نجيب محفوظ.. شيخ الحارة المصرية وفيلسوف السينما العربية: المكسيك اعادت انتاج اهم افلامه وقدمت الحارة بشكل فلكلوري

حجم الخط
0

نجيب محفوظ.. شيخ الحارة المصرية وفيلسوف السينما العربية: المكسيك اعادت انتاج اهم افلامه وقدمت الحارة بشكل فلكلوري

كمال القاضينجيب محفوظ.. شيخ الحارة المصرية وفيلسوف السينما العربية: المكسيك اعادت انتاج اهم افلامه وقدمت الحارة بشكل فلكلوريالقاهرة ـ القدس العربي تشكلت السينما بأدب الكاتب الكبير نجيب محفوظ فأخذت ملامح من روحه وابداعه وطرحت الوانا من حيرته وافكاره كفيلسوف يبحث عن معني للكون والحياة، وتلاقت احلام المخرجين الباحثين عن الجديد مع تصورات محفوظ الابداعية فجرت علي الفور عمليات تحويل النص الادبي الي دراما حية من لحم ودم، وازاء هذا الاكتشاف السينمائي للمنجم الابداعي تعددت الرؤي الفنية ـ الدرامية بتعدد ما طرحه نجيب محفوظ من افكار وملاحم وتفاصيل النفس البشرية التي تموج داخل العقل والوجدان وتعكس وهج الروح وترصد الواقع بتداعياته ومتغيراته الانسانية والاجتماعية في تلامس يشي ببصيرة واعية وعقل تدرب مبكرا علي التأمل والنقد، وهي خصائص ظلت فاعلة وحيوية في الادب الواقعي الذي نقله محفوظ الي السينما بعد فروغه من رحلات البحث داخل التاريخ الفرعوني والذي تجلي في عدة روايات كان اولها، عبث الاقدار باكورة انتاجه الادبي علي الاطلاق والتي تلاها بـرواية رادوبيس ثم كفاح طيبة . بعد انقضاء هذه المرحلة كتب فيلسوف الرواية العربية روايته الشهيرة القاهرة الجديدة ليقف علي مشارف مرحلة مختلفة يعتني فيها بالواقع المحلي ويرسم خريطة مغايرة لما هو سائد في الكتابات الاخري، حيث اثبت ان الادب يمكن ان يصبح جزءا من حياتنا اليومية، وبالفعل كسب نجيب محفوظ الرهان بعد ان تحولت رواية القاهرة الجديدة الي فيلم سينمائي بعنوان القاهرة 30 رصد فيه المخرج صلاح ابو سيف آيات الفقر والبؤس ومظاهر النفاق والتدليس وبيع الشرف كما كتبها صاحب الرؤية والرواية بعبقرية واقتدار، اذ اجري نوعا من الجراحة التشريحية للمجتمع في تلك الفترة وازاح عنه غلالة الحياء فبدا عاريا تتكشف عوراته في وضوح شديد، فالبطل يمارس السقوط مدفوعا بالفقر ويقايض علي نزاهته وعفته بالمال اتقاء العوز والحاجة ويتسلق اشجار الرفعة وينتقل من طبقة الي طبقة بعدما يكون قد دفع ثمنا باهظا ليصير بعد ذلك ذا القرنين كما صوره صلاح ابو سيف في مشهد رمزي تبدو فيه الادانة الاخلاقية هي العنصر الاساس في الكدر، ولا شك ان شخصية محجوب عبد الدايم التي اداها باقتدار الفنان حمدي احمد ظلت وصمة في جبين المجتمع الطبقي قبل قيام الثورة.وعلي نفس المنوال وبذات المذهب الواقعي ادان محفوظ ايضا الشخصية الانتهازية في اللص والكلاب و ميرامار وفضح الممارسات الفردية، ولكنه وضعها في ذات الوقت في سياقها الانساني وربط بين الجريمة كفعل والدوافع المحيطة بالبطل، وبالطبع لم يكن المجتمع والنظام السياسي خارج حدود المسؤولية. وعلي عكس ما يشاع عن صاحب نوبل كان الرجل ينطلق في احكامه الفكرية من منطلقات سياسية يعمل فيها الرمز كاشارة دالة علي المرحلة والتاريخ والاشخاص، ولعل ذلك ما عكر صفو العلاقة بينه وبين النظام الناصري في فترة الستينات، حين نشأ خلاف عارض سرعان ما زال، خاصة ان ايا من اعمال محفوظ لم تصب بسوء او تصادر اللهم الا رواية اولاد حارتنا التي اعتبرت خرقا للمقدسات، ومع ان محفوظ كتب في تلك الاثناء اعمالا انتقدت النظام الناصري مثل مجموعته القصصية تحت المظلة ، خمارة القط الاسود الا ان عبد الناصر حرص عليه كأديب متميز ومشروع نهضوي كبير.وبرغم واقعيته وانغماسه داخل الحارة والتحامه الشديد بالبسطاء والدهماء وعوالم الفتونة والفتوات ظل طوال مسيرته الابداعية التي امتدت الي نحو سبعين عاما مشغولا بالعالم الغيبي ـ الميتافيزيقي ـ ففي ملحمة الحرافيش التي هبطت السينما بمعانيها الفلسفية والروحية وتعاملت معها بوصفها نمطا فنيا يسمح باتساع رقعة الأكشن وزيادة ايرادات الشباك كان الهاجس الحقيقي للكاتب هو التسامي والترفع عن الامور الدنيوية والانشغال بالنوازع الروحية وما يحرك المشاعر في اتجاه العقل، وربما يتضح المعني من طبيعة البطل عاشور الناجي المثالية ورغبته العارمة في الوصول الي الحقيقة وكشف ما وراء الحجب حيث عالم الدراويش الذي يكتنفه الغموض ويثير الدهشة والخيال، وكما يدلل محفوظ علي شغف ابطاله وولعهم بما وراء الطبيعة في الحرافيش يواصل بحثه ايضا عن الباطن والمستتر في الكون المطلق فيسبح في اخيلة العامة والمثقفين ساعيا الي سر الوجود في عقلية حمزاوي بطل رواية الشحاذ الرجل البائس علي وجهه، المتشكك في الحقائق، تلك الشخصية التي جسدها الفنان القدير محمود مرسي ونقلها لنا بصدق عبر اداء متميز وصل الي حد الصدمة من فرط الاتقان، حيث توحد المتلقي مع الشخصية فصار جزءا منها وانتقلت اليه كل شكوكه وهواجسه.. في قلب الليل يهجر جعفر الراوي بيت الجد ويخرج الي فضاء الحرية في محاولة للبحث عن ذاته المفقودة وآماله الضائعة تحت وطأة الوصاية والحذر، يستسلم جعفر للغواية وينطلق وراء الغجرية التي تجاوب معها احساسه من الوهلة الاولي فيغوص في مستويات متضاربة من اللذة والوحشة والاغتراب ليعود بعد فترة ادراجه يراوده حلم قديم قلما عبر عنه في حياته الجافة مع جده الراوي الكبير.. حلم الغناء مع صديقه شكرون ليصطدم ايضا بالفشل، اذ يستعصي عليه مجاراة حياة العوالم وواقع الافراح بالاحياء الشعبية، ومن هنا يقرر ان يصبح اديبا ومفكرا تأثرا بثقافة السيدة الارستقراطية التي احبته ونقلته مرة اخري الي القصور ليعود من حيث اتي مكررا نفس الازمة، فالواقع الجديد يتجاوزه بمعارفه وثقافته الرفيعة وفلسفته الجدلية التي لم يعهدها في تجاربه الحياتية وخبراته السابقة فيضطر الي اعتزال زوجته ومجلسها الثقافي ويعكف علي القراءة والاطلاع فترة طويلة ثم يعود ليجد نفسه ما زال مغتربا عاجزا عن المسايرة والدخول في معية المفكرين والفلاسفة فيلجأ الي القتل كحل لمقاومة الجهل واعلانا لتمرده وانتصاره، وهكذا تلوح في الافق عقدة النقص التي لعب عليها نجيب محفوظ ونسج منها فكرته عن عزلة الانسان داخل محيطه واسلمها الي السينما لتنقل وقائع الرواية بشيء من التجريب وكثير من الفلسفة التي تتداخل فيها معطيات الواقع بالخيال، ومن خلال رؤية فنية قدم لنا المخرج عاطف الطيب مع الفنان نور الشريف الذي لعب دور جعفر الراوي انتكاسات البطل المأزوم واخفاقاته بعد رحلة طويلة من البحث عن ذاته المسلوبة، ويذهب الفيلم مع الرواية الي ما هو ابعد من شخصية جعفر التي استخدمها نجيب محفوظ كرمز لسيدنا آدم عليه السلام في الارض، فالحفيد المتمرد هو امتداد للجد الراوي الكبير الذي جسده الفنان فريد شوقي ويعني الامتداد هنا ان الانسان بطبيعته عنيد وباحث ومكتشف، وربما يكون ذلك هو الهدف من وجوده علي الارض، ومما لا شك فيه ان الفنان نور الشريف قد وعي المعني الباطن في الشخصية فاقترب منها ولامس روحها وادرك بعدها الفلسفي ونجح في التواصل معها وان ظلت المسافة بين جعفر الراوي والجمهور شاسعة، وهذا بالطبع يرجع لصعوبة الشخصية وتعدد مستوياتها النفسية والدرامية.لقد انتبهت السينما العالمية، وخاصة المكسيكية الي البعد الانساني في ادب نجيب محفوظ بعد حصوله علي نوبل عام 88 فأقبلت علي اعادة انتاج عدد من الافلام يبرز منها فيلم زقاق المدق ، بداية ونهاية ، اللص والكلاب ، وهذه الافلام ترجمت الي العديد من اللغات وشاركت في معظم المهرجانات الدولية وعرضت بمصر علي هامش مهرجان القاهرة السينمائي الدولي قبل ست سنوات تقريبا. ولم يكن نجيب محفوظ روائيا فحسب ولكن علاقته بالسينما توطدت علي نحو مختلف بعد ان اصبح جزءا من صناعتها وصياغتها فقد كتب عددا غير قليل من السيناريوهات لافلام مثل الطريق المسدود و الناصر صلاح الدين و جعلوني مجرما و الوحش وجميلة وقد اكتسب الاديب مهارة كتابة السيناريو من صديقه المخرج صلاح ابو سيف في فيلم درب المهابيل وعليه اكسب الاديب السينما مذاقا خاصا واضاف اليها الكثير من خبراته الابداعية في الرواية والقصة القصيرة. ويختلف ادب نجيب محفوظ المنتج سينمائيا عن غيره من الادباء الذين كان لهم الحظ في تحويل رواياتهم الي افلام وان تشابه مع البعض منهم مثل عبد الرحمن الشرقاوي الذي قدم للسينما رواية الارض حيث يتشابه هذا العمل من حيث واقعيته مع ما كتبه محفوظ عن الحارة فالاثنان يرمزان الي الوطن وينقلان صورة حية لارتباط الانسان المصري بموطنه الذي يمثل جزءا أصيلا من تكوينه وتراثه فالارض عند عبد الرحمن الشرقاوي تعادل بالنسبة للفلاح الحياة وفقدانها هو الموت او النفي، وكذلك الحارة عند نجيب محفوظ هي الوجود والكرامة كما في عالم الفتوات والحرافيش الذي تلزمه القوة لتثبيت الاقدام وبسط النفوذ علي الحارة واهلها وهو البعد الميكافيلي الذي يمكن استنتاجه في استخدام الفتوات للقوة كوسيلة لحماية اهل الحارة من ناحية وقمعهم وضمان ولائهم من ناحية اخري، فالغاية هنا تبرر الوسيلة من وجهة نظر ابطال الرواية.ولعلنا نرصد ايضا في المقارنة بين حارة نجيب محفوظ ورواية دماء وطين للأديب الكبير يحيي حقي التي قدمت بالسينما تحت اسم البوسطجي علاقة اخري تتمثل في الشرف كقيمة يستلزم فقدانها او التفريط فيها القتل مثلما حدث للبطلة جميلة التي حملت سفاحا فقتلها والدها الفلاح حفاظا علي سمعته ومكانته، وهذه الجزئية تعرض لها محفوظ ضمنا في كثير من رواياته والمح بشكل خاص الي فلسفة الشرف ومفهومه عند ابناء الطبقة الوسطي كدليل علي الطهارة والعفة، كما ورد في فيلم بداية ونهاية حين ارغم الضابط حسانين شقيقته نفيسة علي الانتحار والموت غرقا اثر علمه بضبطها بأحد بيوت الدعارة. وفي تقديري ان السينما استفادت كثيرا من تلك الرؤي الابداعية في معالجتها للقضايا الاجتماعية ذات الحساسية الخاصة، لا سيما ان يوسف ادريس تناول ايضا قضية الشرف في رواية الحرام التي تحولت كذلك الي فيلم طرح بعدا اخلاقيا يتصل بعملية الحمل السفاح وثقافة المجتمع القروي في تعامله مع مثل هذه الحالات، واتصور ان شيئا من هذا القبيل ناقشه يوسف ادريس في رواية النداهة ، ولكنه لم يكن متعلقا بعملية الاغتصاب قدر ما كان مرتبطا بمفهوم الغواية وتأثير المدينة الساحر علي ابنة القرية واستجابتها اللحظية لملاطفة البكوات، ويعد هذا الدور واحدا من ادوار ماجدة الصباحي المتميزة فقد جسدت دور الفلاحة الساذجة زوجة البواب شكري سرحان الذي يغار عليها من البكوات ساكني العمارة وملاكها. وفيما يتشابه الثلاثي عبد الرحمن الشرقاوي ويحيي حقي ويوسف ادريس في بعض الاطروحات الادبية الدرامية مع نجيب محفوظ يختلف احسان عبد القدوس في رسم شخصياته وتكوينها فاحسان كان معنيا بمجتمع الاثرياء اكثر من اهتمامه بأبناء الطبقات الشعبية فهو ينظر من موقع الرجل البرجوازي الي الواقع الذي يألفه، ففي النظارة السوداء علي سبيل المثال يدخل بنا المحيط الاجتماعي لفتاة ارستقراطية مستهترة نادية لطفي ليفتش في حياتها الشخصية ونتعرف علي نماذج من علاقاتها المفتوحة واجوائها المليئة بالصخب والملذات، فهو هنا يطرح شكلا مغايرا للحياة الشعبية لا يعدو واقعا خاصا بالصفوة ولا يمكن ادراجه ضمن القاموس الاجتماعي للمصريين، ومن ثم يصعب استيعابه او الالتفاف حوله كفن يعبر عن الاغلبية مثلما هو الحال عند نجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي ويحيي حقي ويوسف ادريس، فالاربعة برغم مذاقهم المختلف الا انهم من حيث الموضوع يمكن جمعهم في وحدة واحدة، ولكن يظل رائد الواقعية الروائية في السينما هو نجيب محفوظ بلا منافس فسبعون عاما من العطاء والبذل تكفي لتتويجه ملكا علي عرش الرواية المكتوبة والمصورة فليس لدي السينما محفوظ آخر.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية