نحن بحاجة ماسة الى جيل جديد من الزعماء

حجم الخط
0

يمتلىء التاريخ الانساني بنماذج الزعماء الذين لم يغيروا شيئا، ومن جهة اخرى القليل من الزعماء الذين ارتفعوا الى مستوى رجال الدولة وتركوا بصماتهم على التاريخ. لا يوجد هنا مجال للشروع في نقاش نظري في موضوع واسع بهذا القدر. ولهذا فاننا نحاول تطبيق الاستنتاجات اللازمة على النزاع الاسرائيلي العربي والدول المشاركة فيه.
منذ قيام اسرائيل وحتى اليوم، وحتى قبل ذلك، ثمة قليل جدا من نماذج رجال الدولة العظماء الذين ارتفعوا الى مستوى مغيري وجه التاريخ. بن غوريون كان الوحيد في اسرائيل الذي قاد الشعب اليهودي الى أحد أكبر انجازاته، اقامة الدولة وتثبيتها في العقدين الاولين لها.
سيدعي المعارضون بان بيغن هو الاخر غير وجه التاريخ بعقده اتفاق سلام مع مصر وباخراجها من دائرة الحروب وكذا رابين في اتفاق السلام مع الاردن وتحريك الخطى نحو اتفاق سلام مع الفلسطينيين. وحتى لو أخذنا بهذا القول، ففي أفضل ما نراه، لا يمكن مقارنة مشروع بن غوريون بمشروعي بيغن ورابين. وكل باقي الزعماء كانوا متوسطين فأدنى ووجهتهم كانت نحو تخليد الوضع القائم.
أنشأ الفلسطينيون من أوساطهم زعماء لم يكونوا أبدا جديرين بلقب زعيم. وقد حملوه لمجرد تواجدهم خلف دفة الحكم، اذا كان يمكن على الاطلاق ان نسمي الكيان السياسي الذي كان حتى 1993 كيانا حاكما. عرفات كان رمزا مضادا للزعامة، قوالا لا صلاح له، كذابا بلا تحفظ، قاد شعبه من السيء الى الاسوأ. من مصيبة الى اخرى. وحتى اولئك الذين احاطوا به لم يكونوا افضل منه، على أقل ما يمكن قوله.
ولم تغير اقامة السلطة الفلسطينية الوضع من الاساس. ابو مازن هو رجل الامس مثلما هم ايضا اولئك الذين يحيطون به. كلهم تقريبا هم ‘خريجو تونس’ ممن لم يغيروا رداءهم في الحركة السرية الا برداء وهمي ليس أكثر.
في محيطنا ايضا الوضع يشبه جدا ما كان على مدى سنوات طويلة. زعيم مصر هو من ذات نوع سلفه الذي كان من ذات نوع سلفه. في سوريا لا جديد غير حرب ابادة يديرها الجزار من دمشق ضد شعبه. وفي دول عربية اخرى وقعت فيها ثورات أو أكثر انقلابات، من حيث الجوهر، بقي الوضع كما كان عليه. لا ديمقراطية، لا حريات، كل شيء قوة. وأينما كانت القوة لا تكفي، يتم استخدام قوة أكبر. لا يوجد أي استعداد لتغييرات نحو عصر جديد من الهدوء والسلام.
عيون الجميع كانت تتطلع الى الولايات المتحدة فقد تنجح بوساطتها في احلال تسوية سلمية بين اسرائيل وبين العرب، ولا سيما الفلسطينيين. ومنذ أن نجح الرئيس كارتر في حمل بيغن والسادات على التوقيع على اتفاق سلام، لم يقم زعيم أمريكي يؤثر بشكل جارف في منطقتنا. لا بوش الاب ولا كلينتون ولا بوش الابن ولا اوباما نجحوا في حل المشاكل، في تحريك مسيرة سلمية حقيقية بين اسرائيل وجيرانها.
كما أن الشخصيات الاخيرة التي كانت، ولا تزال تشارك في المفاوضات، سواء بشكل مباشر او بشكل غير مباشر، مثل المستشارين والموظفين الكبار، لم يتغيروا حقا. انظروا مارتين اينديك ودنيس روس المستشار الذي يعرض ‘بضاعته’ في كل مناسبة رغم حقيقة ان شيئا أو نصف شيء لم يتحقق مثلما توقع. وهذه مشكلة حقيقية. حان الوقت لان يقف خلف دفة الحكم ايضا زعماء يكونوا قادرين على أن يتخذوا قرارات صعبة، جريئة، دون خوف أو رعب. فقط هكذا نجح المتميزون في السير بالعالم الى الامام.
نعود الى اسرائيل. على افضل ما نراه، فان اسرائيل توجد في أزمة قيادية خطيرة للغاية. ذات الشخصيات العتيقة تظهر المرة تلو الاخرى من جحورها دون أن تقترح شيئا. انتبهوا لزعماء الاحزاب القديمة وسيتضح لكم كم هي ذات الشخصيات ترافقنا منذ سنوات دون أن تقدم بنا الى الامام حتى ولا ميليمتر واحد. بيبي ذاته، اولمرت قبله ذاته، وشارون، وبيرس، وفؤاد، وداليا ايتسيك، وايهود باراك، وذات كحلون، وذات زهافا غلئون وتسيبي لفني وموفاز، والقائمة طويلة طويلة. والحقيقة هي أن بشكل شخصي، مللناهم. فهم لن يقودونا الى اي شاطيء أمان بل سيواصلون ذات الطريقة التي لا تنتهي ونعرفها جميعنا جيدا.
ثمة في اسرائيل القدرة على ابراز زعماء حقيقيين، من اليسار ومن اليمين. المشكلة هي تخوف الكثيرين من الاقتراب من السياسة خشية أن يجدوا أنفسهم مدفونين عميقا فيها. وليس فقط عندنا بل وايضا في أوساط جيراننا بل وفي اوساط القوى العظمى. هذه أزمة عميقة. ودون زعامة حقيقية، من الصعب توقع تحولات تحسن لنا جميعا.

معاريف/الموقع 23/4/2014

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية