محمد زكريا السقال
بداية لا بد من الاعتذار لهذا الكتاب الذي تمدد بين كتبي فترة زمنية طويلة، أمر به بين الرفوف سريعا، أغض طرفي عنه واواصل بحثي عن عنوان أو ملف يشغلني. كما لا بد من الاعتذار للصديق الحميم الدكتور سلطان أبازيد الذي قدم لي هذا العمل علي أمل قراءته، واخيراً لا بد من الاعتذار لتأخري في مطالعة العمل الروائي هذا من الكاتبة المبدعة. نجوي بركات، التي عرفتها بلقاء عابر في برلين اثر ندوة أدبية شاركت بها مع عدد من الكتاب العرب، وقدر لي أن تضمنا مائدة عشاء دعينا اليها في جو عربي يتنادي اليه عادة المغتربون في بلاد المهجر. أكان لا بد من هذه المقدمة للدخول لعالم نجوي بركات الروائي من خلال روايتها لغة السر، الصادرة عن دار الآداب في بيروت، أم أن الأعمال المبهرة التي تحاصرك بمناخها وتلغي كل المساحات المحيطة بك تجعلك عاجزا مسحورا لا تعرف من أي البوابات تدخلها. الأعمال الكبيرة كالصروح المتعالية تبهرك وتدهشك وما أن تتمالك التقاط أنفاسك حتي تصاب بالسكون، عليك التأني والاطراق والتمعن من أجل السير بأمان في هذا العالم الكبير والساحر. لغة السر عمل يمتلك خيار قراءته ولكنك لا تمتلك خيار الفكاك منه. تنتهي صفحاته نعم. ولكن لا تنتهي لعنة حصاره الجميل. اللغة هنا هي البطل أو الشخصية الأساسية للعمل، بغض النظر عن الشخصيات وادائها. الشخصيات هنا تؤدي دور المخرج بمهارة عالية، ولا تخرج عن النص الا بمقدار ما تحدده اللغة باعتبارها سيدة الموقف. واللغة عالم كبير… بحار متلاطمة. اللغة هي الوحيدة القادرة علي كبح وتفجير هذا العالم. اللغة الأداة السحرية التي اجترحت المعصية من خلال اجتراحها للسؤال. واجترحت الابداع من خلال تفجيرها للشك والادراك.
تدخل نجوي بركات معركة شاملة وشائكة من خلال تعرضها لجدلية الصراع الوعر والمعقد، المحفوف بالمخاطر التي كثيرا لا تعطي الأمان والسلامة. الصراع القديم الجديد في عالم وساحة الكشف الأول. المقدس… الآلهة.. الدين.. التابو.. المطلق.. الكمال. مجمل هذه التوصيفات اللغوية المجهول.. المرعب.. القادر.. الخالق، بمواجهة العقل المحرك الأساسي، الاس الأول للمعرفة من خلال الشك.. التساؤل والبحث. سلطتان تتصارعان بشدة وترخيان علي الواقع نتائج معاركهما الدامية والقاسية في كثير من الأحيان، وتلتهم المعركة قرابينها بطرق تراجيدية ملحمية. اليقين والشك. اليقين الذي يطارد الشك، يترصده، يهدر دمه، يبيح زهق روحه. والشك الذي يزعزع طمأنينة اليقين من خلال هتك سره وضرب أساس سلطته. السؤال أداة البحث والاكتشاف لتعقيدات الواقع وتمزيق حجبه. كشف يفتح الطريق لضرب سلطة اليقين وخرافة اطلاقيته وقدرته من خلال ضرب سدنته وسلطته في الواقع.
مأساوية هذا الصراع اننا لا نكتشف أبطاله الا وهم علي الصليب، أو رأسهم علي النطع. الا أنهم يتطاولون ثانية علي الواقع ويتفجرون لغة وأسئلة تميط اللثام للنور والضياء.
اللغة سلاح يستعمل في ساحة هذه المعركة، سلاح وحيد للعقل لاجتراح الشك والتساؤل للوصول الي الحقيقة. المطلق غالبا ما يلجأ لأسلحة أخري.. للقتل صلبا، حرقا، خوزقة أو رجما. الا أنه يؤكد في النهاية علي ضعف استعماله للسلاح الأساسي (اللغة)، للمعجزة التي اجترحها واعتبر انه يملك سرها وابعاد مقاصدها ومراميها. اللوح المحفوظ، الطلسم الأزلي، المقدس المغلف بالتعاويذ المقتصر علمه ومعاينته علي كهنة محددين، منذورين ومختارين. العقل يستعمل نفس السلاح ولكنه افتضاض للغة واطلاق لعنانها لتتحرر من اللوح المحفوظ. اللوح المدفون في سراديب مظلمة، لا يُري ولا يُحس. وهم يكبر ليصبح سلطة، بقدر غموضه تتوسع سلطته، استبداده وسيطرته وصلاحياته لدرجة القتل.
قرية اليسر، القرية الآمنة المتحابة، قرية تؤدي الطاعة بكل الحب لأخوية الوفاء المسيطرة، راضية خاشعة لا تخرج عن تعاليمها. الشيخ الأكبر للأخوية قائد يعطي تعاليمه ضمن اطار الحفاظ علي السلطة، صندوق اللوح لغز لا يعرفه أحد. احكام سريته شرط لاستمرار سلطته، والعلايلي الشيخ المتوقد الذي يخرج عن الحدود المرسومة من أجل استمرار السلطة وثقافة المحيط المرسومة بعناية والمسيجة باللعنة والنبذ والخروج عن الجماعة. التمادي أكثر يعني القتل والصلب، ولكن العقل المنفلت بعد أن تسمم بالهواء ولفح بنار الشك يجعله يخرج عن الصراط الممدود. ابن جني يأخذه لعالم أكثر ثراء، الأحرف به محررة لا تخضع لتابو محدد ـ اختيار ابن جني من الكاتبة اختيار موفق لعلاقته بالمتنبي، واشكالية المتنبي واللغة ـ. يُنبذ العلايلي يُنفي ويُطرد. ابليس ولعنته ثانية، ابليس الرافض الأول والمشكك الأول. لكن اللعنة بقيت في اللوح، في الأسطورة. العلايلي هنا يقدم التفاحة لخلدون، تفاحة المعرفة. تنزل المعرفة من خرافتها المقدسة التي لا يمتلكها الا السدنة، الكهنة وتصبح هنا عرضة للعوام، للناس، لخلدون الوافد من القاع. رحلة المغامرة التي أوقعته بشراك أودت به ضمن أدوات معرفته لمواجهة الحقيقة العارية. الحقيقة التي مزقت الوهم والخرافة وأوقعت قرية اليسر بالتيه، مثل كل المعارف التي لا تدرك. المجهول الضاغط يؤدي للتيه والتخبط. سرقة الأسطورة، تعني سرقة الوهم دون بدائل، دون اقناع. تخيم الهزيمة وتؤبد ـ هزيمة الخامس من حزيران (يونيو) ما زالت جاثمة. الوهم الذي لبسنا عقوداً يتهاوي فجأة ويحطم كل شيء ما عدا السلطة.
يأتي المأمور لقرية اليسر. تأتي السلطة بالسجن والقيود لتضرب. خلدون يحاسب، يختفي. الشيخ الأكبر، السلطة، حارس اللوح (الخرافة)، يصل لطريق مسدود ينحر ان لم ينتحر، ينصب بعده العلايلي شيخ أكبر لأخوية الوفاء. بناء نجوي بركات لا ينتهي بشراسة المعركة باعتبارها معركة الصراع مع الوهم والحقيقة، العقل والمقدس المحرم، لذا تركت الكاتبة عالمها مليئا بالأسئلة الملحة والمشروعة. خلدون، هل سيظهر باسم آخر ووعي آخر؟ هل سننتصر للعقل بشكل يمكننا من افتضاض اللوح وضرب المقدس وتحرير كلماته؟ أم ستعاد سيرة العلايلي كتناقض داخل السلطة يحل لصالح السلطة ثانية؟ هل سيؤدي الشك بسراج لنفس الطريق، أم سيرفد خلدون ليظهر ثانية، أم سيكون لخلدون طريق آخر تجاه القضاء علي خرافة هذا المطبق علينا؟
وأخيراً هل تقول نجوي بركات هذا في روايتها الجميلة؟ هل عنت شيئا آخر؟ هل توهمت أنا هكذا بناء؟ أم ان نجوي أرادت من روايتها دخول المنطق الصوفي وراحت تعبث به ضمن سياق تلوي هذا المنطق، لتبني صرحا من جدل وصراع باللغة، وعاء المعرفة ووسيلة الطريق لهتك السر؟
نجوي قالت أكثر من ذلك والرواية تقف بناء شامخا ولكنه مفتوح لريح التساؤل والشك والتأويل وما توهمته أنا، يبقي شطحة من شطحات الدراويش الذين يجاهدون من أجل الوصول، والغاية الوصل والاتصال.
يبقي أن أعترف ان نجوي بركات باعمالها ورغم نيلها جائزة الابداع الروائي عن عملها (باص الأوادم) عام 1997 من المنتدي الثقافي اللبناني، يبقي النقد مقصرا بحق هذه القامة الأدبية ولم تعط الي الآن حقها من القاء الضوء والتداول، وتبقي هذه المقالة دعوة مفتوحة لقراءة أعمال نجوي بركات لجدارتها وأهميتها في الرواية العربية.