرها بطولة، بات منطقيا أن تسير الأمور بهذه السلاسة والعفوية التي بإمكان أي شخص استنتاجها بعيدا عن ذات التعصب الذي كان العنوان الأبرز في تلك المرحلة الماضية والتي لا أتوانى في وصفها بالسوداء، صحيح أن الوضع الحالي لا يرتقي للدرجة المطلوبة والمرجوة ولكنها فقط البداية ومشوار الألف ميل يبدأ بخطوة كما يقال.
وبالعودة إلى مصطلح ‘الهجرة ‘ الذي طفى على السطح مجددا ويبدو أشبه بالقدر المحتوم الذي ما فتئ يرافق الفنانين السوريين أينما حلوا وارتحلوا فالآن صار من الطبيعي أن نقرا أخبار هؤلاء وهم يوقعون على عقود مسلسلات جديدة سواء بالخليج أو في مصر و حتى في لبنان التي باتت تستقطب الكثيرين وخاصة المخرجين فنجد سيف الدين سبيعي مثلا يشتغل على عمل للكاتبة كلوديا مرشليان بعنوان ‘ولاد كبار ‘ وغيره الكثير ممن يشيدون بمساحة الجرأة الموجودة هناك والفنان مكسيم خليل بطلا لمسلسل ‘روبي ‘ بينما يكرس تيم حسن حضوره المصري بمسلسل ‘صقر شاهين ‘ ونماذج أخرى بالجملة ارتأت البحث عن أفق أوسع لها في انتظار أن تتحسن الأوضاع في سوريا وعندها يبدؤون بممارسة دورهم الاعتيادي في التودد لصاحب الكفة الراجحة..’فارس بلا جواد ‘ يعود إليكم من جديديخيل إلي أحيانا وبعد الكثير من الصفعات التي تلقيتها جراء استماتتي في انتقاد الرقابة الخانقة المفروضة على الإبداع والتي أدت إلى إيقاف الكثير من الأعمال الدرامية أنني أدور في حلقة مفرغة وصار لزاما علي إشهار الهزيمة والاعتراف بالفشل كيف لا أحس كذلك ولا تقدم ملموس يلوح في الأفق.. ومع حالة اليأس تلك (الجديدة علي وأنا الذي يعشق ركوب التحدي) جاء إعلان قناة التحرير المصرية على عرض المسلسل المصري ‘فارس بلا جواد ‘ الذي أثار ضجة كبيرة قبل عشر سنوات تقريبا وفي ذروة حكم نظام المخلوع مبارك والذي أصدر قرارا بمنعه من العرض آنذاك وأعقبته سلسلة من النزاعات كل ذلك لأنه يطرح قضية الصراع العربي الإسرائيلي بشكل مختلف وجرئ أربكت حسابات النظام المصري السابق وهو الحريص كل الحرص على حماية وصون علاقاته مع الكيان الصهيوني، هذه الخطوة الجديدة تأتي في سياق الطفرة النوعية التي يعيشها قطاع الإعلام بمصر فعلى سبيل المثال بات تواجد شخصيات فلسطينية وعربية تدعو لدعم القضية ونصرة المقاومة شيئا عاديا على الفضائيات المصرية (ونتمنى أن يستمر بشكل مكثف) مع الإشادة والتنويه بالدور الفعال والمميز الذي يقوده الإعلامي القدير يسري فودة عن طريق برنامجه ‘أخر كلام ‘ ومنحه فرصة الظهور لأبناء الشعب الفلسطيني على وجه الخصوص (لأننا في زمن التهميش والإقصاء الممنهج لهذه القضية)، كما يبدو لافتا للانتباه عرض مسلسلات تطرح الهم الفلسطيني كالعمل التركي ‘صرخة حجر ‘ الذي عرض على قناة الحياة وكذلك كان الشأن بالنسبة للملحمة الفنية ‘أنا القدس ‘ وكم نحن بحاجة لمشاهدة تاريخ هذه المدينة العريقة وهي التي تعاني في صمت ويشكو مواطنيها العرب من الإهمال والتمييز والعنصرية لطمس معالمها التاريخية وتهشيم أي صلة تربطها بنا كعرب.
ومن هنا لا اخفي أن إعادة عرض مسلسل ‘فارس بلا جواد ‘ وبدون حذف أي مشهد فتحت شهيتنا على تكرار هذه الخطوة مع أعمال أخرى طالها القمع وهي عديدة على أية حال لإيماننا المطلق بان الفن هو المرآة الحقيقية لقياس درجة الوعي والحضارة التي بلغتها هذه الشعوب.
كاتب من المغرب[email protected]