نحن والأجداد

حجم الخط
3

كثيرة هي الأحاديث التي تدور حول العراقة والأصالة التي تميزت بها أمتنا، وطالما تغنينا بذاك التاريخ المجيد، والماضي التليد، حتى قاربنا أن نكون أمةٌ تقوقعت على ماضيها، بسبب قتامة الحاضر المؤلم، وضبابية المستقبل.
ولعلّ التغني بالماضي يُسكّن الروح، ويشفي غليلها؛ فتجد الكثير من الشباب العربي ممن ارتادوا مواقع التواصل الاجتماعي، يعزّون أنفسهم بهذا الماضي، رغبةً في مقاومة الألم، وربما بسبب العجز الذي نعانيه ونحن نشهد ما تبقى من رماد الماضي تذروه رياح واقعنا المؤسف، ليصبح هباءً منثوراً.
ومن تلك الأحاديث التي تدور في فلك مواساة النفس، يحدثني صديقي عن منشور لأحد الناشطين السوريين على موقع ‘فيسبوك’، حيث كتب هذا الناشط على صفحته شطراً من النشيد السوري قائلاً:
(فمنا الوليد ومنا الرشيد) مستوحياً من هذين الاسمين تاريخاً قد يبرد نار قلبه المستعرة، ويهدئ روحه الحائرة في هذا التيه الذي دخلت به أمتنا العريقة. إلا أنّ صديقاً له أراد مداعبته مستخدماً أسلوباً استفزازياً لا يخلو من التهكم والسخرية، وفي الوقت ذاته لا يخلو من نظرة واقعية واعية بعيداً عن رومانسية ذلك الناشط، علّه يوقظه من غفلته، فيعمل لحاضره ومستقبله، ويخرج من إسار التاريخ الذي لا ينفك يتغزل بما بقي منه؛ فقد ردّ ذلك الصديق على الناشط بتعليق يتضمن الشطر الثاني للبيت السابق، فقال (فلم لا نسود ولم لا نشيد). وقد أتبع التعليق برسم على شكل ابتسامة لا تخلو من مرارة الألم المتمخض عن هذا التساؤل.
وقد وجدتها فرصة سانحة كي أرد على استفهام هذا الصديق اللطيف، وأحاول وإياه الإجابة بشفافية عن تساؤله. فإذا كنا فعلاً نفخر بإنجازات الخليفة الأموي ‘الوليد بن عبد الملك’ وما حققه من انتصارات أرسى بها دعائم دولة قوية، كما نفخر بقوة وحنكة الخليفة العباسي ‘هارون الرشيد’ وما خلفه لنا من إرث سياسي واقتصادي لامثيل له. وإذا كنا فعلاً نفتخر بانتماء هذين العلمين إلى أمتنا، فيجب علينا حقاً أن نتساءل وبكل جدية: ما الذي تغير؟ ولماذا؟ وبكل صدق يجب أن نسأل : لم لا نسود ولم لا نشيد؟!
ولو أردنا الإجابة، فالأمثلة والنماذج كثيرة أمامنا لترشدنا إلى أجوبة شافيةٍ وكافيةٍ. ففي زمن هذين الرجلين اللذين تغنينا بهما، كانت مدننا تمثل إشعاعاً حضارياً يجذب برونقه طلبة العلم من أوربا والعالم أجمع، ولم يكن حلم المواطن أن يحصل على جواز سفر أمريكي أو أوربي، ولم يفكر أصلاً في تلك الأيام أنه سيأتي عليه يومٌ يغامر فيه برحلة بحريةٍ قد تكلفه حياته ثمناً لها في سبيل الهرب من الموت والجحيم.
في زمن أولئك العظام كان الرجل العربي لا يلقى عناءً في التعبير عن عظمة حضارته، وسماحة دينه، ورقي بلاده، لذلك كانت معظم البلدان تفتح على مصراعيها أمام المسلمين، وأكثرهم دخل في دين الإسلام طوعاً لما رآه من حسن أخلاقهم، وطيب أنفسهم. أما اليوم فبأي طريقة ستقنع الأوربي أو الأمريكي أنك من أمةٍ وصفها الخالق بأنها : (خير أمةٍ)؟!
هل ستغريه بقرصنة الصوماليين الذين لم يجدوا طريقاً للعيش سوى مصادرة البحر بمن فيه؟ أم إنك ستعده بالأمن والأمان في ليبيا التي تفور وتغلي في كل لحظة؟! هل ستحكي له عن سحر الشرق وما تحمله الحياة من بهجة في صحراء العرب في ظل كفيلٍ يستعبده ويسيل لعابه لممارسة دور السيد والرقيق على مكفوله؟! أم تراك ستمنحه فرصة لراحة عقله من الأبحاث والعلوم الدنيوية التي لن تنفعه سوى بصناعة الصواريخ والأنظمة المعقدة وزخم التكنولوجيا ليعيش حياة الدعة والبساطة، ويحدث الآخرين وهو يلتهم صحن’ الكبسة’ عن عقوبة الدخول إلى الحمام بالقدم اليمنى بدلاً عن اليسرى؟!
هل ستفلح بجعله يتخلى عن صديقته الشقراء ذات الطول الفارع، والشفتين المكتنزتين اللتين تعود أن يقبلهما مع كل لقاء، ليتحول عنها ويقتنع أنها مخلوق من كوكبٍ آخر يجب تغليفه بالسواد؟! هل سترسم له الجنة الموعودة في فردوس الشام، وستفلح بإقناعه أن دمشق ستعود آهلة بالسكان بعد كل هذا الدمار؟! وأن بغداد حاضرة بني العباس وموئل العلماء ستعود مكتبتها لترفد العالم بأثمن العلوم؟
بالله عليك ماذا بقي لديك من ماضٍ يمكنك الاتكاء عليه كي تقنع هذا الآخر بماضيك؟!
هل ستقنعه أنّ ارتداء البنطال والقميص هو زي ‘إفرنجي’ قد يحرمه السلام ممن ارتدى ثوباً وقصّره؟ وأن الحياة والنظام الكوني سيختل توازنهما إن هو شرب الماء بيده اليسرى؟!
أم إنك ستسعى لجعله يتوشح خنجراً، ويضرب جسده بالسلاسل حتى يدميه حزناً وكمداً على ذنبٍ لم يقترفه منذ ألف عام؟!
ماذا بقي لديك يا صاح كي تفخر به؟!
هذا ما أراد الصديق إيصاله لصديقه المتفاخر بماضيه التليد، عسى أن يخرج من شرنقة الأحلام الرومانسية، ويعي حقيقة الانتماء للوليد والرشيد؛ حينذاك ربما سيفخر أجدادنا بأحفادٍ ساروا على دربهم، وحملوا شعلة الانتماء وحافظوا على إرثهم العريق. وإلا فإنا سنبقى أمةً أسيرة التاريخ لا تقوى على الخروج من شرنقته، وبالتالي لا يحق لنا التفاخر بأمجادٍ صنعها أناسٌ لا نستحق الانتماء إليهم.

كاتب سوري ،محاضر في كلية الآداب ـ جامعة الفرات

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية