د. عبدالوهاب الأفندي
(1) في مطلع هذا الأسبوع، أكمل الجيش البريطاني انسحابه من أيرلندا الشمالية، منهياً بذلك وجوداً دام قرابة الأربعة عقود وكان أحد أهم محاور النزاع في ذلك الإقليم الذي مزقته الصراعات لقرون. وقد كان إنهاء هذا الوجود العسكري موضع ترحيب من الجميع، ما عدا بالطبع العراقيين والأفغان ممن يتم هذا الانسحاب في اتجاههم.(2)أيرلندا كانت أول مستعمرة بريطانية (كثير من الاسكتلنديين قد يجادلون بأن اسكتلندا تستحق هذا اللقب) حيث شرع حكام انكلترا في غزوها في القرن الثاني عشر الميلادي، واستمروا في قمع ثورات شعبها المتكررة حتي مطلع القرن العشرين. وبحسب المناضلين الجمهوريين في أيرلندا، فإن الإقليم هو أيضاً آخر المستعمرات البريطانية التي ما زالت تنتظر التحرير.(3)بسبب هذا الوضع المتميزلأيرلندا، فإن مصيرها ارتبط أيضاً بمصير كثير من مستعمرات بريطانيا، بما في ذلك المستعمرات في العالم العربي. علي سبيل المثال، فإن القوات البريطانية التي وصلت إلي أيرلندا الشمالية في عام 1968 كانت تحمل ملصقات تحذر المواطنين من التظاهر، ولكن هذه الملصقات كانت مكتوبة باللغة العربية، لأن هذه القوات جاءت مباشرة من عدن. وبالمثل فإن معظم القوات التي انسحبت من أيرلندا الشمالية أرسلت مباشرة إلي البصرة أو ولاية هلمند في أفغانستان.(4)من المستغرب أن هذا الترابط بين مصير الأيرلنديين والعرب لم يؤد إلي تعاون حقيقي مع أيرلندا أو تفهم لقضاياها من قبل المثقفين والناشطين العرب، سوي ما كان من دعم بعض الدول مثل ليبيا للجيش الجمهوري الأيرلندي، وتعاون بعض الحركات الفلسطينية مع الجمهوريين الأيرلنديين. وهذه كانت كالعادة الطريقة الخطأ في التعامل مع هذه القضية، خاصة إذا قارناها مع مجهودات الجالية الأيرلندية في الولايات المتحدة التي لعبت دوراً مؤثراً في دعم القضية الأيرلندية.(5)من الطريف بالمقابل أن الناشطين الأيرلنديين اتجهوا منذ وقت مبكر إلي الربط بين نضالهم للتحرر والقضايا العربية، أحياناً بتبني الطريقة العربية في التطرف. علي سبيل المثال فإن صحيفة مناصرة للنضال الأيرلندي كانت تصدر في شيكاغو في القرن التاسع عشر دأبت عند اندلاع الثورة المهدية في السودان في ثمانينات ذلك القرن علي الاحتفال بانتصارات الحركة المهدية وتحريض قرائها للذهاب إلي السودان للقتال مع إخواننا هناك ضد الاستعمار البريطاني.(6)أيرلندا تقدم للمستعمرات السابقة دروساً مهمة في التغلب علي التركة الثقيلة للتجربة الاستعمارية. فهي قد عانت أكثر من أي دولة أخري من تغلغل استعماري دام قروناً، ومزق البلاد دينياً وسياسياً عبر الاستعمار الاستيطاني في الشمال، وفرض عليها الفقر الذي كان من أسوأ تجلياته المجاعة التي أودت بمئات الآلاف في القرن التاسع عشر، وتهجير غالبية الأيرلنديين إلي بقاع العالم المختلفة مما أوشك أن يفرغ أيرلندا من سكانها ويعوق مسيرة التنمية فيها.(7)أيرلندا الآن تجاوزت كل ذلك وتحولت إلي دولة حديثة متطورة تتمتع بنظام ديمقراطي صحي واقتصاد مزدهر. وإذا كان كثير من الأيرلنديين ما يزالون يتحفظون علي ما يصفونه بأنه وضع استعماري في الشمال، إلا أن ذلك الإقليم قد حقق بدوره إنجازاً أعاد السلام والديمقراطية إلي ربوعه ووضعه علي طريق انطلاقة اقتصادية متوقعة واستقرار طال انتظاره.(8)مفتاح هذا التطور كان ـ إضافة إلي دينامية الأيرلنديين وقدراتهم الخلاقة ـ كان الاندماج في الاتحاد الأوروبي الذي قدم لأيرلندا وغيرها من دول أوروبا الأقل نمواً (وعلي الأخص البرتغال واسبانيا واليونان) دعماً مقدراً استفادت منه أوروبا بأجمعها.(9)لا يوجد طريق آخر مضمون نحو الازدهار والتقدم سوي هذا الطريق المجرب، وهو طريق التحرر من الاستعمار والديمقراطية والوحدة والتعاون. ولكن هل نحتاج إلي التذكير بأننا في العالم العربي اليوم نسير في الاتجاه المعاكس (وليس علي طريقة فيصل القاسم في الجزيرة) حيث نري بأم أعيننا الهرولة نحو براثن الاستعمار من جهة، وتمزيق الدول العربية المقسمة أصلاً من جهة أخري، إضافة إلي زيادة استبداد المستبدين؟ ألا يحسن بنا أن نعيد التفكير من جديد في أوضاعنا بالاعتبار بالتجربة الأيرلندية، بدءاً بالانتفاض ضد الاستبداد الذي هو أصل كل الشرور؟9