يستعصي المشهد المصري على التحليل البسيط، وليس من السهولة إحالته أو مقارنته بثوراتٍ سابقة، ولا يرجع ذلك في رأيي إلى حالةٍ من السيولة مما يتوقع حدوثه في خضم أوضاعٍ ثورية، وإنما لسببٍ أعمق وأبعد اثراً من ذلك، ألا وهو أن ‘الثورة’ بمعناها الأهم والأدق، أي تغيير البنية الاجتماعية – الاقتصادية ووصول الطبقة والفئات صاحبة المصلحة في الثورة التي شكلت وقودها ومادتها، إلى السلطة. إن ثورةً بهذا المعنى لم تحدث بعد.. وعلى ذلك فإن مجمل ما نراه الآن إنما يعكس حالة انعدام الحسم والتطاحن التي تدور على مستوى القاعدة، وتخترق كل المستويات أفقياً وعرضياً، خاصةً بعد أن تكرم الإخوان وشركاؤهم بإقحام بُعد الهوية إلى هذا الصراع الدامي، الذي لم تلح له نهاية في الأفق بعد. ومن هذا المنطلق نفهم تجاور اليأس والإحباط ونفاد الصبر لدى العديد، مع التفاؤل والشوق لمستقبلٍ زاهرٍ، في ظل الاستقلال الوطني لدى آخرين.
وهم إذ يتخطون الواقع الرث برؤاهم تلك فإنما يستندون في ذلك إلى بعض التحركات والتطورات التي أوافقهم على إيجابيتها، لكن يبقى السؤال ذاته يلح علينا: هل هذه تغييراتٌ ثورية؟
للأسف الشديد لا.. أقولها بحزن، لقد ضاعت فرص التغيير الثوري حتى الآن.. ضاعت في 25 يناير، ووحده الله يعلم إن كانت 30 يونيو ستضيع أم لا.. فنحن في الحالتين نرى حراكاً هادراً لا سابقة له في التاريخ، من حيث الأعداد، لكنه يقف دون الجائزة الكبرى، سلطة حكومة من الثوار للثوار، ولا نرى مكتسباتٍ ثورية… ‘نسمع جعجةً ولا نرى طحناً’. ولئن كنت قد تنبأت وتخوفت منذ 27 يناير 2011 في مقالٍ منشور في هذه الجريدة، من أن تدفع مصر ثمن التجريف السياسي طيلة ثلاثة عقود، وضعف التنظيمات السياسية، فما نراه اليوم ونعاني منه من عدم اكتمال الثورات خير شاهدٍ على ذلك. كما أن المؤشرات، حتى الإيجابي منها، لا يشير إلى استكمال الثورة بمعناها الأعمق الذي أسلفت.
وقبل أن يتهمني البعض بأنني أهوى النواح ‘ولا يعجبني العجب أو الصيام في رجب’، فإنني سأركز على بضعة ملامح آخذة في التشكل تدعو إلى الانزعاج والقلق في رأيي:
فمن ناحية هناك أسطورة الفريق السيسي الوليدة.. وهي ظاهرةٌ شديدة الخطورة متعددة الجوانب، ولكي نفهم أي شيء فلا بد ان نعود إلى أصوله، وفي هذه الحال أن نسأل أنفسنا: من هو هذا الرجل؟ والإجابة هذه المرة بسيطة…هو ضابطٌ كبير كان يشغل منصباً حساساً، يتحدر من أسرةٍ ميسورة نسبياً، ابتُعث في الولايات المتحدة ويشهد له من عرفوه وتعاملوا معه بالنزاهة والجد والاستقامة الخلقية والتدين.. وهي كلها أمورٌ رائعة جديرة بالثناء، والباقي نعلم جميعاً خطوطه العريضة: 25 يناير والمجلس العسكري فحكم الإخوان…ولئن كان اسم الفريق السيسي قد تردد في سياقٍ سلبي قبل ذلك، وهو كشوف العذرية، فإن شهرته اتسعت وطبقت الآفاق مع توليه وزارة الدفاع، ومن ثم نصائحه/ تحذيراته الشهيرة للدكتور مرسي لتفادي الكارثة التي حاقت به في النهاية.
والحقيقة أن ‘ظاهرة الفريق السيسي’ أخذت في التطور منذ ذلك الحين في صورة استدعاءٍ من قبل البعض، والتحريض من قبل البعض الآخر على التحرك للإطاحة بحكم الإخوان، إنقاذاً لمصر والدولة من الضياع قبل فوات الأوان.. ولم يساعد الإخوان أنفسهم، وما علينا إلا أن نتذكر الاجتماع السري- المفضوح لمناقشة سد النهضة للتأكيد على ذلك، ثم حدث ما حدث في 30 يونيو، والباقي يعرفه الجميع. ولن أجادل في أن تحرك القوات المسلحة حقن دماءً كثيرة تتخطى بمراحل ضحايا فض الاعتصامات، ولا في وطنية المؤسسة العسكرية ولا صلابة ورجاحة موقفهم من الإملاءات الأمريكية في سابقةٍ نسيناها منذ أيام الكرامة والتحدي الغابرة، المدهش حقيقةً يكمن في ردة الفعل الشعبية والإعلامية، إذ بدأت تظهر تلك الصورة (التي لم يجزم أحد بمدى صحتها ) لطفلٍ يؤدي التحية العسكرية للراحل جمال عبد الناصر، وزعم أن ذلك الطفل ليس سوى الفريق في صغره.. ولا يخفى على أحدٍ ما في الربط من إيحاءٍ بالاستمرارية واستدعاءٍ لمرحلةٍ ذات مكتسباتٍ شعبية وسياسية إقليمية وعالمية وكرامة، ثم انهمرت التعليقات والمقالات، بل والقصائد تتغنى بالفريق، بمحاسنه وبطولاته، وهي كلها تتطابق في المضمون الذي يحض ويستدعي الفريق على البقاء ليكمل ‘جميله’ على مصر، وتتفاوت في الشكل ما بين الحفاظ على ورقة توتٍ من اللياقة وماء الوجه، إلى الغزل الصريح الصفيق الذي لا يرقى فوق مستوى أفلام الجنس، وليس أدل على ذلك من قصيدةٍ ذهب صاحبها إلى القول ‘نساؤنا حبلى بنجمك’! والأعجب أنها وجدت من يجيز نشرها في جريدة! ولا تملك سوى أن تسأل نفسك ماذا فعل الرجل ليستحق كل هذا، ثم هل المقارنة بينه وبين عبد الناصر في محلها؟ بالطبع لا.. لقد كان عبد الناصر مبادراً حين أنشأ تنظيمه الخاص، بهدفٍ واضحٍ هو الثورة، كما أنه كان شاباً صغير الرتبة وكذلك كان زملاؤه، ولم تربطه أية صلات من حيث الخلفية الاجتماعية وتشابك المصالح مع الطبقات الحاكمة، وفور نجاح ثورته ضرب هذه الطبقات، خاصة ملاك الأراضي، ضربةً قاتلة بقانون الإصلاح الزراعي في وقتٍ مبكرٍ من حكمه. لقد غير عبد الناصر تركيبة المجتمع.. أما الفريق السيسي، فلست أظلم الرجل أو أقدح فيه إذا قلت انه لم يكن ثورياً، والرجل للأمانة لم يدعِ ذلك، فهو تدرج في سلك ومراتب العسكرية المنضبطة، لم يشكل تنظيماً ولم يبادر بثورة، ثم دفعته الأحداث إلى حيث هو الآن. وما أحسب إلا أن الناس في شوقهم إلى الخلاص من حالة الفوضى والفشل وخيبة الأمل والهزيمة قاموا بإسقاط كل أحلامهم وتصوراتهم وأمانيهم وأشواقهم على الرجل الذي بات محط التقديس والحب غير المتعقل، الذي ربما يحمل الرجل فوق ما يطيق.. ولم يتوقفوا ليسألوا أنفسهم: ألم يكن الرجل، باعترافه، يؤدي دوره كضابطٍ منضبط، وليس ‘جميلاً’ كما تفضل البعض؟ هل يستطيع الرجل أن يحقق تلك الأماني… بل والأهم من ذلك، هل يريد؟!
إن ما يحزنني ويزعجني حقاً ما تمثله تلك الظاهرة من هروب.. أجل هروب.. ولا أفهم كيف أن شعباً خرجت ملايينه لتغير التاريخ يبحث عن مخلصٍ أو نبيٍ يخلع عليه آيات القداسة، ولا كيف تدفعه صعوبة المعيشة واليأس إلى استبدال قيدٍ بقيدٍ آخر، وإن كان في صورة ما يتصوره بطلاً- أسطورة؟! هل هو الميراث الثقافي أيضاً؟
الأكيد أن الإعلام الذي يدعي الاستقلال، الفلولي بامتياز في واقع الأمر، يبذل قصارى جهده في تكريس وتضخيم وتجذير هذه الأسطورة، في أطار تلك السردية الجديدة عن المؤسسة العسكرية، قدر مصر ووسيلتها الوحيدة للنهوض.. ولا تسأل أين الشعب، أين ‘الجمهور المدني’؟ لقد كنا من قبل ننعى على الشعب المصري ‘جموده’ و’استكانته’، وها هو قد تحرك… لن أقول ان النخبة خذلته، ذلك حكمٌ قاسٍ يغفل الكثير من التفصيلات المعقدة، ولكنه لم يجد النخبة في انتظاره لتتقدم للقيادة النظرية… ويبدو أن نفس النخب الرثة تستصعب المشوار فلا تريد أن تسير مع هذا الشعب وتفضل عوضاً عن ذلك القفز إلى الأمام، إلى استدعاء البطل-المخلص. إن أخشى ما كنت أخشاه، وما أراه يحدث أمام عيني، هو تحول 30 يونيو إلى حصان طروادة الذي سيتسلل فيه كل الفلول إلى المشروعية… وإذ يتحدث البعض الآن عن الأهمية الفائقة لاستعادة جهاز الأمن الوطني (أمن الدولة في رطانة الأزمنة الخوالي)، ذلك الذي شوه وقام بإخصاء الحياة السياسية المصرية، لدوره، فأرجو ألا نفيق في يومٍ لنرى من يمدح ويبرهن على مدى صواب انحيازات مبارك واختياراته.
أنا أيضاً أطالب الفريق السيسي بإكمال جميله بعدم الترشح للرئاسة.. أن يكسر تلك الدائرة المفرغة، وساعتها لن تعود مصر إلى التارخ فقط وإنما سيدخل هو التاريخ من أوسع أبوابه…
‘ كاتب مصري