على رأسهم الهام شاهين وغادة عبد الرازق وطلعت زكريا:
القاهرة – “القدس العربي” – من كمال القاضي: ثمة تيار تشكل بعد تنحي مبارك عبر رموزه من الفنانين والفنانات عن تمسكهم بالرئيس السابق ورفضهم لتخليه أو تنحيه عن السلطة، وبامتداد هذا التيار أصبحت هناك ظاهرة، ففي أثناء المحاكمة حرص عدد كبير من هؤلاء على حضور الجلسات والإعلان السافر عن تأييدهم لبقاء مبارك كرئيس بزعم أن ما حدث كان مؤامرة وأنه بريء كل البراءة من التهم المنسوبة إليه.
أبرز من تأثر بوجود المخلوع في القفص، الفنانة إلهام شاهين، فقد شوهدت وهي تبكي بكاء حاراً وترتدي ثياباً سوداء في إشارة لإعلانها الحداد، فهي ايضاً من وصفت الحكم بالمؤبد بأنه حكم سياسي لإرضاء الشارع وليس به من الأدلة الجنائية الكافية ما يستوجب العقاب، غير أن المحكمة رأت ضرورة إصدار حكم مشدد والسلام!
كان موقف إلهام ملتبساً إلى حد ما قبل صدور الحكم فلم تكشف عن حقيقة موقفها من الثورة لأن شكوكاً كانت تساورها في أن يصدر حكم بالمؤبد على رئيسها ومن ثم فلا حاجة لها بإعلان عدائها للثورة والثوار، على عكس غادة عبدالرازق التي طافت ميدان التحرير بسيارتها رافعة صورة حسني مبارك بمنتهى التحدي لمن يقفون في الميدان وينادون بسقوطه ظناً منها أن ما يحدث مجرد زوبعة في فنجان وتعود بعدها الأجواء صافية كما كانت، ولكن عندما أجبر رئيسها على التنحي وورد اسمها في القوائم السوداء ظهرت على شاشات الفضائيات وهي تذرف الدموع طالبة السماح والرضا لاستشعارها الخطر من قرب اعتزالها الفن مرغمة، خاصة أن المخرج خالد يوسف الذي كان يتبناها فنياً تخلى عنها وأعلن قطيعته معها لأنها وقفت ضد جمهورها في خندق الأعداء قتلة الثوار، وغير هاتان الفنانتين كانت ايضا سماح أنور التي قالت في لحظة انفعال اعتذرت عنها فيما بعد ‘إحرقوا هؤلاء الفوضويين الواقفين في التحرير’، وقد أخذ عليها هذا القول بشدة، إلا أنها تداركت وأعلنت أسفها الشديد على ما بدر منها، الأمر الذي خفف من غلواء الهجوم عليها.
من اللواتي عضضن على النواجز من شدة الغيظ لقيام الثورة وانتصار الثوار ولكنها تكتمت مشاعرها ولم تنبس بكلمة واحدة الفنانة ليلى علوي فقد كانت أكثر حكمة، إذ لم تعلق على شيء مما حدث لا بالرفض أو التأييد الى الآن حتى بعد أن أودع مبارك السجن ومضت في طريقها بشكل طبيعي تظهر على استحياء في بعض البرامج وتتجنب الحديث في السياسة تماماً كأنها تعيش في بلد آخر، وهذا ما فُسر على أنه نوع من الحرج لوجود علاقة نسب ومصاهرة بين عائلتها وعائلة خديجة زوجة جمال مبارك، وأياً ما كان الأمر فإنها لا تزال ملتزمة الصمت.
الأكثر وضوحاً في موقفها من النظام البائد كانت الفنانة شريهان التي نزلت ميدان التحرير منذ الأيام الأولى للثورة بوصفها أكثر من تضرر من جبروت وبطش زوجة المخلوع وابنه علاء، ولكن الملفت انها لم تعلق على الحكم لا سيما أن ذلك كان منتظراً منها بعد براءة الأخوين علاء وجمال بحكم استفزازي من وجهة نظر الغالبية العظمى من المصريين.
نعود إلى الشخصية الأكثر جدلا في الوسط الفني شخصية طباخ الرئيس طلعت زكريا الرجل الذي انبهر بشخصية مبارك وظل يطنطن بمحاسنه وتواضعه وذكائه وحكمته، زكريا أفنى وقتاً طويلاً في الدفاع عن الرئيس طوال الفترة الماضية لكونه الوحيد من بين الفنانين الذي حظي بمجالسته والاستماع إليه، وبرغم هذا الإخلاص لم يفعل طلعت زكريا ما فعلته إلهام شاهين من إعلان الحزن والحداد للسجن المؤبد الذي بات المخلوع رهينة حتى الموت، تحفظ طباخ الرئيس كثيراً وأبى إلا أن يصمت ويداري وجيعته.
إن نماذج من حزنوا على زوال عرش مبارك من الفنانين والفنانات كثيرة فبعضهم يسر بذلك في الجلسات الخاصة وبعضهم يخشى إعلان رأيه الحقيقي، وبين أولئك وهؤلاء يوجد فصيل ثالث يتحين الفرصة للهدوء والاستقرار لإنجاز فيلم ضخم عن حياة الرئيس من بداية الولاية إلى نهايتها المأسوية، والمتبارون في ذلك من المنتجين كثر لأن الربح مضمون والشارع العربي متعطش لرؤية السيرة الذاتية كاملة على الشاشة.
وقد يكون من بين المتحمسين لتوثيق هذه الفترة فنياًَ جماعة الإخوان المسلمين لأنها فترة انتقالية في حياتهم السياسية وهم لا يقدمون الآن المال أو السلطة وبإمكانهم توفير كل ما يتطلبه المشروع الفني الكبير، خاصة أن في أجندتهم الثقافية حسب قولهم مساحة لانتاج أفلام سينمائية وأعمال درامية من هذا النوع، وفي تقديري الشخصي أن المسألة مسألة وقت، ولعلنا نفاجأ في أقرب فرصة بتاريخ ثورة 25 يناير وسقوط دولة مبارك وبذوغ دولة الجماعة مجسداً على أي من الشاشتين، الكبرى أو الصغرى، هذا إن لم يسبقهم آخرين من أصحاب رؤوس الأموال العربية الضخمة إلى انتهاز الفرصة السياسية السانحة لصناعة التاريخ المصور، حيث السينما والدراما التليفزيونية تعني في سوق المال والبيزنس سلعة مضمونة الربح لو تمت العناية بالمصنف وخرج في صورة جيدة ومرضية للجماهير من الناحية الفنية.
ما يعزز فكرة أن الإخوان قد يكونون سباقين الى هذا المسعى وجود قناة تليفزيونية تابعة لهم هي قناة ‘مصر 25’ وهي نافذة تضمن رواج السلعة وانتشار الفكرة وتجنب الخسارة فمن خلال دراسة جدوى مبسطة يمكن معرفة الناتج الايجابي الفعلي لهذا المشروع، لقد ذكر أحد المنتجين الكبار في حديث شخصي مع كاتب السطور ونحن بصدد الكلام عن نفس الموضوع ان انتاج فيلم عن الرئيس السابق يحتاج لوقت كاف، لكتابة السيناريو وعلى من يتصدى لهذه المهمة أن يستفيد من مذكرات مبارك نفسه لأنها بالقطع تحتوي على الكثير من التفاصيل، ولو أن هناك من يريد استثمار الحدث الثوري والسياسي فعليه أن يركز فيما يريد أن يطرحه فنياً على مراحل بعينها مثل التنحي والمحاكمة والسجن، فضلاً عن أن كل من حول الرئيس من عائلته يدخل الآن دائرة الاهتمام الجماهيري فمن الممكن جدا عمل فيلم ناجح عن حياة زوجته سوزان ثابت أو نجليه علاء وجمال وبالذات الأخير لأنه كان ضالعاً في كل شيء وسبباً رئيسياً في قيام الثورة.
انتهى كلام المنتج الكبير وبقي أن نقول إن مشروع التوريث والتخطيط له من جانب الأم والخلافات الحادة التي جرت داخل القصر بين أفراد العائلة الحاكمة هي مكون خصب لحلقات درامية مسلسلة تستغرق أكثر من جزء لو وجد من يكتبها بحرفية على طريقة أسامة أنور عكاشة في ليالي الحلمية، ولسنا في حاجة للتذكير أن هناك كتاباً كبار مثل وحيد حامد ويسري الجندي وغيرهما عليهم أن يتحركوا في اتجاه توثيق واحدة من أهم مراحل التاريخ المصري الحديث، إننا نتمنى وسننتظر.