نحن ونوبل

منذ أيام قليلة، أعلن في السويد، عن الفائز بجائزة نوبل للآداب هذا العام، وكان اسما جديدا على أسماع معظم القراء العرب، وفيهم متابعون للشأن الثقافي بشدة، وأيضا قراء لا ينتظرون الترجمة العربية للكتب، لكن قد يلاحقونها في نسخها الإنكليزية، أو الفرنسية حسب ثقافتهم، وقد كتبت صراحة أنني لم أسمع من قبل بالتنزاني من أصل حضرمي: عبد الرزاق قرنه، أو قرنح، لا أدري بالتحديد، واعتبر بعض متابعيي أن هذا قصور في معرفتي، والحقيقة ليس ثمة قصور، فليس من المطلوب أن تعرف كل شيء، وتلم بكل قلم ساح في الميادين الكتابية، سواء كان عربيا أو أجنبيا.
وأعتقد أنني ذكرت من قبل أن لي جارا لصيقا، في الحي الذي أسكنه، كان يزورني أحيانا، يسمعنى أشعارا وأغنيات من نظمه، ويحدثني عن جبران خليل جبران، والعقاد، وطه حسين وآخرين، دون أن يعرف أنني أكتب أيضا، وأنني في الواقع، أنفقت عمري كله في الكتابة.
عبد الرزاق قرنه، بلا شك مفاجأة من مفاجآت نوبل، ودرس قوي في قهر التوقعات للذين يجلسون سنويا ليختاروا فائزهم من بين أسماء يعرفونها، ولا يودون معرفة غيرها، وليس الأمر يخصنا فقط كعرب، لكن حتى في التوقعات الأجنبية، تأتي دائما سير المعروفين عالميا، أو لنقل إعلاميا، فالكل يعرف التشيكي ميلان كونديرا، والياباني موراكامي، والسوري العربي أدونيس، وبعضهم قد يرشح اسما يحبه شخصيا، ويود لو نال تلك الجائزة الرفيعة، بينما قد لا يخطر ذلك الاسم على بال أعضاء لجنة الجائزة، وقد ظل اليهودي عاموس عوز، بكتاباته الصادمة، والعنصرية، اسما لامعا يتوقع أن ينال نوبل، حتى رحل منذ سنوات، دون جائزة.
على أن اختيار كاتب لا نعرفه، لا يعني بالتأكيد أننا أمام مبتدئ أو مغمور، فكل كاتب يصل إلى هذه الجائزة الضخمة، هو بالضرورة صاحب مشروع كبير، ورونق، وعالم قد يكون مبهرا للبعض وغير مبهر للبعض الآخر، ودائما ما أشير إلى أنني لم أكن أعرف الألمانية، هيرتا ميلر جيدا، قبل أن تحصل على نوبل، وعرفتها بعد ذلك كاتبة في غاية الجمال، لها عالم يخص فقراء موطنها النازحين إلى ألمانيا، أيام شاوشيسكو وجنونه وديكتاتوريته، شخصيات هشة وقوية، ومتفاعلة، وتبحث عن الأوطان البديلة، داخل نصوص عظيمة، أيضا عرفت أولغا توكارتشوك جيدا، من بعد نوبل وإن كنت قرأت لها من قبل، وكتبت عن كتابها: «رحلة» أو «رحالة» الذي قرأته باستمتاع لما فيه من المعرفة والجمال، وأنها تنقلك إلى عوالم لا تعرفها ولا تتوقع وجودها.

عبد الرزاق قرنه، بلا شك مفاجأة من مفاجآت نوبل، ودرس قوي في قهر التوقعات للذين يجلسون سنويا ليختاروا فائزهم من بين أسماء يعرفونها، ولا يودون معرفة غيرها، وليس الأمر يخصنا فقط كعرب، لكن حتى في التوقعات الأجنبية.

وهكذا كثيرون منهم شعراء طبعا، لم تصنعهم جائزة نوبل، لكن صنعتهم المثابرة والموهبة، وترك بصمات جديرة بتتبعها، ويبدو أن لجان تحكيم نوبل تفعل ذلك، تلقي الأضواء اللامعة خلف ظهرها، وتبحث في عتمة الإعلام عما تظنه جديرا بالبحث عنه.
أعرج على الأدب العربي، وأقول كما أقول دائما، إنه إحدى المعضلات الكبرى لشعوب لا تود أن تتعرف إليه جيدا، لا تود مصادقته أو التآخي معه كما حدث مع الأدب الآسيوي، واللاتيني، وكل آداب الكرة الأرضية. إنه في الحقيقة أدب ثانوي، لا يلفت النظر كثيرا، على الرغم من إيمان قليل من المترجمين والناشرين، به، لكن أتحدث عن النظرة عامة، فالكاتب العربي مهما اجتهد، وتعمق في الكتابة، واخترع بصمات واضحة، ورصف عوالم من الدهشة المطلقة، لكن لا بد من خيبة أمل عند المتلقي الغربي، وخيبة الأمل ليس في نقده أو التقليل من شأنه، وإنما في تجاهله وعدم قراءته إن ترجم إلى لغة أخرى، خاصة الإنكليزية، فلم يحدث أن شاهدت في أوروبا قراء يتزاحمون في مكتبة للحصول على رواية مترجمة لكاتب عربي، بينما شاهدتهم في روما مثلا يتزاحمون للحصول على رواية لهاروكي موراكامي، الذي يترجم عن اليابانية، وأورهان باموق الذي يترجم عن التركية، وعاموس عوز الذي كان يكتب بالعبرية، وهكذا يمكنك الوصول إلى لغات كثيرة، تجد مساحة من التسامح القرائي، حين تنقل نصوصها للغات أوروبية، بينما مساحة صغيرة جدا، من الإحساس بما يترجم عن اللغة العربية.
بالطبع أتحدث عن النصوص المترجمة عن العربية، لكتاب كبار وصغار على حد سواء، وليس عن الكتابة بلغة أوروبية، التي يقوم بها كتاب عرب نشأوا في الغرب، أولئك جزء من النسيج الغربي، على الرغم من انتماءاتهم، وتسليطهم الضوء، على معاناة أوطانهم، لأن القارئ يصل إليهم مباشرة دون وساطة، فالنجاح هناك إن حدث، فهو نجاح طبيعي، وعادي ولا غرابة فيه، كما حدث مع الأفغاني خالد حسيني، والتركية أليف شافاق، والياباني إيشجورو وحدث الآن مع عبد الرزاق قرنة، التنزاني المولود في زنجبار.
إذن كيف نحل معضلة الأدب العربي، ونجعله أخا لآداب الشعوب كلها؟ تلك المرتبة التي لم يصل إليها، حتى بعد نيل نجيب محفوظ لنوبل؟ المسألة ليست بسيطة بلا شك، رغم مجهودات مترجمين وناشرين غربيين يحاولون تقديم شيء، بإحساس نابع من قناعتهم بجدوى واختلاف ما يكتبه العرب، مثل الأمريكي وليام هتشنز، والبريطاني جوناثان رايت، والإسباني رافائيل أورتيغا، والإيطالية فدريكا بستانو، والإيطالية أيضا باربرا بنيني، وعدد آخر في لغات مختلفة مثل الفرنسية والتركية والفارسية.
رأيي الشخصي أن تنشأ جائزة عربية موازية لجائزة نوبل، لكنها تمنح للعرب فقط، ليس في مجال الإبداع الكتابي، لكن حتى الإبداع العلمي، والاجتماعي والتاريخي، ولا تكون مجرد جائزة مالية، لكن جائزة ذات ضجيج وصخب، ويسمع بها القاصي والداني، إنه رأي حلم كما أعتقد، ومن الصعب تحقيقه، والإبداع الإنساني ليس من أولويات العالم العربي، على الرغم من وجود جوائز، خاصة في المجال الأدبي، وهي جوائز مهمة مثل كتارا والبوكر العربية، والشيخ زايد، فقط نحتاج لجائزة تشمل كل المجالات كما ذكرت.
وحتى يقترب ذلك الحلم من مرفأ ما، وهذا ربما يحدث يوما، سنظل، نحن المتفرجين على جائزة نوبل الأدبية، ترسو هنا وهناك، ولا شاطئ عربي واحد يعجبها، لا أقول جائزة متكبرة أو عنصرية، وأقول فقط إن الأدب العربي ليس من أولوياتها.

 ‏كاتب سوداني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية