تنكأ احداث سورية الدامية، مزاجا عميقا ومزمنا، من العيش تحت وطأة النكران، والتلطي، وراء حجب الممانعة، والثمن الوطني، لقضية العرب الاولى ـ فلسطين- والتماهي بين مشروع قومي، نشر البؤس في أرض السمن والعسل، وبين شعب خبر وتمرّس، في مماحكة شظف الداخل وريبة الخارج، حتى صار إدمان التهرب من الواقع، قانونا اجتماعيا عاما، تتوارثه الاجيال المتلاحقة، تحت خيمة دولة المخابرات والشبيحة.
هل يبدو الامر بهذا السوء؟ عش اربعين عاما، في وطن، ينكرعليك صفة انتمائك اليه، ما لم تكن من رعايا الخوف وستعرف ذلك.
وللسوريين، كأمّة اكتمل نسيجها قبل الاف السنين، واستوعبت من الغزاة والفاتحين، ما لم تعرفه أمة اخرى، قصة مريرة مع الانكار، والنكران، وابتكار الواقع المغاير؛ لما تفرضه آلة العنت اليومية منذ أربعة عقود.
نحن شعب، سيئ الحظ، وقليل الحظوة، لدى التاريخ مع أننا من أوائل صنّاعه، ففي ارض اجدادنا المكسوة بخيباتنا، نعيش افتراضا على انتصارات لم تحدث، ونتسلم جيلا وراء جيل، راية قضية انهكت روحنا الوطنية، قبل اقتصادنا، واختطفت مستقبلنا ومستقبل اولادنا؛ لتعيش صور مزيفة، أجبرنا، تحت غائلة الخوف من الاندثار في اقبية الكرابيج والكهرباء وأبسطة الريح، على الاحتفال بها مرارا؛ كشعائر لبقاء وطننا، مرمّزا بمن يقتلنا، ويسجننا، ويستبيح حاضرنا، ويزوّر ماضينا، لينهب مستقبلنا.
نحن شعب، نستيقط على اللون الكاكي، وطابور’الطلائع’، و’الامة الواحدة ذات الرسالة الخالدة’؛ لندرك أن ثلاثة أرباع حصّتنا في أرزاق أهلنا، تذهب إلى جيش لم نره يوما إلا في حماة ودرعا وحمص. ونمسي على سنين متراكمة، من الخوف والرضى بالعودة الى صباحات دمشق واخواتها الباهيات؛ حيث لا فرق بين جماهير واخرى إلا بالولاء. وحين يضيق صدر الوطن بنا، نرمى إلى شوارع العواصم، منفيين، ومهاجرين، ووافدين، تستقبلنا الريبة؛ فنحن ابناء نظام ‘غير مريح’ للجيران و’معاد’ للغرب، نحن الهاربين، من جحيم بلادنا المستتر وراء مسيرات المبايعة والولاء والوفاء لمن عاش ومات، نحتاج الى موافقة ‘أمن دولة’ في أيّ مكان سيمنحنا بعض الأمل بعيش كريم؛ لأننا سوريون موصمون بـ’شبهة المخابرات’ ورغبة التوسع السياسي الاقليمي لزعماء لم ننتخبهم.
نحن الخارجين من ربقة منعنا من كل شيء، شرطا لاستثناء بعضنا، بحقه في جواز سفر، نصطدم في كل زاوية من زوايا الارض المنعمة بالحرية، بكوننا سفراء لنظام لا يكلف سفراؤه أنفسهم عناء السؤال عمن تتناهبه الاحوال، في غربات قد ننسى اصطحاب أيّ شيء في حقائبنا إليها، سوى حسابات العودة ودفع ثمن تفوهاتنا الخارجة في امان البعد عن زوار الليل.
نحن السوريين.. شعب اختصه العالم بشروط ‘ضمان العودة’، لمنحنا فيزا إلى بلاد يسافر اليها لصوصنا، كما يذهبون إلى حدائق قصورهم، المبنية من أموالنا، ونفطنا الذي نضب دون نعرف عن مصير بلايينه شيئا، وقمحنا الفاخر الذي يباع لنشتري عوضا عنه خشاش الارض، ونخبزه لاطفالنا في طريقهم الى مدارس يسرق ثمن وقود التدفئة فيها، كي يتعلموا ‘طلائع.. شبيبة.. بعث’، وتقحم في رؤوسهم كما رؤوسنا قبلهم، شعارات الدفاع عن حقوق كل مظلومي الارض إلا حقوقهم.
نحن الذين نتلمظ على صور العواصم في كتب الجغرافيا، وبطولات الآباء والاجداد في كتب التاريخ، ونئن تحت رحمة ركام ثقيل من الحسابات المبكرة، لما سنفعله حين تحين ساعة الحرية، وجدنا كلّ ‘أعداء وأصدقاء’ طغاتنا، يعيدون تدوير زواياهم ستة اسابيع على جثثنا؛ بحثا عن بديل لا يخرّب واقعا منكرا، فرضه انقلاب الصورة التاريخية لبلادنا على مدى عقود، وينكرون حقنا في تغييره، الى بدائل أخفيت في زنازين 17 صنفا من المخابرات.
نحن السوريين.. سنحشر التاريخ في طريقه الصحيح، لنعيد انتاج زمننا كما يفترض لأمّة، حدث بين ظهرانيها الفرق بين التاريخ وما قبله، فإمّا أن تجربوا وصفة ‘الله.. سورية.. حرية وبس’ أو أن تتركونا نموت بلا بحث لا أخلاقي عما يريح ضمائر الصامتين. سهيل نظام الدين