بعد «المحوّل»، عملها الروائي الأوّل، 1986؛ أصدرت الروائية اللبنانية نجوى بركات خمس روايات: «حياة وآلام حمد ابن سيلانة»، «باص الأوادم»، «يا سلام»، «لغة السر»، «مستر نون»، كما نشرت بالفرنسية رواية بعنوان La locataire du Pot de fer.
«غيبة ميّ» هي العمل الروائي السابع، إذن، وكان منتظَراً ربما أن تذهب به بركات إلى وجهة، تتويجية على نحو ما، لسلسلة المحاور التي تناولتها أعمال سابقة، وإلى حصيلة ثرّة وعالية التشابك من أنساق وعي الوطأة الجسدية والشعورية للزمان والمكان معاً. وبالتالي اقتراح ما يتقاطع، ساكناً تارة وعاصفاً طوراً، من آلام وآمال عمرٍ تستحثّ عقوده الثمانية كلّ فرائض الشيخوخة، فتستحوذ معادلاته على السيدة ميّ وعلى مدينة بيروت، معاً وسواء بسواء مرّة، وعلى حدة واستفراد مرّة أخرى.
وإذْ توزّع بركات أثقال هذه الوطأة على إيقاعات سردية متجانسة أو متغايرة، مكثفة سريعة أو متماهلة بطيئة؛ فإنّ مواضعات الشكل لا تحمّل القارئ عناء متابعة ثلاثة أقسام، تحمل عناوين «مي»، «هي» و«يوسف»، ولكنها تزجّه في سيرورات مَسْح بصري ثاقب وشعوري رهيف، لأمكنة لا يعيق اتساعَها المجازي أنها محدودة بين حجرات شقة الطابق السابع والبلكون، وأزمنة رديفة مكمّلة أو مستقلة منفصلة. وعلى امتداد 223 صفحة، فإنّ تمرّس بركات في وصف المرئيات واستكشاف الدواخل، يردّنا إلى تناظرات بديعة وفاتنة مما يُؤمل أن تواصل الرواية العربية المعاصرة اقتراحَه من ألعاب التنقيب في الذاكرة على غرار مارسيل بروست، ومهارات استنفار بواطن الشعور عند فرجينيا وولف، مثلاً.
هنا الفقرات الختامية من الرواية:
«دخلتُ أتلمس طريقي في العتمة على ضوء شاشة هاتفي، وسمعت حركة صادرة عن غرفة نومها، فذهبت إليها وأنا أناديها على مهل. ورأيتها واقفة أمام مرآة الخزانة الطويلة وظهرها لي، وحين سمعتني استدارت برأس مرفوع وحركة شبه راقصة، وقالت: نعم؟ نظرت إليها مشدوهاً وكانت أشبه بشجرة الميلاد، بماكياج قوي وألوان تزيّن عينيها وخديها وفمها، وزينة من عقود وأساور، وقبعة وثياب مزركشة فوق بعضها البعض، وريش طويل يزيّن عنقها. مدت يدها نحوي، فتقدمتُ منها، فأخذت ذراعي ومشت معي. لكنها حين رأت من في المدخل توقفت، وهمّت بالتراجع، ثم نظرت نحوي وابتسمت، وقالت بصوت كسر قلبي:
ــ من أنت؟
ــ أنا يوسف
ــ أتعلم؟ كائناً من تكون، «فأنا لطالما اعتمدت على لطف الغرباء.
نزلنا في المصعد، وتبعنا الطبيب ومعاوناه. كان عدد من الجيران قد تجمعوا على الشرفات وأمام مدخل العمارة. صعد الطبيب داود في سيارة الإسعاف ومدّ لها ذراعه كي تستند إليها، فانصاعت، ثمّ استدارت وانحنت، قبل أن ترفع يدها ملوّحة للجيران ومن تجمّع في باحة المدخل.
كانت تقف على خشبة مسرحٍ ما، وتؤدّي دورها الأخير!».
دار الآداب، بيروت 2025